فى شهر أغسطس من كل عام، تبدأ ملامح قرية درنكة بمحافظة أسيوط فى التغيير تدريجيًا، الطرق المؤدية إلى الدير تشهد حركة غير معتادة، والوجوه القادمة من مختلف المحافظات تحمل ملامح الشوق أكثر من عناء السفر، هنا لايبدو المشهد مجرد احتفال دينى، بل رحلة إنسانية وروحية تتجدد عامًا بعد آخر، لتؤكد أن بعض الأماكن لا تُقاس بمساحتها الجغرافية، وإنما بما تتركه فى قلوب زائريها من روحانيات وإيمانيات عظيمة.
ففوق سفح الجبل، يقف دير السيدة العذراء مريم شاهدًا على تاريخ طويل ارتبط برحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ومع كل موسم للاحتفال، يستعيد المكان حضوره الاستثنائى، فيتحول إلى نقطة التقاء لآلاف الأسر التى جاءت تحمل دعواتها وآمالها، مؤمنة بأن الرحلة إلى قرية درنكة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل انتقال من صخب الحياة إلى مساحة من السكينة والطمأنينة.
ويحرص كثيرون على تكرار هذه الرحلة سنويًا، حتى أصبحت جزءًا من تقاليد الأسرة، فالجميع يسير فى الاتجاه نفسه، يحمل فى قلبه أمنية أو صلاة أو رسالة شكر، وتبدأ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الاحتفال بوقت صوم السيدة العذراء، كما يسميه الأقباط، من 7 أغسطس حتى ينتهى الصوم بتذكار إصعاد جسدها يوم 21 من الشهر نفسه.
داخل الدير، يفرض الهدوء نفسه رغم كثافة الحضور، أصوات الترانيم تنساب فى هدوء، ورائحة البخور تمتزج بنسيم الجبل، بينما تتجه الأنظار نحو كنيسة المغارة التى تمثل أحد أهم المعالم الروحية بالمكان، يقف الزائرون فى صفوف طويلة، لكن الانتظار لا يبدو مرهقًا؛ إذ يتحول إلى لحظة للتأمل واستعادة السلام الداخلى.
ولا تقتصر قيمة درنكة على بعدها الدينى فقط، بل تحمل أيضًا قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، فالمكان يمثل جزءًا من مسار رحلة العائلة المقدسة داخل مصر.
وعلى أطراف الدير، تنشط الحركة التجارية بصورة موسمية، الباعة يعرضون الهدايا التذكارية، والمنتجات اليدوية، والصور الدينية، بينما تشهد المطاعم والمحال التجارية إقبالًا كبيرًا، ويؤكد كثير من أصحاب المشروعات الصغيرة أن موسم الاحتفال يمثل فرصة مهمة لتنشيط حركة البيع.
كما تعكس الاحتفالات صورة واضحة للتعايش والمحبة بين أبناء الوطن؛ فكثير من المسلمين يشاركون فى تقديم الخدمات للزائرين أو يحرصون على تهنئة أصدقائهم بهذه المناسبة.
ويقول القس «صموئيل»، كاهن بكنيسة السيدة العذراء مريم بمدينة أبوتيج محافظة أسيوط: إن موسم الاحتفال بالسيدة العذراء مريم يُجسد معانى المحبة والترابط الأسرى، حيث تحرص العائلات على التجمع والاحتفال معًا فى أجواء يغلب عليها الفرح والإيمان.
ويضيف أن من أبرز ما يميز احتفالات هذا العام هو الحضور اليومى لنيافة الأنبا يوأنس، مطران أسيوط، داخل الدير ومتابعته المباشرة لكافة تفاصيل الموسم، بما يعكس حرصه على نجاح الاحتفالات وخدمة الزائرين، كما أنه يترأس يوميًا الصلوات والقداسات والزفة «الدورة»، إلى جانب التسابيح اليومية، بما يضفى أجواءً روحانية مميزة على الاحتفال.
ويوضح أن الرسالة الموجهة لكل زائر هى الاقتداء بالسيدة العذراء مريم فى تواضعها وبساطتها ومحبتها، وأن يتحلى بالصبر وقوة التحمل أمام تجارب الحياة وصعوباتها.
«صموئيل» يبين أن الدورة المباركة بأيقونة السيدة العذراء فى أرجاء الدير من أبرز الطقوس التى تميز موسم الاحتفال، حيث يشارك فيها آلاف الزائرين وسط أجواء إيمانية وروحانية، ويشعر كثير منهم بقرب السيدة العذراء وحضورها الرمزى بينهم.
وعكست آراء زوار الدير، من المسلمين والمسيحيين، حالة من التقدير للأجواء التى تسود الاحتفالات، وما تحمله من قيم التعايش والمحبة. يقول محمود محمد، من محافظة قنا: «أحرص على زيارة الدير كل عام احترامًا لهذه المناسبة، وأشعر بسعادة كبيرة عندما أرى هذا العدد الضخم من الزائرين يجتمعون فى أجواء يسودها النظام والهدوء. وأكثر ما يعجبنى هو روح التعاون بين الجميع؛ فلا أحد ينظر إلى اختلاف الدين».
ويوضح مينا دانيال، من محافظة سوهاج: «يمثل مولد السيدة العذراء مناسبة إيمانية ننتظرها من عام إلى آخر، فنأتى للصلاة وطلب البركة، لكن ما يزيد فرحتنا هو مشاركة إخوتنا المسلمين لنا بالتهنئة أو زيارتهم للدير بدافع المحبة والاحترام».