فى قلب برية وادى النطرون، وعلى أول طريق العلمين، يقف دير السيدة العذراء مريم والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير شاهدًا على ميلاد تجربة رهبانية حديثة امتدت جذورها إلى عمق التراث القبطى الأصيل. فعلى الرغم من حداثة تأسيسه، فإن الدير استطاع فى سنوات قليلة أن يرسخ مكانته بين الأديرة القبطية المعترف بها، مستندًا إلى رؤية كنسية واضحة بدأت عام 2015 بقرار من قداسة البابا تواضروس الثانى بإيفاد مجموعة من الرهبان لتأسيس تجمع رهبانى داخل مزرعة تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تحت إشراف الراهب القمص صرابامون البرموسي.
ومع انتقال الإشراف عام 2016 إلى نيافة الأنبا دوماديوس، أسقف 6 أكتوبر وأوسيم آنذاك، دخل المشروع مرحلة جديدة من البناء والتنظيم، حيث تحول الموقع من «مزرعة بيت السلام» إلى «دير الأنبا يحنس القصير»، فى خطوة أعادت إحياء اسم أحد كبار آباء الرهبنة القبطية، ومهدت الطريق لاستكمال المقومات الروحية والإدارية اللازمة للاعتراف الكنسي.
وفى مارس 2021 تُوجت رحلة التأسيس باعتراف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية رسميًا بدير السيدة العذراء مريم والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير، ليصبح أحد الأديرة القبطية المعترف بها رسميًا، قبل أن يشهد فى أكتوبر من العام نفسه محطة تاريخية تمثلت فى الزيارة البابوية الأولى لقداسة البابا تواضروس الثاني، الذى ترأس القداس الإلهي، ودشن كاتدرائية الأنبا يحنس القصير، وافتتح مبنى قلالى الرهبان، فى تأكيد واضح على دعم الكنيسة لمسيرة الدير الروحية والعمرانية.
ومن هذا الدير، الذى يجمع بين أصالة الرهبنة المصرية وحداثة التجربة، كان لنا هذا الحوار مع نيافة الأنبا ديسقوروس، أسقف دير السيدة العذراء مريم والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير، للحديث عن رحلة تأسيس الدير، وأبرز محطات تطوره، ورسالة الرهبنة فى عالم سريع التغير، وجهود الدير فى الحفاظ على التراث القبطي، وخدمة الكنيسة والمجتمع، إلى جانب رؤيته لمستقبل الحياة الرهبانية ودورها فى ترسيخ القيم الروحية والإنسانية.
كيف بدأت رحلة دير السيدة العذراء مريم والأنبا يحنس القصير، وما الذى يميز هذا الدير عن غيره من الأديرة القبطية الحديثة؟
حكاية دير وُلد من رؤية كنسية وأصبح منارة روحية فى برية شيهيت. لم يكن الدير مجرد مشروع عمرانى جديد فى قلب وادى النطرون، بل جاء ثمرة رؤية كنسية هدفت إلى إحياء أحد الأسماء المضيئة فى تاريخ الرهبنة القبطية، وترسيخ تجربة رهبانية تجمع بين أصالة التراث ومتطلبات العصر. وخلال سنوات قليلة، انتقل الدير من مرحلة التأسيس إلى أن أصبح أحد الأديرة المعترف بها رسميًا داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مواصلًا مسيرة نمو روحى وعمرانى متسارعة.
شكّل عام 2022 محطة فارقة فى تاريخ الدير، بعدما اختارت الكنيسة الراهب القمص ديسقوروس البرموسى ليكون أول أسقف ورئيس لدير السيدة العذراء مريم والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير، وجرت مراسم سيامته وتجليسه وسط حضور كنسى واسع ضم عددًا من أصحاب النيافة الآباء المطارنة والأساقفة، والآباء الكهنة والرهبان، وجموعًا كبيرة من أبناء الكنيسة ومحبى الدير.
ومع تولى نيافة الأنبا ديسقوروس مسؤولية رئاسة الدير، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز الحياة الرهبانية، واستكمال المشروعات الإنشائية والرعوية، إلى جانب ترسيخ رسالة الدير بوصفه امتدادًا لمدرسة برية شيهيت التى قامت على الصلاة والعمل والنسك والخدمة.
بيت خلوة الشباب.. مساحة للصلاة والتأمل
وفى إطار اهتمام الدير بالخدمة الرعوية، افتُتح بيت خلوة الشباب فى يونيو 2025، ليصبح أحد أهم المشروعات المخصصة لاستقبال الشباب الراغبين فى قضاء أوقات من الخلوة الروحية والتأمل بعيدًا عن صخب الحياة اليومية.
وتزامن افتتاح بيت الخلوة مع تدشين كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل داخله، ليشكل المكان بيئة روحية متكاملة تجمع بين العبادة والتأمل والإرشاد الروحي، فى خطوة تعكس اهتمام الدير بتعميق التواصل مع الأجيال الجديدة.
قصر الضيافة.. استقبال يليق بزائرى الدير
وفى يناير 2025، افتتح نيافة الأنبا ديسقوروس قصر الضيافة الجديد بالدير، ليضيف بُعدًا خدميًا جديدًا لمسيرة الدير، ويهيئ مكانًا مناسبًا لاستقبال الزائرين ومحبى الحياة الرهبانية من داخل مصر وخارجها.
ويعكس المشروع مفهوم الضيافة الذى عُرفت به الأديرة القبطية عبر التاريخ، حيث يجد الزائر مكانًا يجمع بين الهدوء والتنظيم والروحانية، بما يساعده على اختبار أجواء البرية التى عاش فيها آباء الرهبنة الأوائل.
واختتم الدير عام 2025 بحدث كنسى بارز، تمثل فى تدشين مذابح كنيسة الثلاثة مقارات، فى احتفال روحى جسّد استمرار النهضة العمرانية والروحية التى يشهدها الدير.
ولم يكن هذا التدشين مجرد افتتاح لكنيسة جديدة، بل حمل دلالة رمزية تؤكد ارتباط الدير بتراث برية شيهيت، واستمرار الرسالة التى أسسها آباء الرهبنة منذ قرون، ليظل الدير شاهدًا على قدرة الكنيسة القبطية على الجمع بين أصالة التاريخ وتجدد الخدمة.
امتداد لتراث وادى النطرون
عندما يُذكر وادى النطرون، تستحضر الذاكرة مهد الرهبنة المسيحية فى العالم، حيث تحولت برية شيهيت منذ القرن الرابع الميلادى إلى مدرسة روحية خرجت آلاف الرهبان والقديسين، وأصبحت مقصدًا لطالبى الحياة النسكية من مختلف أنحاء العالم.
ومن هذا الإرث العريق، يستمد دير السيدة العذراء مريم والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير هويته ورسالة وجوده. فاختيار هذا الموقع لم يكن مجرد اختيار جغرافي، بل تأكيد على الانتماء إلى مدرسة روحية صنعت تاريخ الرهبنة القبطية، ولا تزال تلهم أجيالًا جديدة من الرهبان والخدام والزائرين.
ويحمل الدير اسمين من أعظم الأسماء فى تاريخ الكنيسة: السيدة العذراء مريم، التى تمثل النموذج الكامل للطهارة والطاعة والتسليم لإرادة الله، والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير، أحد أبرز آباء برية شيهيت، الذى خلد التاريخ سيرته بوصفه مثالًا فريدًا للاتضاع والطاعة والجهاد الروحي.
ومن ثم، فإن رسالة الدير لا تقتصر على تشييد المبانى أو التوسع العمراني، بل تتمثل فى الحفاظ على التراث الرهبانى القبطي، وإحياء القيم الإنجيلية التى عاشها آباء البرية، وتقديمها للأجيال الجديدة فى صورة معاصرة تجمع بين أصالة الماضى ومتطلبات الحاضر، ليبقى الدير علامة مضيئة على استمرار نبض الرهبنة المصرية فى قلب وادى النطرون.
هل يُعد الدير امتدادًا لتراث الرهبنة فى وادى النطرون أم أنه يقدم رؤية رهبانية معاصرة؟
الحقيقة أن الدير يجمع بين الأمرين، فهو امتداد للمدرسة الرهبانية المصرية فى روحها وأصالتها، إذ يحافظ على تقاليدها العريقة فى الصلاة والنسك والعمل والشركة، لكنه فى الوقت نفسه يحمل رؤية متجددة تؤكد أن الرهبنة ليست ذكرى تاريخية أو تراثًا يُحفظ فى الكتب، بل هى حياة إنجيلية متواصلة، قادرة على مخاطبة كل عصر دون أن تفقد هويتها، فالرهبنة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الماضي، بل تستلهمه لتبنى الحاضر وتصنع المستقبل.
ومن الجوانب التى تميز هذا الدير أيضًا نجاحه فى الجمع بين الطابع القبطى القديم والتقنيات الهندسية الحديثة، وهو توازن لم يكن سهلًا تحقيقه، فقد كانت الرؤية منذ البداية أن يعبر الدير عن الهوية القبطية الأصيلة بكل تفاصيلها المعمارية، من القباب والأقواس والأسوار والتخطيط العام، بحيث يشعر الزائر أنه يقف أمام دير ينتمى إلى مدرسة وادى النطرون العريقة، لا أمام مبنى حديث يحمل اسم دير فقط.
وفى الوقت نفسه، لم يمنع احترام التراث من الاستفادة من أحدث ما وصلت إليه الهندسة المعمارية وتقنيات البناء، فقد استُخدمت وسائل إنشائية حديثة وأنظمة متطورة للبنية التحتية والخدمات، بما يحقق أعلى درجات الجودة والأمان والاستدامة، دون أن يؤثر ذلك فى الطابع الروحى أو المعمارى للدير وهكذا أصبحت التكنولوجيا وسيلة لخدمة التراث، لا بديلًا عنه.
هذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة يعكس فهمًا عميقًا لمعنى التراث؛ فالحفاظ على التراث لا يعنى تجميده أو تكراره، كما أن التطور لا يعنى التخلى عن الهوية، ومن هنا جاء الدير نموذجًا يجمع بين عبق الماضى وإمكانات الحاضر، ليؤكد أن العمارة القبطية قادرة على التجدد، وأن الرهبنة المصرية ما زالت تمتلك القدرة على الإبداع دون أن تفقد جذورها.
إن دير السيدة العذراء مريم والقديس الأنبا يحنس القصير ليس مجرد إضافة معمارية إلى أديرة وادى النطرون، بل هو رسالة تؤكد أن مصر لا تزال تحتفظ بدورها التاريخى بوصفها مهد الرهبنة المسيحية، فهو امتداد لمسيرة بدأت منذ أكثر من ستة عشر قرنًا، وتجسيد لإيمان بأن الأماكن التى باركها الله بزيارة العائلة المقدسة إلى وادى النطرون وبجهاد القديسين لا تزال قادرة على أن تخرج أجيالًا جديدة تحمل الرسالة نفسها.
وفى النهاية، يبقى هذا الدير شاهدًا على أن الماضى والحاضر ليسا طرفين متعارضين، بل يمكن أن يلتقيا فى مشروع واحد يحافظ على الجذور وينفتح على المستقبل، وبين أصالة التراث القبطى وروح العصر، يواصل دير السيدة العذراء مريم والقديس الأنبا يحنس القصير كتابة صفحة جديدة فى تاريخ الرهبنة المصرية، لتظل برية وادى النطرون منارة للإيمان، ومدرسة للقداسة، ورمزًا حيًا لاستمرار الرسالة التى بدأت على أيدى آباء البرية وما زالت تؤتى ثمارها حتى اليوم.
يضم الدير أربع كنائس رئيسية لكل منها خصوصيتها وتحمل أسماء ذات دلالات روحية وتاريخية.. لماذا كان من المهم تخليد هذه الأسماء داخل الدير؟
فى دير السيدة العذراء مريم والقديس العظيم الأنبا يحنس القصير، لا تحمل الكنائس أسماء القديسين على سبيل التذكار فحسب، بل تروى كل كنيسة فصلًا من تاريخ الرهبنة القبطية، وتجسد قيمة روحية أراد الدير أن تبقى حاضرة فى حياة رهبانه وزائريه، فالكنيسة فى التقليد القبطى ليست مجرد جدران تحتضن الصلاة، وإنما ذاكرة إيمان حيّة، تمتد عبر الأجيال وتحفظ تراث الآباء وقديسى الكنيسة.
وتقف كنيسة السيدة العذراء مريم بوصفها أقدم كنائس الدير، ومنها انطلقت المسيرة الروحية منذ البدايات الأولى. ولم يكن اختيار اسم العذراء مريم أمرًا عارضًا، فهى فى الوجدان القبطى النموذج الأسمى للطهارة والطاعة والتسليم الكامل لإرادة الله، والأم الحنون التى يلجأ إليها الرهبان وكل السائرين فى طريق الحياة الروحية، لتظل الكنيسة شاهدة على أن كل بداية مباركة تنطلق من روح الاتضاع والإيمان.
أما كاتدرائية القديس العظيم الأنبا يحنس القصير، فتُمثل القلب النابض للدير. وقد دشنها قداسة البابا تواضروس الثانى فى 30 أكتوبر 2021، تزامنًا مع عيد القديس، لتصبح علامة فارقة فى تاريخ الدير، وتحمل الكاتدرائية اسم أحد أعظم آباء برية شيهيت، الذى خلدته الكنيسة مثالًا للاتضاع والطاعة والجهاد الروحي، وهى الفضائل التى يسعى الدير إلى غرسها فى نفوس رهبانه وكل من يقصد هذا المكان طلبًا للسلام الروحي.
وفى إطار ارتباطه العميق بجذور الرهبنة المصرية، يضم الدير كنيسة الثلاثة مقارات القديسين، التى دشنها نيافة الأنبا ديسقوروس فى 25 ديسمبر 2025، وتحمل الكنيسة اسم ثلاثة من أعلام الرهبنة الذين حملوا اسم «مقار»، وفى مقدمتهم القديس الأنبا مقار الكبير، مؤسس رهبنة برية شيهيت. ومن خلال هذه الكنيسة، يؤكد الدير أن الرسالة التى بدأت فى هذا الوادى المبارك قبل قرون لا تزال مستمرة، وأن مدرسة البرية ما زالت تنبض بالحياة.
ولأن الخلوة والصلاة تمثلان جوهر الحياة الرهبانية، جاء إنشاء كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل داخل بيت الخلوة، والتى دشنها نيافة الأنبا ديسقوروس فى 19 يونيو 2025، ويحمل اختيار رئيس الملائكة ميخائيل دلالة روحية عميقة، فهو رمز للحماية الإلهية، والجهاد الروحي، والانتصار على قوى الشر، وهى معانٍ يعيشها كل من يقصد بيت الخلوة بحثًا عن السكينة، أو ساعيًا إلى تجديد علاقته بالله.
وهكذا، تتجاوز كنائس الدير كونها أماكن لإقامة الصلوات والقداسات، لتتحول إلى محطات روحية تحمل رسالة متكاملة، فالسيدة العذراء تعلم الطهارة والتسليم، والقديس الأنبا يحنس القصير يجسد الاتضاع والطاعة، والثلاثة مقارات يرسخون أصالة المدرسة الرهبانية واستمرارها، بينما يذكر رئيس الملائكة ميخائيل كل زائر بأن الحياة الروحية هى رحلة جهاد دائم وثقة لا تتزعزع فى معونة الله.
ومن يتجول بين هذه الكنائس، يدرك أن الدير لم يشيد مبانى فحسب، بل أقام مدرسة روحية متكاملة، تُترجم تاريخ القديسين إلى واقع يُعاش كل يوم، لتبقى برية وادى النطرون، كما كانت عبر القرون، منارة للإيمان، ومهدًا للرهبنة، وواحةً لكل من ينشد السلام الداخلي.
الدير يستقبل أعدادًا كبيرة من الزائرين.. كيف يمكن تحويل زيارة الدير من مجرد رحلة أو نزهة إلى تجربة روحية وثقافية حقيقية؟
الهدف من زيارة أى دير لا ينبغى أن تقتصر على مشاهدة المبانى أو التقاط الصور أو قضاء وقت هادئ بعيدًا عن صخب الحياة، بل ينبغى أن تكون الزيارة فرصة للتعرّف إلى الحياة الرهبانية، والاطلاع على الرسالة الروحية التى حملها آباء البرية عبر القرون، فالدير، فى جوهره، هو مكان للصلاة واللقاء مع الله قبل أن يكون مقصدًا سياحيًا أو أثريًا.
ولهذا نحرص على أن يجد الزائر فى الدير بيئة تساعده على الهدوء والتأمل، بما يتيح له التعرّف إلى تاريخ الرهبنة المصرية، وسيرة القديسين الذين عاشوا فى برية شيهيت، والدور الذى قامت به أديرة وادى النطرون فى حفظ الإيمان والتراث المسيحى عبر العصور، فكل ركن فى الدير يحمل قصة، وكل كنيسة أو مبنى يروى فصلًا من تاريخ الكنيسة القبطية.
كما نشجع الزائرين على المشاركة فى الصلوات والقداسات، متى أمكن، لأن الحياة الرهبانية لا تُفهم من خلال المبانى وحدها، بل من خلال الخبرة الروحية التى يعيشها الرهبان يوميًا فى الصلاة والعمل والنسك، فعندما يختبر الزائر هذا المناخ الروحي، تتحول الزيارة من مشاهدة خارجية إلى خبرة داخلية تترك أثرًا فى القلب والفكر.
ومن الجانب الثقافي، تمثل زيارة الدير فرصة للتعرّف إلى العمارة القبطية، والفنون الكنسية، وتاريخ المخطوطات، وأعلام الرهبنة المصرية الذين خرجوا من وادى النطرون وأثروا الكنيسة فى الشرق والغرب، وهذا البعد الثقافى يجعل الزيارة تجربة معرفية ثرية، إلى جانب أثرها الروحي.
إننا نتمنى أن يغادر كل زائر الدير وهو يحمل أكثر من مجرد صور أو ذكريات جميلة، بل يحمل قيمة روحية، أو معرفة جديدة، أو قرارًا إيجابيًا ينعكس على حياته، وعندئذ تكون الزيارة قد حققت هدفها الحقيقي، لأن الأديرة لم تُبن لتكون مجرد معالم تاريخية، بل لتظل منارات للإيمان، ومدارس للصلاة، وجسورًا تربط الإنسان بالله وبتراث كنيسته العريق.
هل لديكم رؤية لتحويل الدير إلى أحد المقاصد المهمة للسياحة الدينية فى مصر خاصة مع قربه من طريق العلمين وامتداده داخل منطقة وادى النطرون؟
بالتأكيد، فالموقع المتميز للدير داخل وادى النطرون، وقربه من طريق القاهرة– الإسكندرية والطريق المؤدى إلى مدينة العلمين الجديدة، يمنحه مقومات كبيرة ليكون إحدى المحطات المهمة على خريطة السياحة الدينية فى مصر، غير أن رؤيتنا تنطلق أولًا من الحفاظ على الرسالة الروحية للدير، فالرهبنة هى جوهر المكان، وأى نشاط آخر يجب أن يكون داعمًا لهذه الرسالة، لا بديلًا عنها.
كيف يمكن استثمار هذا الموقع فى التعريف عالميًا بتاريخ الرهبنة المصرية التى تعد من أقدم وأهم التجارب الرهبانية فى العالم؟
يمثل وادى النطرون كنزًا روحيًا وإنسانيًا لا يخص الكنيسة القبطية وحدها، بل يعد جزءًا من التراث المسيحى العالمي، لأنه شهد ميلاد واحدة من أعظم الحركات الروحية فى التاريخ، وهى الرهبنة المصرية التى انتقلت من برارى مصر إلى مختلف أنحاء العالم، ومن هنا فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على الحفاظ على هذا التراث، بل تمتد إلى تقديمه للأجيال الجديدة وللعالم كله بالصورة التى تليق بقيمته التاريخية والروحية.
ويستطيع دير السيدة العذراء مريم والقديس الأنبا يحنس القصير أن يسهم فى هذه الرسالة من خلال تقديم نموذج حى للرهبنة القبطية يجمع بين أصالة التراث وروح العصر، فالزائر، سواء كان مصريًا أو أجنبيًا، لا يبحث فقط عن مبانٍ تاريخية، بل عن فهم أعمق لرسالة الرهبنة المصرية، وكيف استطاعت أن تؤثر فى الفكر المسيحى والإنسانى عبر القرون. ونؤمن أيضًا بأن التعاون مع الجامعات، والمراكز البحثية، والمؤسسات الثقافية والكنسية داخل مصر وخارجها، سيكون لها دور مهم فى التعريف بهذا التراث، وتشجيع الدراسات الأكاديمية التى تتناول تاريخ الرهبنة المصرية وتأثيرها فى الحضارة الإنسانية.
إن رسالتنا ليست فقط الحفاظ على تراث الآباء، بل نقل هذا التراث إلى العالم بلغة يفهمها الإنسان المعاصر، فالرهبنة المصرية لم تكن ظاهرة محلية، بل كانت رسالة إنسانية وروحية تجاوزت حدود مصر، وتركت بصمتها فى الشرق والغرب.
ما الدور الذى يمكن أن تلعبه الأديرة الجديدة فى إعادة تعريف الأجيال الشابة بتاريخ الكنيسة القبطية وتراث آبائها؟
تؤدى الأديرة الجديدة دورًا مهمًا فى بناء جسر يربط الأجيال الشابة بجذورها الروحية والتاريخية، ففى ظل سرعة الحياة المعاصرة وتغير أنماط التفكير، أصبحت الحاجة ملحة إلى تقديم التراث الكنسى بصورة حية وملموسة، لا باعتباره صفحات من الماضي، بل خبرة روحية وإنسانية ما زالت قادرة على إلهام الإنسان فى الحاضر.
ومن هذا المنطلق، فإن الأديرة الجديدة لا تقتصر رسالتها على احتضان الحياة الرهبانية، بل تسهم أيضًا فى تعريف الشباب بتاريخ الكنيسة القبطية، وسير الشهداء والقديسين، وتراث آباء البرية الذين أسسوا المدرسة الرهبانية الأولى فى العالم. فعندما يزور الشاب الدير، ويرى الكنائس والأيقونات، ويتعرف إلى سير القديسين، ويشارك فى الصلوات، فإنه يكتشف أن تاريخ الكنيسة ليس مجرد أحداث تُقرأ فى الكتب، بل حياة ما زالت تنبض بالإيمان حتى اليوم.
هل يستهدف الدير تقديم برامج خاصة للشباب والأطفال لتعريفهم بتاريخ الرهبنة والقديسين والتراث القبطي؟
بالتأكيد، فالأجيال الجديدة هى الضمان الحقيقى لاستمرار رسالة الكنيسة والحفاظ على تراثها، ومن هذا المنطلق، يحرص الدير على أن يكون مكانًا للتكوين الروحى والثقافي، وليس مجرد مقصد للزيارة، ولذلك فإن من أهم أهدافه تقديم برامج وأنشطة تساعد الشباب والأطفال على التعرف إلى تاريخ الرهبنة المصرية، وسيرة القديسين، والهوية القبطية، بأسلوب يجمع بين المعرفة والخبرة العملية.
أما الشباب، فنأمل أن يجدوا فى الدير مساحة للهدوء والصلاة والحوار، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية، وفرصة للتأمل فى حياة القديسين واستخلاص الدروس التى تساعدهم فى مواجهة تحديات العصر، كما يمكن تنظيم لقاءات مع الرهبان، وندوات فكرية وروحية، وبرامج تثقيفية تربط بين أصالة التراث القبطى واحتياجات الإنسان المعاصر.
إن رسالتنا لا تقتصر على نقل المعلومات، بل نسعى إلى بناء علاقة حية بين الأجيال الجديدة وتراث الكنيسة، حتى يشعر كل شاب وكل طفل أن هذا التراث ليس ملكًا للماضي، بل هو ميراث حى يخصه، ومسؤولية يحملها، ورسالة يصلها، وعندما يخرج الزائر الصغير أو الشاب من الدير وهو أكثر معرفة بتاريخ كنيسته، وأكثر ارتباطًا بإيمانه، نكون قد حققنا جانبًا مهمًا من الرسالة التى نسعى إليها.
كيف تحافظ الحياة الرهبانية اليوم على جوهرها الأصلى وسط عالم شديد التغير؟
جوهر الحياة الرهبانية لم يتغير، لأنه قائم على الإنجيل وليس على ظروف العصر، فما عاشه آباء البرية فى القرن الرابع من صلاة ونسك وطاعة واتضاع ومحبة وعمل، لا يزال هو الأساس الذى تقوم عليه الرهبنة القبطية حتى اليوم.
الرهبنة ليست هروبًا من العالم، بل هى تكريس كامل لله، وشهادة عملية على أن الإنسان يستطيع أن يجعل الله محور حياته مهما تغيرت الأزمنة، ولذلك فإن الأديرة تحافظ على قوانينها وتقاليدها الروحية التى تسلمتها عبر الأجيال وفى الوقت نفسه تستفيد بحكمة من الوسائل الحديثة فيما يخدم الرسالة دون أن تسمح لهذه الوسائل بأن تؤثر فى روح الحياة الرهبانية أو تعطل هدفها الأساسي.
ومن هنا، فإن الأديرة اليوم لا تعيش فى عزلة عن العالم، بل تقدم له شهادة صامتة بأن السلام الحقيقى لا يُصنع بالإنجازات المادية وحدها بل بعلاقة الإنسان بالله، وفى عالم يمتلئ بالضجيج والقلق، تظل الأديرة واحات للسكينة ومراكز للصلاة ومدارس للاتضاع والمحبة، تقدم رسالة يحتاج إليها الإنسان المعاصر أكثر من أى وقت مضى.
إن سر بقاء الرهبنة المصرية لأكثر من سبعة عشر قرنًا لا يكمن فى مبانيها أو تقاليدها فحسب، بل فى قدرتها على التمسك بجوهرها الإنجيلى مع قراءة احتياجات كل عصر بحكمة، ولهذا ستظل الرهبنة رسالة حية ومتجددة، تحمل تراث الآباء إلى المستقبل، وتؤكد أن القداسة ليست حكرًا على زمن مضى، بل دعوة متجددة لكل جيل.
كيف توازن الرهبنة بين حياة العزلة والصمت من ناحية واستقبال آلاف الزائرين وخدمتهم من ناحية أخرى؟
تقوم الحياة الرهبانية على مبدأ واضح: أن يكون القلب أولًا لله، ثم تُمارَس كل خدمة أخرى فى هذا النور، لذلك فإن العزلة والصمت ليسا انغلاقًا على الذات، بل هما وسيلة لحفظ الداخل، حتى تبقى حياة الراهب متجهة إلى الصلاة والتأمل والاتحاد بالله. ومن هذا العمق الروحى نفسه تنبع القدرة على استقبال الزائرين وخدمتهم بمحبة ووداعة.
فالرهبنة لا ترى فى الضيافة تناقضًا مع الوحدة، بل تعتبرها جزءًا من الشهادة المسيحية، فالراهب الذى يعيش فى الصمت لا يفعل ذلك ليبتعد عن الناس كراهيةً أو رفضًا، بل ليقتنى قلبًا نقيًا يستطيع أن يحب الجميع ويخدمهم دون أن يفقد سلامه الداخلي، ولهذا تُنظم حياة الأديرة بحيث تحفظ للآباء أوقاتهم الخاصة للصلاة والنسك والقراءة والعمل، وفى الوقت نفسه تفتح أبوابها للزائرين فى حدود تحفظ روح المكان وقداسته.
هل تنظرون إلى العمل والإنتاج داخل الدير باعتبارهما جزءًا من الحياة الرهبانية نفسها وليس مجرد نشاط اقتصادي؟
نعم، فى الرؤية الرهبانية الأصيلة لا يُنظر إلى العمل والإنتاج بوصفهما نشاطًا اقتصاديًا منفصلًا عن الحياة الروحية، بل كجزء من النسق نفسه الذى يجمع بين الصلاة والطاعة والنسك، فالراهب لا يعمل ليحقق ربحًا أو ليؤسس مشروعًا تجاريًا، وإنما ليعيش الأمانة، ويكسر البطالة، ويشارك فى بناء الجماعة، ويقدس الزمن والجهد فى حضرة الله.
ومن هذا المنطلق، يصبح العمل داخل الدير امتدادًا للصلاة لا نقيضًا لها، فاليد التى تعمل، والعقل الذى ينظم، والقلب الذى يحتمل التعب بصبر، كلها تدخل فى خبرة الطاعة والتجرد لذلك كانت الأديرة عبر التاريخ أماكن صلاة وعمل معًا: الزراعة، والنسج، والخبز، والحرف، وكل ما يضمن حياة الجماعة ويخدم الضيافة والعطاء، فالإنتاج هنا ليس غاية فى ذاته، بل وسيلة تحفظ للدير استقلاله، وتعينه على الاستمرار، وتمكنه من خدمة الآخرين دون أن يتحول إلى عبء على أحد.
كما أن العمل الرهبانى يحمل بعدًا تربويًا وروحيًا عميقًا لأنه يعلّم الاتضاع والانضباط والأمانة فى التفاصيل الصغيرة، فالراهب حين يعمل لا يفصل بين ما يفعله وبين ما يؤمن به بل يرى فى كل مهمة، مهما بدت بسيطة، فرصة للاتحاد بالله وممارسة المحبة العملية، ولهذا لا يُقاس العمل فى الدير بمعايير السوق وحدها بل بمعيار النعمة والبركة والرسالة.
لذلك يمكن القول إن العمل والإنتاج فى الدير ليسا مجرد نشاط اقتصادى بل هما وجه من وجوه النسك وطريقة عملية للعيش فى الشركة، وخدمة للذات وللآخرين فى آن واحد، وهكذا تبقى الرهبنة أمينة لجوهرها «صلاة تعمل، وعمل يصلي».
ما المشروعات التى يضمها الدير؟
يضم الدير عادةً مجموعة من المشروعات التى تخدم الحياة الرهبانية وتساعد على الاكتفاء الذاتي، مثل الزراعة وتربية الماشية وبعض الورش والحِرف اليدوية، وأعمال الصيانة والخدمات وأحيانًا مشروعات مرتبطة باستقبال الزائرين والضيافة، وتختلف هذه المشروعات من دير إلى آخر بحسب طبيعة المكان واحتياجات الجماعة الرهبانية، لكنها جميعًا تُدار بروح الخدمة لا بروح الربح.
كيف ترون العلاقة بين العبادة والعمل فى الفكر الرهبانى القبطي؟ وهل ما زالت مقولة «من لا يعمل لا يأكل» حاضرة فى حياة الرهبان اليوم؟
فى الفكر الرهبانى القبطى لا ينفصل العمل عن العبادة، بل يكمل أحدهما الآخر، فالرهبنة ليست صلاة فقط ولا عملًا فقط وإنما حياة متكاملة تقوم على الصلاة والطاعة والنسك والخدمة، لذلك يُنظر إلى العمل داخل الدير باعتباره جزءًا من الجهاد الروحي، لأنه يعلّم الانضباط، ويكسر البطالة، ويغرس الاتضاع، ويجعل الراهب شريكًا فى بناء الدير وخدمة الآخرين.
وأما «من لا يعمل لا يأكل» فإنها ليست مقولة فقط ولكنها آية فى الكتاب المقدس (فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ أَوْصَيْنَاكُمْ بِهَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا) (تسالونيكى الثانية 3 : 10)، وهذه الآية ما زالت حاضرة فى حياة الرهبان اليوم، ولكن بمعناها الروحى والتربوي، لا بمعناها القاسى أو الاقتصادى المجرد، فهى تعنى أن لكل راهب دورًا ومسؤولية داخل الجماعة، وأن الحياة الرهبانية تقوم على الأمانة فى القليل قبل الكثير، وعلى أن يكون العمل خادمًا للصلاة لا بديلًا عنها، كما أن تطبيق هذا المبدأ يراعى ظروف كل راهب من حيث السن والصحة بحيث يبقى الهدف هو المشاركة فى الحياة المشتركة بروح المحبة والاتضاع.
لذلك يمكن القول إن العبادة والعمل فى الدير ليسا مجالين منفصلين، بل هما وجهان لحياة واحدة: صلاة تُترجم إلى خدمة، وعمل يظل مغمورًا بروح الصلاة.
هل هناك مراحل جديدة أو مشروعات مستقبلية تستعدون لتنفيذها داخل الدير خلال الفترة المقبلة؟
نعم، هناك مراحل تطويرية ومشروعات مستقبلية نعمل على الإعداد لها داخل الدير خلال الفترة المقبلة، منها تنفيذ بعض الأعمال مثل تعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة، وتطوير مصادر المياه، والاهتمام بالمساحات الخضراء والزراعة المناسبة لبيئة الصحراء، وإلى جانب ذلك، هناك اهتمام بمشروعات ثقافية وروحية تهدف إلى توثيق تاريخ الدير، وخدمة الحياة الرهبانية، وتقديم برامج أكثر تنظيمًا للزائرين والمهتمين، وكل هذه الخطوات تأتى ضمن رؤية طويلة المدى، تُنفَّذ بحسب الإمكانات المتاحة وبما يخدم رسالة الدير فى الحاضر والمستقبل.
كيف تتصورون مستقبل الدير بعد 10 أو 20 عامًا؟ وما الصورة التى تتمنون أن يكون عليها؟
نتصور أن يكون الدير أكثر ازدهارًا من الناحية الروحية والعمرانية، مع الحفاظ الكامل على طابعه الهادئ وقداسته وخصوصيته، نأمل أن يظل مكانًا يجمع بين الأصالة والتجديد، بحيث تُحفظ فيه الروح الرهبانية كما هي، وفى الوقت نفسه تتطور الخدمات والمرافق بما يليق بالزائرين وبالرسالة التى يحملها الدير.
ماذا نقول لله اليوم وماذا نرجو أن يُقال عن هذا الدير بعد مئة عام؟
نقول لله: لك المجد يا رب والشكر، لأنك أخذت أول حجر صغير وجعلت منه بيتًا للصلاة وموضعًا للنعمة، وحوّلت هذا المكان إلى شهادة حيّة لعملك فى البساطة والإيمان والتعب، ونرجو أن يقول الناس بعد مائة عام: هنا ديرٌ بقى أمينًا لرسالته، يفتح أبوابه لله وللناس، ويظل منارة صلاة وتوبة ومحبة وسلامًا لكل من يطلب الرب.