رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الاقتصاد الأخضر .. استثمار لـ «بكرة»


9-8-2026 | 14:00

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم

تخطو الدولة المصرية بخطى ثابتة نحو تحول استراتيجى غير مسبوق فى قطاع الاستثمارات الخضراء، مستهدفة قفزة نوعية تصل بنسبة هذه الاستثمارات إلى 60 فى المائة بحلول العام المالى «2026-2027»، مقارنة بـ15 فى المائة فقط فى العام المالى «2020-2021»، وفى طريقها لتجسيد هذه الإرادة الوطنية على أرض الواقع نجحت الدولة فى ضخ استثمارات إجمالية بلغت 215.5 مليار جنيه حتى العام المالى «2024-2025»، لتكشف هذه الأرقام عن رؤية واضحة ومحددة تعيد رسم ملامح الاقتصاد المصرى نحو الاستدامة البيئية والنمو الأخضر الشامل.

 

فى هذا السياق، أكد الدكتور عادل عامر، مدير المركز المصرى للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن الاستثمار الأخضر فى مصر يعد إحدى الركائز الأساسية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، ويقوم على توجيه رؤوس الأموال إلى المشروعات التى تحقق النمو الاقتصادى بالتوازى مع الحفاظ على البيئة وخفض الانبعاثات الكربونية وترشيد استغلال الموارد الطبيعية، بما يسهم فى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتتنوع مجالات الاستثمار الأخضر فى مصر لتشمل مشروعات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلى جانب وسائل النقل الأخضر، ومنها مترو الأنفاق والمونوريل والقطار الكهربائى والأتوبيسات الكهربائية، كما تمتد إلى الإدارة المستدامة للموارد المائية بما يشمل تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحى وإعادة استخدامها، فضلًا عن الزراعة الذكية مناخيًا التى تعتمد على نظم الرى الحديثة منخفضة الانبعاثات الكربونية. وتشمل هذه المجالات أيضا إدارة المخلفات وإعادة التدوير وإنشاء المبانى والمدن المستدامة إلى جانب تطوير الصناعة الخضراء التى ترتكز على تقليل الانبعاثات ورفع كفاءة استخدام الطاقة.

وأوضح أن الدولة المصرية وضعت خطة للتوسع فى الاستثمارات الخضراء حتى عام 2030، حيث ارتفعت نسبة الاستثمارات الخضراء تدريجيا من 15 فى المائة فى العام المالى 2021-2020، إلى استهداف 60 فى المائة فى العام المالى 2027-2026، كما بلغ حجم الاستثمارات الخضراء 215.5 مليار جنيه، وكان قطاع النقل الأخضر هو الأكثر استفادة منها، كما تم وضع مجموعة من حوافز الاستثمار الأخضر لتحقيق نسبة 60 فى المائة، من أجل تهيئة بيئة تشريعية جاذبة، وتعزيز مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص، ودعم مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتسهيل إجراءات الاستثمار والتحول الرقمى، وإدراج الاقتصاد الأخضر ضمن الأولويات الاستراتيجية الوطنية للاستثمار الأجنبى خلال الفترة 2025-2030، كما أن التوسع فى الاستثمار الأخضر يقابله عدد من التحديات من أبرزها التحديات المالية، إن لم تكن أهمها؛ إذ تعد من أكبر العقبات أمام التوسع فى الاستثمارات الخضراء، حيث تتطلب المشروعات البيئية ورؤوس الأموال الأولية استثمارات مرتفعة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما يحدّ من قدرة المستثمرين، وخاصة الشركات الكبيرة والمتوسطة، على الدخول فى الاستثمار الأخضر.

وأضاف أن التشريعات التنظيمية تمثل تحديا آخر؛ فعلى الرغم من التطور الملحوظ فى البيئة التشريعية لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من التحديث والتكامل بين القوانين واللوائح المنظمة للاستثمار والبيئة والطاقة، بما يحقق دقة الإجراءات ويعزز ثقة المستثمر، ويحدّ من التعقيدات الإدارية، وتعتمد هذه المشروعات على تقنيات متقدمة يتم استيرادها من الخارج بما يرفع تكاليف التنفيذ والصيانة، وهو ما يستلزم توطين التكنولوجيا وتشجيع البحث العلمى والابتكار، إلى جانب مواجهة تحدى توفير الكوادر المؤهلة فى مجالات الطاقات المتجددة، وإدارة المخلفات، والهيدروجين، والاقتصاد الدائرى، والتحدى حاليا ضعف الوعى الاستثمارى والبيئي.

من جانبه، قال الدكتور مصطفى الشربينى، خبير واستشارى الطاقة والتنمية المستدامة، وعضو لجنة البحث العلمى وريادة الأعمال بمجلس الوحدة الاقتصادى العربى بجامعة الدول العربية: إن استهداف رفع الاستثمارات الخضراء من 15 فى المائة فى العام المالى 2021-2020 إلى 60 فى المائة فى العام المالى 2027-2026 يمثل نقلة كبيرة، فهو ليس مجرد زيادة فى الإنفاق، وإنما تغيير فى طريقة توجيه الاستثمار العام، فتحقيق هذه النقلة الكبيرة فى الاستثمارات الخضراء يتطلب توسيع قاعدة المشروعات المصنفة خضراء، حتى لا تقتصر على الطاقة المتجددة وإنما تشمل النقل الجماعى والكهربائى والمياه والصرف، وإدارة المخلفات والزراعة والرى، والتوسع فى المبانى المستدامة، وحماية السواحل، وكفاءة الطاقة، بما يشمل زيادة المشروعات ذات العائد البيئى القابل للقياس، مثل خفض الانبعاثات، وتوفير استهلاك الوقود، وخفض فاقد المياه، وإعادة استخدام المخلفات، وتحسين كفاءة الطاقة، وهذا التوسع يشترط عدم تحميل الموازنة وحدها تكلفة التحول الأخضر، وإنما الانتقال تدريجيًا إلى نموذج تكون فيه الدولة محفزًا ومنظمًا، بينما يتولى القطاع الخاص الجزء الأكبر من التمويل والتنفيذ فى المشروعات القابلة للعائد، عبر توفير التمويل الأخضر طويل الأجل من خلال مؤسسات التمويل الدولية، والسندات الخضراء، والتمويل المختلط، وضمانات المخاطر، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وطالب «الشربينى» بضرورة تطوير منظومة لقياس ومتابعة المشروعات الخضراء، تربط كل جنيه مستثمر بمؤشرات بيئية واقتصادية واضحة، وهو أمر مهم لأن خطة 2026-2025 نفسها تستهدف أن تكون 55 فى المائة من الاستثمارات العامة استثمارات خضراء، أى نحو 637 مليار جنيه، قبل الوصول إلى نسبة 60 فى المائة فى العام المالى 2027-2026، ولا يمكن النظر إلى تكلفة الاستثمارات الخضراء التى تبلغ 215.5 مليار جنيه كمجرد رقم مالي؛ فهى استثمارات موزعة على سبعة مجالات سجل النقل الأخضر النصيب الأكبر بنسبة 71.5 فى المائة، يليها مشروع حياة كريمة بنسبة 10.5 فى المائة، والعمران المستدام بنسبة 8 فى المائة، وتحسين البيئة بنسبة 4.5 فى المائة، والزراعة والرى بنسبة 3 فى المائة، والطاقة النظيفة بنسبة 1.5 فى المائة، إلى جانب الاتصالات، كما أن 87 فى المائة من الاستثمارات صُنفت كمشروعات تخفيف، و13 فى المائة صُنفت للتكيف مع تغير المناخ.

وأشار إلى أنه من أبرز المشروعات التى أوردتها وزارة التخطيط مشروعات مترو الأنفاق، والقطار الكهربائى السريع، ومحطات الطاقة الجديدة والمتجددة، ومنظومة المخلفات الصلبة، والتخلص من النفايات الطبية الخطرة، ومحطات معالجة الصرف الصحى، وتأهيل وتبطين الترع ومحطات تحلية المياه، وحماية وتطوير السواحل والشواطئ، وتحسين التربة وتطوير الرى الحقلى، ومشروعات حياة كريمة فى مياه الشرب والصرف الصحى، كما أن تقييم الاستثمارات الخضراء لا يتوقف عند التقييم المالى فقط، إنما الاستثمار الأخضر الحقيقى يجب أن يُقاس بثلاثة مستويات أولها العائد المالى والاجتماعى، والثالث هو العائد البيئى والمناخى، ومن المؤشرات التى يجب قياسها على سبيل المثال كمية الانبعاثات التى تم تجنبها، وكميات الوقود التى تم توفيرها، والطاقة النظيفة المضافة، والمياه التى تم توفيرها أو إعادة استخدامها، وكمية المخلفات المُعاد تدويرها، وعدد المستفيدين.

ونوه الشربينى بأن تقرير صندوق النقد الدولى عن C-PIMA ذكر أن مصر قطعت خطوات مهمة فى التخطيط والتنسيق المناخى، لكن لا تزال هناك فجوات فى تقييم المشروعات وإدماج المخاطر المناخية فى الميزانية وإدارة المخاطر المالية، كما أن النقل الأخضر يستحوذ على النسبة الأكبر من الاستثمارات الخضراء مقارنة بالطاقة النظيفة إعادة النظر فى الأولويات الاستراتيجية لخريطة الاستثمارات الخضراء لكن ليس بإعادة توزيع الأموال بصورة حسابية فقط، فارتفاع النقل الأخضر إلى 71.5 فى المائة له مبررات؛ لأن مشروعات المترو والقطارات الكهربائية والسريعة ضخمة التكلفة وبالتالى فإنها ترفع الوزن المالى للقطاع، لكن فى المقابل 1.5 فى المائة فقط للطاقة النظيفة نسبة تستحق المراجعة، خصوصًا أن مصر تستهدف التوسع الكبير فى الطاقة المتجددة، وتعمل على زيادة مساهمتها فى مزيج الطاقة، لافتا إلى أهمية الانتقال من مفهوم «حجم الاستثمار الأخضر» إلى «جودة الاستثمار الأخضر وتأثيره»، فمشروع نقل كهربائى كبير قد يكون أخضر، لكن مشروع طاقة متجددة يوفر ملايين الأمتار المكعبة من الغاز أو ملايين الأطنان من الانبعاثات سنويًا له تأثير استراتيجى مختلف.

واقترح الشربينى أن تتضمن خريطة الاستثمارات الخضراء المستقبلية وزنا أكبر لمشروعات الطاقة المتجددة، والتخزين والشبكات الذكية وكفاءة الطاقة، والنقل الكهربائى والمياه والمخلفات والتكيف المناخى، وهو ما يتسق مع توجه الدولة لزيادة التركيز على الطاقة النظيفة، والزراعة، والرى، والتحسين البيئى، بجانب النقل الأخضر، حيث يمكن التوسع فى استثمارات الطاقة الشمسية والرياح وذلك لجاهزية شبكة الكهرباء المصرية، فالشبكة المصرية لديها قاعدة قوية لاستيعاب مزيد من الطاقة المتجددة، لكنها تحتاج إلى توسعات وتحديثات متزامنة مع سرعة دخول القدرات الجديدة، فالمشكلة ليست فقط فى إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وإنما فى أن هذه المصادر متغيرة بطبيعتها؛ فالشمس لا تنتج ليلًا، والرياح تتغير، بينما الطلب على الكهرباء مستمر، والتوسع فى الطاقات المتجددة يجب أن يسير بالتوازى مع تدعيم شبكات النقل، وزيادة قدرات المحطات والمحولات، وإنشاء خطوط نقل جديدة من مناطق إنتاج الرياح والشمس إلى مراكز الأحمال، إلى جانب تطوير أنظمة التحكم والتنبؤ بالإنتاج، وبطاريات تخزين الكهرباء، والمحطات المرنة القادرة على موازنة الأحمال، وتعزيز الربط الكهربائى الإقليمى والدولي.

وأوضح أن وزارة الكهرباء أعلنت بالفعل تنفيذ أعمال لتطوير وتقوية الشبكة، لزيادة قدرتها على استيعاب الطاقات المتجددة، كما تجرى دراسة إضافة بطاريات تخزين مستقلة بقدرة 1000 ميجاوات، والشركة القابضة للكهرباء أعلنت فى يونيو 2026، أن الخطة تتضمن التوسع فى التخزين، والوصول بمساهمة الطاقة المتجددة إلى 45 فى المائة من مزيج الطاقة خلال العامين المقبلين، وهو ما يعنى أن الشبكة ليست عائقًا أمام الطاقة المتجددة، لكن الشبكة نفسها يجب أن تصبح جزءًا من الاستثمار الأخضر، والتعامل مع نسبة 60 فى المائة من الاستثمارات الخضراء باعتبارها التزامًا حكوميًا بتمويل جميع المشروعات من الموازنة سيشكل بلا شك ضغطًا ماليًا، لكن هذه ليست الطريقة التى ينبغى النظر بها إلى هذا المستهدف، فالأفضل أن تكون الدولة محفزًا للاستثمار الأخضر، وليست الممول الوحيد له، وهنا يمكن الاعتماد على الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتمويل التنموى الميسر، والسندات الخضراء، والتمويل المختلط وصناديق المناخ الدولية، وآليات ضمان مخاطر الاستثمار، والتمويل المرتبط بالاستدامة، وعوائد مشروعات الطاقة المتجددة نفسها، والاستثمار الأجنبى المباشر، ومشروعات بيع الطاقة بعقود طويلة الأجل.

وبين أن هذا هو ما يتفق مع الاتجاه الأوسع نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص فى الاستثمار لأن هناك ضغوطًا مالية على الدولة تستوجب أن يكون القطاع الخاص شريكًا أساسيًا فى الاستثمار، وليس مجرد منفذ وفى أحدث مراجعة لصندوق النقد جرى التأكيد مجددًا على ضرورة تقليص الدور الاقتصادى للدولة وإفساح مساحة أكبر للاستثمار الخاص، والانتقال من 15 فى المائة إلى 60 فى المائة فى الاستثمارات الخضراء خلال ست سنوات يمثل إنجازًا مهمًا فى فلسفة التخطيط العام، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من تصنيف الإنفاق كأخضر إلى قياس العائد الأخضر، عبر ثلاثة محاور، هى: «الطاقة النظيفة، والشبكات والتخزين، والقطاع الخاص والتمويل الأخضر»، فإذا توسعنا فى الطاقة الشمسية والرياح دون تطوير الشبكة والتخزين، ستظهر اختناقات. وإذا طورنا الشبكة دون جذب القطاع الخاص، ستظل الدولة تتحمل الجزء الأكبر من التكلفة، وإذا جذبنا القطاع الخاص دون تشريعات، وتمويل، وضمانات واضحة، فلن تصل الاستثمارات إلى الحجم المطلوب.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة