على مدار أكثر من 35 عامًا، عاش الروائى والكاتب والسيناريست الكبير مجدى صابر بين الورق والقلم، مؤمنًا بأن الكتابة ليست مهنة، بل حياة ورسالة يحملها على عاتقه، انشغل دائمًا بقضايا الناس، وسعى إلى تقديم دراما تعكس نبض المجتمع وهمومه، فاستحق أن يكون واحدًا من أبرز كتّاب الدراما المصرية. ومنذ أن لمع اسمه مع مسلسل «الرجل الآخر» للنجم نور الشريف، الذى تحول إلى ظاهرة جماهيرية داخل مصر وخارجها، مرورًا بمسلسل «للعدالة وجوه كثيرة» مع الفنان الكبير الدكتور يحيى الفخرانى، واصل مجدى صابر تقديم أعمال درامية متنوعة ومختلفة، رسخت مكانته بين كبار المبدعين، وكتبت اسمه بحروف من نور فى سجل الدراما المصرية.
فى هذا الحوار، الذى أجريناه معه على أحد المقاهى الشعبية فى السيدة زينب، تحدث مجدى صابر بصراحة عن تحولات المجتمع، وخطورة مسلسلات الجريمة، وهيمنة «النجم» على النص، وأسرار كتابته، وحكايات أعماله الأشهر، ولماذا يرى أن الكاتب الحقيقى لا يلهث خلف «التريند»، بل يكتب ما يبقى فى وجدان الناس... فإلى نص الحوار...
بعد جولة بين أشهر معالم السيدة زينب، وسيرنا على الأقدام وسط الناس فى شوارعها العتيقة، اتجهنا إلى أحد المقاهى الشعبية الشهيرة بالمنطقة، حيث بدأ الحوار، هناك سألته عن سر هذا الاندماج الدائم مع الناس، وهل صحيح أن بعض أعماله استُلهمت من قصص وحكايات واقعية عاشها أو صادفها فى الشارع؟
فأجاب قائلًا: «لا أستطيع أن أقول إن أغلب أعمالى وقائع حدثت بالفعل أو إنها مأخوذة حرفيًا من قصص أشخاص بعينهم»، ثم عاد ليؤكد: «لكن طوال عمرى كانت عينى على الناس، وعلى المجتمع الذى أعيش فيه، ودائمًا أحب الخروج من المنزل والجلوس فى الأماكن الشعبية، لأرى الناس وأتحدث معهم، خاصة أننى شبراوى الأصل، وأنتمى إلى حى شبرا العريق.
أنا أعتبر نفسى إنسانًا بسيطًا، ويسعدنى أن أتوقف للحديث مع أى شخص، وأن أستمع إلى الآخرين، قد أدير حوارًا مع بواب العمارة، أو مع الشخص الذى يغسل سيارتى، أو مع أى إنسان أصادفه فى حياتى اليومية، والحمد لله، أعيش ببساطة فى حياتى وفى تعاملى مع الناس، وربما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعى على تسهيل هذا الأمر إلى حد ما، لأنها تنقل كثيرًا من تفاصيل المجتمع، وتمنحك صورة بانورامية لما يدور فيه.
صحيح أن ما يغلب على منصات التواصل اليوم هى أخبار الجريمة، حتى باتت فى أحيان كثيرة وكأنها وسيلة لنقل الجرائم وتوزيع أخبارها على الملايين، لكن فى المقابل تظل مصدرًا يمكن من خلاله متابعة الكثير من أحوال المجتمع وتغيراته، ومع ذلك لم يمنعنى هذا يومًا من الحرص على التواصل المباشر مع الناس، لأننى أؤمن أن الواقع يظل دائمًا أكثر صدقًا من أى شاشة.
وفى رأيك وبعد هذه الرحلة الطويلة والحافلة مع الدراما، هل تغيّر الناس؟ وهل لمست اختلافًا فى المجتمع عما كان عليه عندما بدأت مشوارك الفنى؟
أجاب قائلًا: طبعًا، ومن دون شك، ولو سألتنى عن أى مرحلة من الثلاثين عامًا الماضية، سأقول لك الكلام نفسه، الحياة أصبحت أشبه بحلبة ملاكمة، صراع يومي، بل صراع لحظى، والضغوط لا تتوقف، المعيشة أصبحت أصعب، وتكاليف الحياة ارتفعت، وهو ما انعكس على الناس، فصار هناك شعور متزايد بعدم الرضا لدى كثيرين، إلا من رحم ربى، وهذا واقع لا يمكن إنكاره.
هذا المناخ يخلق مشكلات اجتماعية كثيرة، وربما يكون أحد العوامل التى تسهم فى زيادة بعض مظاهر العنف والجريمة التى نراها اليوم، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، فكثير من الناس أصبحوا يعملون فى أكثر من وظيفة حتى يتمكنوا من الإنفاق على أسرهم والوفاء بالتزاماتهم.
كما أن الحراك الطبقى أصبح واضحًا بصورة لافتة؛ فهناك فئات تراجعت إلى طبقات اجتماعية أدنى، وربما إلى ما هو دون ذلك، فى مقابل فئات أخرى صعدت إلى مستويات من الثراء، ويكفى أن نتأمل ما تردد مؤخرًا، على سبيل المثال، عن أن دخول إحدى القرى السياحية فى الساحل الشمالى مثل «مراسى»، لزيارة صديق داخلها قد يتطلب دفع ألف دولار!، هذا مؤشر على وجود طبقة تعيش بيننا تمتلك قدرات مالية استثنائية، أصبح المال بالنسبة إليها متاحًا بصورة لافتة، وهو ما يخلق نوعًا من الانفصال الطبقى، وربما الجغرافى أيضًا، ويُعمّق الفجوة الاجتماعية، وهذا، فى رأيى، لا يصنع مجتمعًا صحيًا، بل يفتح الباب أمام حالة من الاحتقان والجدل والشعور بعدم الرضا، خاصة لدى الفئات الأقل قدرة.
انظر إلى الشباب اليوم؛ كثير منهم لا يستطيع الزواج، لأن دخله لا يكفى لتأسيس بيت. وهناك أيضًا أصحاب المعاشات، الذين يتقاضى بعضهم ثلاثة أو أربعة آلاف جنيه، وهى مبالغ قد لا تكفى لتغطية الاحتياجات الأساسية، من فواتير المياه والكهرباء والغاز إلى تكاليف العلاج ومتطلبات الحياة اليومية.
«أرى أن المجتمع تغيّر تمامًا»، قالها مؤكدًا، ثم أضاف: «ذلك الرضا الذى كان يميز الناس فى السبعينيات والثمانينيات، وقدرتهم على التعايش بإمكانات محدودة، مع تقارب المستويات المعيشية وغياب الفوارق الطبقية الكبيرة، لم يعد موجودًا اليوم، المشهد تغيّر تماما».
هل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعى فى انتشار الجريمة أم أنها فقط سلطت الضوء عليها وجعلتها أكثر حضورًا أمام الناس بالشكل الذى نراه اليوم؟
قاطعنى قائلًا:«الجرائم موجودة منذ بداية البشرية، فمنذ قصة قابيل وهابيل والجريمة حاضرة فى حياة الإنسان، لكن وسائل التواصل الاجتماعى لم تصنع الجريمة، بقدر ما كشفتها وعرّتها، وجعلتها أمام أعين الملايين فى اللحظة نفسها.
فى الماضى، وقبل ظهور الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعى، كان الناس يعرفون الجرائم من خلال الصحف أو وسائل الإعلام التقليدية، وكانت جريمة واحدة تنشرها صحيفة قومية مثل «الأهرام» أو «الأخبار» كفيلة بأن تشغل الرأى العام وتصبح حديث الناس لأيام.
أما اليوم، فقد أصبحت أخبار الجرائم تنتشر لحظة وقوعها، وتتناقلها عشرات المواقع والمنصات، مع متابعة مستمرة لكل تفاصيلها، والتركيز على غرابتها وملابساتها، هذا الانتشار المكثف قد يدفع بعض ضعاف النفوس، فى بعض الأحيان، إلى تقليد ما يشاهدونه أو يتابعونه.
كيف؟
دائمًا ما كنت أقول إن مسلسلات الجريمة شديدة الخطورة، صحيح أنها قد تجذب المشاهد بسبب سخونة أحداثها، وتشويقها، والبحث عن الجانى، وما يصاحب ذلك من تطورات مثيرة، لكنها فى النهاية قد تدفع بعض ضعاف النفوس إلى تقليد ما يرونه على الشاشة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعى بشكل عام.
ومن هنا تكمن خطورة الأعمال التى تتناول الجريمة، خاصة إذا كان بطلها نجمًا محبوبًا ويتمتع بجماهيرية كبيرة، لأن بعض المشاهدين قد يتأثرون به إلى حد الاستهواء أو التقليد، لذلك فإن تقديم الجريمة سواء فى الدراما أو على منصات التواصل الاجتماعي، يفرض مسئولية كبيرة على صناع المحتوى، حتى لا يتحول العمل من وسيلة للتوعية إلى وسيلة تمنح بعض النفوس الضعيفة أفكارًا أو نماذج قابلة للتقليد.
ولماذا تقدم الجريمة كاملة ويتم عرضها بالتفصيل فى بعض الأعمال الفنية؟!
البعض يقدم هذا النوع من الأعمال بحثًا عن «التريند» وتحقيق نجاح صاخب، ثم يخرج ليعلن أنه «نمبر وان»، حتى أصبح كل بطل مسلسل يصف نفسه بأنه «نمبر وان»، ولو كان لدينا 40 مسلسلًا، فسنجد فى النهاية 40 “نمبر وان”، ومسلسلات الجريمة، كما ذكرت، إذا صُنعت بحبكة درامية محكمة وبمهارة، فإنها تكون شديدة الجاذبية، لكنها قد تتحول فى بعض الأحيان، وللأسف، إلى عنصر محفز لدى بعض ضعاف النفوس، لذلك أتمنى أن يكون هناك قدر أكبر من الرقابة على كيفية تقديم الجريمة فى الدراما، بما يسهم فى الحد من هذا النوع من الأعمال أو ترشيد حضوره، كما أرى أن وسائل التواصل الاجتماعى بحاجة إلى إطار قانونى أكثر تنظيمًا، لأن هناك منصات ومواقع جعلت من أخبار الجرائم مادة يومية لجذب المتابعين، بل إن بعض من يقدمون هذا المحتوى، سواء كانوا رجال أمن سابقين، أو صحفيين، أو أشخاصًا لا علاقة لهم بهذا المجال، احترفوا نشر تفاصيل الجرائم عبر مواقعهم ومنصاتهم الإلكترونية، وفى رأيى هذه ظاهرة كارثية تستدعى تنظيمًا قانونيًا من أجل تقنينها أو إيقافها بأى شكل، ويتساءل قائلًا: أين الرقيب الذاتى لدى صناع هذه الأعمال؟ وأين الحس الفنى والإنسانى عند تقديم جرائم تُعرض على الشاشة بكل تفاصيلها الدقيقة وكأنها دليل إرشادى؟ فى رأيى، يجب تهذيب هذه النوعية من الأعمال، لأن الإفراط فى عرض تفاصيل الجريمة، وطريقة التخطيط لها وتنفيذها، قد يشكل خطورة على المجتمع، فالحديث عن الجريمة بهذا القدر من التفصيل، وإبراز كيفية ارتكابها، مسألة بالغة الخطورة وتستوجب قدرًا أكبر من المسئولية.
وما حكايتك مع الكتابة على أحد «الكافيهات» الشهيرة بمدينة نصر؟
بالفعل، أحرص منذ نحو 15 عامًا على الجلوس فى أحد المقاهى الشهيرة داخل أحد المولات بمدينة نصر، منذ افتتاحه، لأن صاحب المول صديق لي، أنا أحب الكتابة فى مكان مفتوح، فيه حياة وحركة وبشر، ولذلك لا أفضل الكتابة فى المنزل، رغم أن لدى غرفة مكتب كبيرة ومجهزة، وجود الجدران والنوافذ المغلقة يجعلنى لا أشعر بالراحة أثناء الكتابة، لكن حتى لا يُفهم كلامى بشكل خاطئ، لا أقصد المكان المفتوح فى الشارع، وإنما مكانًا هادئًا نسبيًا، أرى فيه الناس وهم يمرون من حولى، الغريب أننى بمجرد أن أبدأ الكتابة، أنفصل تمامًا عمن حولى وكأننى فى عالم آخر، وأعيش كل مشهد أكتبه بكل أحاسيسى، فلا أغادره إلا بعد أن أنتهى منه.
ويشير مجدى صابر إلى أنه يخصص للكتابة ثلاثة أيام فى الأسبوع، ولا تزيد مدة الكتابة فى اليوم الواحد على ثلاث ساعات، مؤكدًا أن مرحلة التحضير للفكرة، والتفكير فى تفاصيلها وبناء شخصياتها، أهم لديه من عملية الكتابة نفسها، لأنها تمثل الأساس الحقيقى الذى يُبنى عليه العمل.
ويواصل حديثه الشيق قائلًا: «كما تعلم، بدأت حياتى روائيًا، ولى عشرات الروايات المنشورة فى أدب الخيال العلمى، والرواية البوليسية، وأدب الجاسوسية، وربما لهذا السبب، عندما أكتب «التريتمنت» لأى مسلسل جديد، لا يقل عن 60 أو 70 صفحة، لأنه يتضمن العمل كاملًا، من البداية إلى النهاية، بكل أحداثه وتطوراته وخطوطه الدرامية.
وللأسف، أصبح كثير من المنتجين اليوم لا يقرأون هذا النوع من المعالجات المفصلة، ويطلبون أن يكون «التريتمنت» أو فكرة العمل فى صفحتين فقط، وهو أمر يثير دهشتى، كيف يمكن لمسلسل يمتد إلى 15 أو 30 حلقة أن يُختزل فى صفحتين أو فيما يسمى بـ«الملخص»؟!، أما أنا، فلا أجيد هذا النوع من الاختصار، وأراه فى كثير من الأحيان اختصارًا مُخلًا يظلم الفكرة ولا يمنحها حقها، ولا يستهوينى على الإطلاق، فى الماضى كان الوضع مختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن، لأن القائمين على صناعة الدراما كانوا يقرأون بالفعل، فعلى سبيل المثال، عندما أرسلت مسلسل «الرجل الآخر» إلى النجم الراحل نور الشريف، أرسلت له معالجة درامية فى نحو 50 صفحة، وبعد ساعتين فقط اتصل بى بعدما انتهى من قراءتها. والأمر نفسه حدث مع الفنان الكبير الدكتور يحيى الفخرانى فى «للعدالة وجوه كثيرة».
بل إن المخرج الكبير محمد فاضل كان يقول لى دائمًا: «أنا بستمتع وأنا بقرأ التريتمنت بتاع أعمالك قبل الحلقات»، لأنه كان يراه بمثابة خريطة متكاملة للعمل، ومن الطبيعى، أن تطرأ بعض التعديلات أثناء كتابة السيناريو، لأن الشخصيات الموجودة على الورق تبدأ فى التحول إلى شخصيات من لحم ودم.
وفى كثير من الأحيان، عندما أقطع شوطًا فى كتابة الحلقات، أفاجأ بأن الشخصيات نفسها تغيّر مسارها، وتفرض على أحداثًا وتصرفات جديدة لم تكن فى حساباتى، ولا فى خيالى، ولا حتى فى تخطيطى الأول، فعندما تنبض الشخصية بالحياة، وتشعر بأنها أصبحت تمتلك منطقها الخاص ومسارها الحقيقى، أعرف وقتها أننى أسير فى الطريق الصحيح، وأن شخصيات العمل أصبحت حقيقية وليست مجرد أسماء على الورق، وعندما تُعرض على الشاشة، سيصدقها الناس، لأنها ستصل إليهم باعتبارها شخصيات من لحم ودم.
وماذا عن الأعمال الفنية الجديدة التى جذبتك خلال الفترة الأخيرة؟
هناك أكثر من عمل جيد لفت انتباهى خلال الفترة الأخيرة، لكن من أبرزها مسلسل «لام شمسية»، لأنه تناول قضية شديدة الحساسية، وكسر حاجز الصمت حول موضوع كان كثيرون يترددون فى الاقتراب منه أو الحديث عنه، وقدم معالجة جريئة وواعية لهذا الملف.
ولو لاحظت، فبعد عرض المسلسل ظهرت حالات أكثر من الإبلاغ عن وقائع التحرش بالأطفال، لأن كثيرًا من الأسر التى كانت تلتزم الصمت فى الماضى أصبحت أكثر جرأة فى كشف ما حدث لأبنائها، والمطالبة بحقوقهم، حتى ينال الجانى عقابه وفقًا للقانون، ويكون ذلك رادعًا لغيره، ويسهم فى توفير حماية أكبر للأطفال داخل المدارس وغيرها من الأماكن.
كما أن الأطفال الذين تعرضوا لمثل هذه التجارب يحتاجون إلى دعم وعلاج نفسى يساعدهم على تجاوز آثارها، ومن هنا تتجلى قيمة الدراما الحقيقية؛ عندما تطرح قضية تمس المجتمع، وتنجح فى تغيير طريقة التعامل معها، وتدفع الناس إلى المواجهة بدلًا من الصمت، هذه هى الدراما.
هناك أيضًا مسلسل «جزيرة غمام»، وهو عمل شديد الرقى والتميز، ومسلسل «حكاية نرجس» لريهام عبدالغفور، الذى عُرض فى رمضان الماضى، وأراه من الأعمال الجيدة جدًا، وكذلك مسلسل «عين سحرية»، الذى قدم فكرة جيدة، وإن شابته بعض المبالغات قطعا، وأيضًا مسلسل «صحاب الأرض»، وأتمنى أن تتضاعف هذه النوعية من الأعمال، وأن تصبح هى الغالبة والسائدة فى الدراما، لأنها تقدم قيمة حقيقية للمشاهد، وهذا لا يعني بالطبع أن جميع الأعمال ستكون على المستوى نفسه، فوجود أعمال متفاوتة الجودة أمر طبيعى فى صناعة الدراما.
ومن يفكرك بشبابك من المؤلفين الجدد الآن؟
هناك عدد من الشبان المؤلفين الواعدين، وعلى حسب ما تسعفنى الذاكرة الآن وأنا أجلس معك، أذكر منهم مؤلف مسلسل “أندر إيدج” أمين جمال، فهو كاتب جيد ومتمكن، وتابعته فى أكثر من لون درامى؛ البوليسى، والرومانسى، والدراما الاجتماعية، وهناك أسماء كثيرة أخرى، منها سيد بشير، والمؤلف محمد سليمان عبدالمالك، وكذلك مؤلف مسلسل «صحاب الأرض» عمار صبرى، وهو ولد شاطر ومبشر جدًا.
الدراما تعانى من مشكلة فى الكتابة، فى كثير من الأحيان، بعض كتاب الورش تنقصهم الخبرة، وبالتالى تخرج أعمالهم غير ناضجة، ويجب على الأقل أن يكون هناك قائد لهذه المجموعة، بالمعنى الذى «ينقح» السيناريو الخاص بالعمل، ويضبطه ويمنحه تماسكًا أكبر.
وأرى أن مريم نعوم من أفضل كتاب الدراما الموجودين حاليًا على الساحة الفنية.
ولماذا لم يصل هؤلاء المؤلفون الشبان إلى نفس مكانتكم؟
لأنهم ما زالوا فى حاجة إلى مزيد من العمل، والخبرات المتراكمة، وتحقيق النجاحات، ومن الطبيعى أن يأتى ذلك مع الوقت، وبمزيد من الاجتهاد، هل مجدى صابر الذى يجلس أمامك الآن هو نفسه مجدى صابر قبل 30 سنة؟ لا، طبعًا.
لقد بدأت كتابة الدراما عام 1996، وهذا مشوار طويل، وقبلها بعشر سنوات كنت أكتب الروايات، وهى التى أنضجتنى كثيرًا عندما انتقلت إلى كتابة الدراما، أو كما أقول: «كتابة المحترفين»، هذه السنوات العشر صنعت فارقًا كبيرًا معي، وكانت بمثابة تمهيد حقيقى لكتابة السيناريو.
ورغم أننى لم أدرس السيناريو أكاديميًا، ولم أكن خريج كلية الآداب، فإننى تعلمت وثقفت نفسى بنفسى، أنا بفضل الله قارئ نهم منذ طفولتى، كنت أقرأ باستمرار فى مكتبة والدى، كما أن حى شبرا العريق الذى عشت فيه وأنتمى إليه كان يضم عشرات المكتبات التى تبيع الكتب والروايات المستعملة، بل وتستبدلها بقرش، ثم بخمسة قروش، وكانت بالنسبة لى كنزًا حقيقيًا، فتحت لى آفاقًا واسعة على الأدب، والعلم، والثقافة، والحضارة الفرعونية، ومختلف مجالات المعرفة، وكل هذه الخبرات المتراكمة كان لها أكبر الأثر فى تكوينى وصقل تجربتى.
وماذا عن آخر عمل قدمته على الشاشة يحمل اسمك؟
مسلسل «أفراح إبليس» الجزء الثانى، بطولة جمال سليمان، وصابرين، ومحمود الجندى، وكمال أبو رية، ومنى عبدالغنى، ومجموعة كبيرة من النجوم.
وماذا عن الجانب الآخر من حياتك الذى لا يعرفه أحد؟
أنا إنسان بسيط جدًا، ترضينى أقل الأشياء، لم يكن من أحلامى أن أعيش فى فيلا أو أركب سيارة بعينها من أحدث الموديلات، لكن كل أحلامى تصب فى الكتابة، لأنها جزء من حياتى، وتستطيع أن تقول إنها غريزة بداخلي، لا أستطيع أن يمر أسبوع دون كتابة أو قراءة، لأننى وقتها أشعر أن شيئًا مهمًا ينقصنى. حتى لو مرّ على موسم أو موسمان دون أن يُعرض لى عمل على الشاشة، أحرص على مواصلة الكتابة، والعمل على مشاريع جديدة بنفس الجدية والحماس، وللعلم يوجد فى مكتبى أكثر من عمل جاهز، وبإذن الله سترى النور قريبًا، وأنا أعمل عليها حاليًا، ولا تقل فى جودتها عن الأعمال التى سبق أن قدمتها.
والغالب حاليًا فى الدراما هو مسلسلات الـ15 حلقة، وأرى أنها خطوة جيدة، لأنه كان يحدث أحيانًا نوع من «المط والتطويل» حتى يصل المسلسل إلى 30 حلقة، وهو ما لم يكن يساعد الكاتب على تقديم عمل يحتفظ بنفس الإيقاع والقوة.
ومسلسلات الـ30 حلقة أصبحت، فى الغالب، للنجوم «السوبر»، وهذه، بالنسبة لى، أرى فيها إشكالية، فالعمل أصبح يبدأ بـ”النجم”، بينما فى الماضى كان يبدأ بـ«النص» أولًا، ثم المخرج، وبعد ذلك يتم اختيار أبطال العمل المناسبين، أما اليوم فقد انقلبت الآية، وأصبح المنتج يقول لى: «هات لى إمضاء النجم على العمل»، ثم تُسخَّر كل الأشياء لخدمته، وهو الذى يختار النص الذى يناسبه، أو يملى على الكاتب ما يشاء، وفى بعض الأحيان تجد العمل فى خدمة النجم، وليس فى خدمة المشاهد!، ويمضى فى حديثه قائلًا: «أحب الكتابة وأعشقها، لأنها بالنسبة لى ليست مهنة، وإنما حياة، وربما أثر ذلك فى كثير من تفاصيل حياتى، لأن ذهنى يظل مشغولًا بالأفكار طوال الوقت، وقد أستيقظ فى وقت متأخر من الليل، فقط لأسجل فكرة جديدة راودتنى فى حلم أو مرت بخيالى أثناء النوم.. تصور!».
فى الماضى كنت أسجل أفكارى فى دفتر بجوار سريرى، باستخدام الورقة والقلم، أما الآن فأقوم بتسجيلها صوتيًا على هاتفى المحمول، حتى لا تضيع أى فكرة جديدة، فالسيناريو الخاص بأى عمل فنى يحوى آلاف التفاصيل، ولذلك ما أفعله مهم جدًا، لأنه يفيدنى كثيرًا فى هذه النواحى، وخاصة أننى من النوع الدؤوب، الذى قد يكتب حلقة أو حلقتين، ثم لا يرضى عنهما، فيمزق ما كتبه، ويعيد الكتابة من جديد برؤية مختلفة تمامًا، كما أننى لا أسلم «التريتمنت» الخاص بأى عمل جديد فور الانتهاء منه، وإنما، بالمعنى الدارج، «أركنه» عندى فترة من الوقت، لأن عقلى الباطن يظل يعمل عليه، وأستطيع بعدها إجراء نوع من التطوير فى الحلقات، والتفاصيل، والشخصيات داخل العمل.
ويتضح من كلامى أن حياتى كلها للكتابة فقط، للسيناريو، وليس لشيء آخر، لأننى توقفت عن كتابة الروايات منذ زمن طويل، وكل مشهد يمر أمامى أعتبره مشروع عمل درامي.
فعلى سبيل المثال، كنت فى الساحل الشمالى منذ 15 عامًا، ومرت من أمامى بنت تبيع «الفريسكا»، فناديتها وسألتها عن والدها، الذى أعرفه، فقالت لى إنه مريض، واضطرت للنزول والعمل بدلًا منه، وعرفت منها أنها تركت التعليم وهى فى الثانوية العامة بسبب عملها ومساعدتها لأسرتها، ومن هنا جاءتنى فكرة مسلسل “فريسكا”، الذى قامت ببطولته آثار الحكيم، وبدأت المسلسل بهذا المشهد بالضبط، من خلال آثار الحكيم وهى تحمل صندوق “الفريسكا” على الشاطئ، لأنه كان بداخلى وقتها رغبة فى كتابة مسلسل عن فترة الستينيات، من خلال الحقبة الناصرية والثورة الثقافية فى ذلك الوقت.
فطورت فكرة المسلسل، وجعلت أحداثه تدور فى هذه الفترة الزمنية، وأن هذه الفتاة التى لم تكمل تعليمها ارتبطت بشاب صحفى، ورغم تأميم الثورة لثروة والده الباشا، فإنه كان مؤمنًا بأهداف الثورة، وتزوج آثار الحكيم، وساعدها على استكمال تعليمها، ثم توفى قبل أن يكمل دراسة الدكتوراه الخاصة به، وأوصاها بأن تحصل هى على الدكتوراه فى مسيرتها المهنية... وقد كان.
والمسلسل جاءتنى فكرته من مشهد على أرض الواقع، لكن كان لدى مخزون ثقافى عن فترة الستينيات، عبرت عنه من خلال الدراما، وستندهش لو قلت لك إننى لجأت إلى دار الهلال، من خلال مجلدات مجلتى «المصور» و«روز اليوسف» تحديدًا، حتى أطلع على تلك الحقبة الزمنية المهمة قبل كتابة سيناريو المسلسل، وأعرف ما كان يحدث يوميًا فى كل المجالات خلال فترة الستينيات، فتحول المسلسل إلى أيقونة مهمة لرصد الحياة فى تلك الفترة بشكل يومى، وكما حدث فى مسلسل «قلبى دليلى» عن ليلى مراد، الذى بدأت أحداثه بثورة 1919، ثم انتقل إلى فترتى الثلاثينيات والأربعينيات، وكان كل من حول ليلى مراد أبطال ونجوم عصرهم، أمثال محمد عبدالوهاب، وأنور وجدى، وروز اليوسف، وتوجو مزراحى، وراقية إبراهيم، التى قيل إنها سافرت إلى إسرائيل وساهمت فى قتل سميرة موسى، ويمكننى القول إننى استعنت بنحو 140 كتابًا ومرجعًا فى هذا العمل، وكان لا بد أن يتواءم الخيال مع الحقائق التاريخية الخاصة بليلى مراد ومن حولها.
وكانت مسألة الرصد التاريخى مهمة جدًا بالنسبة لى، لأننى كنت أكتب مسلسلًا عن عصر ليلى مراد، حتى الملك فاروق ظهر ضمن أحداث المسلسل، وفى الحفلات التى كان يحضرها، وكانت ليلى مراد تغنى فيها، ورغم المجهود الكبير الذى بُذل فى هذا العمل، فإننى كنت سعيدًا جدًا بالمنتج النهائى، لأن الكتابة تكون متعة عندما تكون صادقة.
بصراحة.. هل خانك ذكاؤك يومًا فى عمل يحمل اسمك، ولم يحقق النجاح الذى كنت تتوقعه؟
بالفعل حدث ما جاء فى سؤالك، كان هناك عمل كنت راضيًا عنه جدًا، ومنحته لواحد من أكبر مخرجى السينما، ومن بطولة نجمين كبيرين، لكن للأسف لم يحقق النجاح المرجو منه، لأنه لم يُقدم بالمستوى الذى كنت أطمح إليه، بسبب بخل المنتج فى الإنفاق على الفيلم، وهو ما اضطر المخرج إلى اختصار كثير من المشاهد والتفاصيل من أجل التوفير لجهة الإنتاج، ورغم أن العمل حقق نجاحًا، فإننى لم أحبه، ولم أكن راضيًا عنه بسبب ما حدث، ولذلك قررت ألا أتعامل مرة أخرى مع مخرج ومنتج هذا العمل.
وماذا لو سألتك.. هل أنت شبه هذا الزمن؟
بعفوية شديدة جدًا، قال: «لا.. لا. الزمن تغيّر، بإيقاعه، وناسه، وكل شيء فيه، وأحيانًا أسأل نفسي: إحنا اتغيرنا كده ليه؟ وإزاى اتغيرنا بالسرعة دي؟».
وهل هذا السبب كان عاملا لقلة أعمالك فى الفترة الأخيرة؟!
بهدوء وحكمة، قال:«ربما يكون ما جاء فى سؤالك أحد الأسباب، لكن لدى أعمال تناقش ما نتحدث عنه الآن، وهو التغير الذى طرأ على المجتمع، وعلى المواطن المصرى تحديدًا، لأننى فى النهاية مراقب جيد لمجتمعى، وألاحظ كل ما يدور فيه عن قرب، وأعرف كيف أعبّر عن كل ما يحيط بي، حتى وإن كانت هناك أشياء كثيرة لا ترضينى».
وماذا تمثل لك التكريمات التى حصلت عليها خلال الفترة الأخيرة؟
بتواضع جم، قال: «كرمت فى مشوار حياتى عشرات المرات، وكانت البداية مع مسلسل «الرجل الآخر»، أول عمل قدمته للتليفزيون المصرى، بطولة نجمنا الراحل الكبير نور الشريف، والجميلة ميرفت أمين، وإخراج ملك الدراما مجدى أبو عميرة، هذا العمل «كسر الدنيا»، وقدم لونًا جديدًا فى الدراما الاجتماعية التى تأخذ شكلًا بوليسيًا، لكنه لم يطغ على الجانب الاجتماعى، كما تناول لأول مرة، قضية ذوى الاحتياجات الخاصة، من خلال الدور الذى قدمه الفنان أحمد رزق، وأكد ضرورة رعايتهم، وتنمية مواهبهم، وتعليمهم فى مدارس متخصصة، والاهتمام بهم.
والحمد لله، اليوم أصبحنا نرى اهتمامًا أكبر بهذه الفئة، التى تضم الملايين فى المجتمع، على عكس ما كان يحدث فى السابق، وأصبح منهم أبطال فى الرياضة، والموسيقى، والرسم، كما قدمت لأول مرة فكرة ما بعد الموت ضمن أحداث المسلسل، فى المشهد الذى توقف فيه قلب نور الشريف لمدة خمس دقائق داخل غرفة العمليات، وشعر بأنه ينتقل إلى العالم الآخر عبر أنبوب، وهذه التفصيلة أحدثت ضجة كبيرة فى المجتمع وقتها”.
وأضاف:«حتى نور الشريف نفسه قال لي: «أنا مررت بهذه التجربة على أرض الواقع بالفعل»، وأذكر أن أحد أساتذة معهد السينما اتصل بى بعد إذاعة الحلقة، وكان يبكى، وقال لى: «مين اللى قالك اللى حصل لى جوه غرفة العمليات؟».
وللعلم، كنت قد قرأت هذه المعلومة فى كتاب أصدره جراح قلب مفتوح إنجليزى، تناول فيه حالات بعض المرضى الذين توقف نبض قلبهم داخل غرفة العمليات، ثم عادوا إلى الحياة مرة أخرى، وهذه هى ثقافة الكاتب.
وبعد تكرار هذه الظاهرة مع أكثر من حالة، كان الطبيب يسأل المرضى عن إحساسهم فى تلك اللحظات، فكان إجماعهم قريبًا مما قدمته فى المسلسل، إذ كانوا يقولون إنهم يسمعون الأطباء من حولهم وهم يعلنون وفاتهم، لكن لا أحد يسمع أصواتهم، وإن الروح تنفصل عن الجسد، وتغادر المكان، وتشاهد أسرهم وهم يبكون على فراقهم، ثم ينتقلون عبر سحاب أو أنبوب أبيض يؤدى إلى فردوس ونعيم الجنة، أو أسود يؤدى إلى النار، ثم يسمعون صوتًا من بعيد يقول: “ده وقته لسه ما جاش”، فتعود الروح إلى الجسد”.
وهذا حدث حقيقى، كما سبق وذكرت، لآلاف الأشخاص، لكننى فوجئت وقتها فى مهرجان الإذاعة والتليفزيون، بأن نور الشريف حصل على جائزة أحسن ممثل، وميرفت أمين على جائزة أحسن ممثلة، ومجدى أبو عميرة على جائزة أحسن مخرج، وحصد المسلسل الجائزة الذهبية كأفضل مسلسل، بينما مجدى صابر... صفر جوائز!.
كانت صدمة كبيرة بالنسبة لى، لأننى كنت فى بداية حياتى، والمسلسل حقق نجاحًا رهيبًا فى الداخل والخارج، وصادف أن قابلت أحد أعضاء لجنة التحكيم، فقلت له: “معقول يعنى.. المسلسل يحصد كل الجوائز ما عدا المؤلف؟! والكتابة أساس العمل”، فقال لى: “أنت لسه جديد، وبتكتب للتليفزيون المصرى، مستعجل على إيه؟!”.
فرددت عليه: “أخد منصب وكيل وزارة، ثم أرجع لكم؟! أليس هذا حقى؟”، لكن والحمد لله، كرمت فى العام نفسه من جامعات، ومؤسسات صحفية كبيرة، وهيئات كثيرة لا حصر لها، وعوضتنى هذه التكريمات عن تلك الجائزة المفقودة.
وفى العام التالى حصلت على جائزة أحسن مؤلف عن مسلسل “للعدالة وجوه كثيرة”، وحصل الدكتور يحيى الفخرانى على جائزة أحسن ممثل، والمخرج محمد فاضل على جائزة أحسن مخرج، فى مهرجان الإذاعة والتليفزيون، وفى العام الذى يليه فزت بجائزة أحسن مؤلف عن مسلسل “أين قلبى” للنجمة يسرا، مناصفة مع أسامة أنور عكاشة عن مسلسل “أميرة فى عابدين”، ولذلك أعتبرها أهم جائزة فى حياتى.
ثم توالت، بفضل الله، التكريمات والنجاحات والجوائز الذهبية فى مصر والعالم العربى، فى تونس، والأردن، والعراق، ودول كثيرة، عن مجمل أعمالي، وكان آخرها تكريمى فى المركز الكاثوليكى للسينما عن مشوار حياتى، وهى جائزة أعتز بها جدًا، وتعد من أجمل الجوائز التى حصلت عليها خلال مشوارى المتواضع، وأعتبرها “درة التاج” بالنسبة لى، لأنه مكان له قيمته واحترامه، وكرّم على مدار ما يقرب من 74 عامًا كبار الكُتاب والفنانين.
سؤالى الأخير.. هل مجدى صابر كاتب مهم؟
ابتسم وقال: “لا.. مش أنا اللى أقول كده، والآخرون هم من يملكون حق الحكم، لكن أستطيع أن أجزم بأننى كاتب مجتهد، ولدى إصرار، لأن عندى رسالة لا أتنازل عنها فى أى عمل يحمل اسمى، ودائمًا ما أسأل نفسى: أنا هكتب ليه؟ وما القضية التى تهم الناس؟، وتستحق أن أناقشها، حتى يكون للعمل رسالة فيها توعية، وإيجابية، وقيمة حقيقية.
لن تجد فى أعمالى مدمنًا، أو خيانة زوجية، أو بلطجة لمجرد الإثارة، أنا حريص جدًا على أن تحمل أعمالى قيمًا إنسانية وجمالية، تفيد المجتمع والمشاهد... وليس العكس».