لا تُقاس رحلة رجل الصناعة محمد أبو العينين بعدد المصانع التى شيدها أو المناصب التى تقلدها، بل تبدأ من حلم آمن به شاب خرج من أسرة مصرية متوسطة، مقتنعًا بأن النجاح يُصنع بالاجتهاد والإصرار، لم يرث شركة عائلية أو ثروة كبيرة، لكنه امتلك رؤية واضحة، وإيمانا بأن العمل هو الطريق الحقيقى إلى النجاح.
فى سبعينيات القرن الماضى، وبعد تخرجه فى كلية التجارة الخارجية بجامعة حلوان عام 1973، بدأ «أبو العينين» يجوب شوارع القاهرة حاملًا عينات من السيراميك الإيطالى، يطرق أبواب التجار، بمنتج لم يكن مألوفًا فى السوق المصرية، واجه الرفض والتردد، لكنه لم ييأس، أقنع صاحب محل بإيجار نصفه فى شبرا، استقدم فنيًا إيطاليًا، ركّب السيراميك فى 15 يومًا، وافتتح المحل ليلًا، فكان الإبهار، وقف الناس ينظرون وكأنهم يرون شيئًا لم يروه قبل ذلك.
جاءت اللحظة الفارقة عام 1979، عندما قرر إنشاء أول مصنع حديث للسيراميك فى مصر بمدينة العاشر من رمضان، التى كانت آنذاك منطقة صحراوية تفتقر إلى البنية الأساسية، وبعد سنوات من التحديات والمفاوضات مع بنك التنمية الصناعية، افتتح المصنع الأول عام 1983 على مساحة 3500 متر مربع، بأربعة خطوط إنتاج و300 عامل، لتبدأ رحلة واحدة من كبرى القلاع الصناعية فى المنطقة، واليوم تضم مجموعة كليوباترا أكثر من 25 ألف مهندس وفنى وعامل، وتصدر منتجاتها إلى 108 دول، وأصبحت ثالث أكبر شركة فى العالم لإنتاج السيراميك والبورسلين، فى إنجاز تُوج بحصول أبو العينين على جائزة أفضل صانع فى إفريقيا عام 2018.
ويرى «أبو العينين» أن نجاح أى مؤسسة يبدأ بالإنسان قبل الآلات، لذلك يحرص على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين وأسرهم، ويؤكد دائمًا أن الولاء يُبنى بالعدل والاحترام والاهتمام الحقيقى بالناس، وهو ما جعل مؤسسته أقرب إلى عائلة كبيرة.
خارج عالم الصناعة، ارتبط اسم «أبو العينين» بالعمل العام والدبلوماسية البرلمانية، وشغل العديد من المناصب الإقليمية والدولية، إلى جانب نشاطه فى دعم المبادرات الاجتماعية وتمكين المرأة والعمل الخيرى، انطلاقًا من قناعة بأن نجاح رجل الأعمال يكتمل عندما ينعكس أثره على المجتمع.
ولم يقتصر نشاطه على الصناعة، بل امتد إلى السياحة من خلال إنشاء منتجعات فى شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم وطابا، وإلى الزراعة عبر مشروعات فى شرق العوينات والنوبارية، فضلًا عن الاستثمار فى الإعلام والعقارات والتكنولوجيا، وحين أراد أن يبنى جيلًا صناعيًا، أسس أكاديمية كليوباترا لتدريب الشباب على أحدث تقنيات الصناعة.
كذلك، كان التمييز حاضرًا فى مسيرة «أبو العينين»، حيث تمسك بالاستثمار داخل مصر رغم الإغراءات الخارجية، وخلال الأزمات، دافع عن الدولة المصرية فى المحافل الدولية، وشرح حقيقة ثورة 30 يونيو أمام الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبى، كما واصل بصفته الرئيس الشرفى للجمعية البرلمانية للبحر المتوسط ونائبًا لرئيس مجلس النواب، دعم قضايا السلام والتعايش وحقوق الإنسان.
ورغم مسيرة امتدت لعقود، لا يزال «أبو العينين» يؤكد أن حلمه الأكبر هو أن تصبح مصر فى مصاف الدول الصناعية الكبرى، وأن ينافس المنتج المصرى بثقة فى الأسواق العالمية. وبالنسبة له، تبقى الصناعة رسالة، ويبقى النجاح الحقيقى هو الأثر الذى يتركه الإنسان فى وطنه، وما يزرعه فى الأجيال الجديدة من إيمان بأن الأحلام الكبيرة تبدأ دائمًا بخطوة صغيرة.