رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اللواء د. سمير فرج: دعاة الحرب عليهم «التزام الصمت»


7-8-2026 | 14:18

اللواء د. سمير فرج

طباعة
حوار : منار عصام

«حرب هنا.. صراع هناك.. تفجيرات.. مواجهات تشتعل.. اتفاقيات تُبرم.. ومعاهدات تنتهى».. المشاهد السابقة وغيرها الكثير باتت تسيطر على مساحة لا بأس بها من أخبار العالم، وبالطبع منطقة الشرق الأوسط لم تكن بعيدة عن «التأثر»، فهناك أكثر من بقعة مشتعلة فى المنطقة، من ليبيا إلى السودان ومن غزة إلى اليمن وإيران، والمثير هنا أن «الحرب التقليدية» التى اعتاد العالم على متابعة أخبارها لم تعد حاضرة بكامل قوتها وعتادها، بل على العكس تمامًا، لم تعد الدبابات أو الطائرات متصدرة لمشهد الصراع، لكن أصبحت هناك «مسيرات» تتحكم فى إدارة «دفة الحرب»، وهناك معارك تجرى خلف الشاشات، وخسائرها أكبر بكثير من تلك التى كانت وجهًا لوجه.

ومما لا شك فيه أن المنطقة، تشهد واحدة من أخطر مراحلها العسكرية والأمنية فى العقود الأخيرة، حيث تحولت سماء العديد من عواصمها إلى ساحات مفتوحة لصراع غير مسبوق بسلاح جديد غيَّر معادلات الردع التقليدية، وهو سلاح «الدرونز» الذى يمكن القول إنه أحدث زلزالاً استراتيجياً فى موازين القوى، وأعاد تعريف مفاهيم الحرب والدفاع، فبينما ترتفع وتيرة التصعيد فى مياه الخليج ومضيق هرمز، وتتصاعد الهجمات بالطائرات بدون طيار على عدة دول عربية، يبرز سؤال جوهرى: هل تحولت المنطقة إلى ساحة حرب اقتصادية قبل أن تكون عسكرية؟ وما تأثير كل ذلك على الأمن القومى المصرى فى ظل التحديات المتلاحقة من كل اتجاه؟

الأسئلة السابقة، وغيرها الكثير كانت حاضرة على طاولة حوار «المصور» مع اللواء د. سمير فرج، المفكر الاستراتيجى، الذى قدم تحليلًا متوازنًا لمجريات الأحداث فى «الشرق الأوسط»، وقراءة واضحة لموقع مصر على خريطة المواجهات، وكذا حكمة القيادة السياسية فى إدارة الأمور خلال هذه الفترة المتأزمة، وكان الحوار التالى:

 

من واقع متابعتك.. هل يمكن تقدير حجم التكلفة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية للحروب التى تشهدها المنطقة فى الوقت الراهن؟

كشفت وزارة الدفاع الأمريكية أن التكلفة المباشرة للعمليات العسكرية ضد إيران بلغت نحو 29 مليار دولار حتى الآن، لكن الأهم أن الجميع بات يتحدث اليوم عن سلاح صغير الحجم يشن حروباً كبرى، وأعنى به الطائرات المسيرة، وبشكل عام التكلفة الاقتصادية للحروب الدائرة حاليا هى الأصعب على الإطلاق، ففى الوقت الذى كانت إيرادات قناة السويس تبلغ نحو 10 مليارات دولار، تراجعت إلى النصف بسبب التوترات الإقليمية، دون أن تكون مصر طرفاً فى الصراع، والدول التى تستورد الغاز أو البترول من الخليج تتكبد أعباء إضافية جراء ارتفاع الأسعار، ولهذا فإن أزمة مضيق هرمز اليوم أصبحت حرباً اقتصادية بالأساس، وليست مجرد مواجهة عسكرية، ولهذا أؤكد أن التكلفة باهظة على الجميع، وتؤثر على كل الدول، حتى الغنية منها، فالجميع بحاجة إلى الطاقة، وعندما ترتفع الأسعار كما نشهد فى مصر، يزيد كل شيء.

ما الرسائل التى توجهها لدعاة خوض مصر غمار الحرب؟

أقول لهم بكل وضوح: من يريد إدخال الدولة فى حرب، فليتذكر أننا قضينا ست سنوات فى حرب استنزاف، قبل حرب أكتوبر، خسرنا فيها الكثير من الطاقات، انظروا إلى السنوات العشر الماضية، وما تحقق من إنجازات، أثمرت عن أربعة ملايين وخمسمائة ألف فدان، وشُيدت طرق وكبارى، كل هذا لا يمكن أن يتحقق فى ظل الحرب، من يتحدث بهذا الكلام يريد تعطيل مسيرة التنمية، والحمد لله أن لدينا قيادة سياسية واعية تتحكم فى الأمور بحكمة، وتجنب البلاد ويلات الحروب.

كيف يمكن رفع الوعى لدى المواطنين حول مخاطر الحرب؟

لا بد من إدراك أن دخول مصر فى أى حرب يعنى توقف الاستثمارات، وحرمان الأبناء من مدارسهم ومستقبلهم، كما يجب أن نفهم أن أى حرب تعنى إيقاف عجلة التنمية، ولهذا أقول إن الرئيس عبدالفتاح السيسى أمسك بزمام الأمور فى السنوات الماضية بحكمة بالغة، رغم التحديات الكبيرة التى واجهتها المنطقة، خاصة خلال العامين الماضيين فى غزة.

كيف ترى ردود فعل دول الخليج تجاه التصعيد الإيرانى؟

دول الخليج تتعرض لضغوط كبيرة، ورغم ذلك تتحلى بالحكمة وعدم الرد العسكرى المباشر على إيران، لأن أى رد قد يؤدى إلى تدمير بنيتها التحتية، وتبقى الحرب هى الخيار الأخير، ولا تلجأ إليها أى دولة إلا عندما تتعرض أراضيها للاعتداء المباشر.

مع مجريات الفترة الحالية.. هل هناك حاجة ملحة لتشكيل جيش عربى موحد؟

هذه الدعوة التى أطلقها الرئيس السيسى لتشكيل جيش عربى ضرورة ملحة، لو كان هذا الجيش قد تشكل منذ عشر سنوات، لما حدث ما نراه اليوم، الدفاع عن الشرق العربى مسئولية مشتركة، ولا بد من تكامل عسكرى حقيقى، فهناك دول تمتلك اقتصاداً قوياً ولكنها تفتقر إلى جيش قوى، بينما تمتلك مصر جيشاً عريقاً وقوياً يمكن أن يكون نواة لهذا التكامل، والتكامل العسكرى العربى سيكون ركيزة أساسية لحماية الأمن القومى العربى.

ما مدى جاهزية الدولة المصرية لأى تحديات محتملة؟

نحن جاهزون، لكننا لا نبحث عن التحديات، خاصة فى ظل الأعباء الاقتصادية التى نعمل على تجاوزها، لذلك نسعى جاهدين لتجنب الدخول فى أى حروب أو عمليات عسكرية، حفاظاً على سيادتنا وقدرتنا على مواصلة التنمية.

فى بداية حديثك أشرت إلى «سلاح المسيرات».. حدثنا عن التطور التاريخى للطائرات المسيرة وكيف تحولت إلى سلاح محورى؟

يعود ظهور المسيرات، أو ما يُعرف بالـ«درونز»، إلى أوائل القرن العشرين، حيث استُخدمت كأهداف تدريبية لقوات المدفعية المضادة للطائرات، لكن الاستخدام القتالى الحقيقى بدأ بشكل محدود فى حرب فيتنام وحرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل، حيث اقتصر على أعمال الاستطلاع الإلكترونى، إلا أن أول استخدام قتالى فعلى لهذه الطائرات كان فى حرب أفغانستان، عندما زوّدت الولايات المتحدة الطائرة «بريديتور» بصواريخ هيلفاير، لتصبح أول مسيرة تنفذ عمليات قتالية، ثم استُخدمت لاحقاً فى اليمن والصومال وأفغانستان والعراق وسوريا لتصفية قيادات الإرهاب.

هل يمكن القول إن هذا الاستخدام وصل إلى القمة مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية؟

بالضبط... فجأة أصبحت أخبار قتال المسيرات على الجبهة الروسية - الأوكرانية مسار الأحداث يومياً على كل المواقع الإخبارية، وفى الأول من يونيو الماضى شنت أوكرانيا أخطر عملياتها باستخدام الدرونز، وأطلقت عليها اسم «شبكة العنكبوت»، حيث تمكنت من الهجوم على خمسة مطارات للقوات الجوية الروسية على عمق 4000 كيلومتر داخل الأراضى الروسية، قامت بتدمير وإحداث أعطال فى أكثر من 40 طائرة تمثل أفضل ما تملكه روسيا فى الثالوث النووى الجوى والبحرى والأرضى، قدرت الخسائر الروسية بحوالى 7 مليارات دولار، وشملت طائرات قاذفة استراتيجية من طراز «تو95» و«تو22» وطائرات «توبوليف 160» المعروفة باسم «البجعة البيضاء».

وكيف تم تنفيذ هذه العملية رغم تفوق الدفاعات الجوية الروسية؟

المفاجأة أن أوكرانيا نفذت العملية بـ117 طائرة مسيرة، أدخلتها إلى عمق روسيا داخل كبائن خشبية تشبه المنازل الروسية، محمّلة على شاحنات عملاقة، ورغم امتلاك روسيا لأحدث أنظمة الدفاع الجوى فى العالم مثل «إس- 400» و«إس- 500»، إلا أنها لم تتمكن من تدمير تلك المسيرات التى لم يتم رصدها، والأخطر أن تلك المسيرات لم تستخدم نظام «GPS» حتى لا يتم اكتشافها، واستبدلته بنظام أكثر تقدماً يعتمد على الذكاء الاصطناعى، حيث تم تركيب صورة كل طائرة روسية فى «عين» المسيرة، فتنطلق نحوها مباشرة لتدميرها.

إذن.. هل الطائرات المسيرة أصبحت أساس الحروب الحديثة بشكل عام؟

بالفعل أصبحت الطائرات المسيرة هى السلاح الأبرز فى الحروب الحديثة، وتكمن خطورتها فى صعوبة رصدها بواسطة أنظمة الدفاع الجوى التقليدية، فالمسيرة التى تكلف بضعة آلاف من الدولارات يمكنها أن تحقق ما تحققه مقاتلة بملايين الدولارات، واليوم ظهرت مسيرات تعمل بالألياف الضوئية، لا تلتقطها الرادارات، وأخرى خشبية لا ترتد عنها الإشارات، ومسيرات تحلق على ارتفاع خمسة أمتار فقط من سطح الأرض، مما يجعل اكتشافها شبه مستحيل، وفى المعارض العسكرية الدولية بعد حرب أوكرانيا، لاحظ الضباط المصريون أن الرادارات لم تعد تُعرض بشكل كبير، لأنها أصبحت عاجزة عن كشف المسيرات الصغيرة، وهذه مشكلة كبيرة جداً.

كون المسيرات سلاحًا خفيًا فى أغلب الأحيان يصعب رصده.. كيف يمكن التعامل معها كتهديد محتمل فى أى توقيت؟

التطور هو الحل.. حالياً تتم مواجهة المسيرة التى تكلف 30 ألف دولار بصاروخ يكلف مليونى دولار، وهذا أمر غير مجدٍ اقتصادياً، لذلك بدأ الاتجاه نحو استخدام أشعة الليزر لتدمير المسيرات أو تشويش إشارات الـGPS الخاصة بها، ويمكن القول إن الصراع الآن هو سباق تطوير مستمر بين الأسلحة الهجومية والدفاعية.

هل يمكن تحليل حطام الطائرات المسيرة لمعرفة مصدرها؟

بالطبع عندما نمسك بحطام مسيرة نحلل كل جزء فيها نعرف حجمها، ومداها، وهل أطلقت من مسافة 2000 كيلومتر أم من 150 كيلومتراً من البحر، ونحلل كمية الوقود المتبقى، والأجهزة الإلكترونية، كل هذه التفاصيل تكشف لنا مصدرها ودولة الصنع، ولهذا كانت مصر حذرة فى تصريحاتها الفترة الماضية، لأن التحليل الدقيق للحطام هو الذى يكشف الحقيقة.

هل هناك توجه لتوطين صناعة المسيرات فى مصر؟

نعم، مصر دخلت بالفعل فى هذا المجال واتخذت خطوات جادة فى توطين صناعة الطائرات المسيرة، وقد كانت فرحة الشعب المصرى عظيمة وهو يقف فى المعرض الدولى للصناعات الدفاعية «إيدكس 2025» بهذا الإنتاج المحلى من الطائرة بدون طيار، الذى يطمئن الشعب المصرى أننا نمتلك قدرات وطنية فى هذا السلاح الاستراتيجى، كما يشير توجهنا نحو الاعتماد الواسع على المسيرات إلى إدراك قيادتنا لأهمية هذا السلاح فى معادلات الدفاع المستقبلية.

وهل تغيرت الاستراتيجيات الأمريكية تجاه هذا السلاح؟

تغيرت بشكل جذرى، واشنطن أطلقت ما يُعرف بـ«ضربة العقرب» إلى الشرق الأوسط، بإرسال طائرات مسيرة من نوع الاتجاه الواحد، حيث أعلنت وزارة الحرب الأمريكية والقيادة المركزية عن إنشاء وحدات مسيرة جديدة من تصنيع شركة لوكاس الأمريكية، ويتضح أن أمريكا استبدلت حاملات الطائرات بالمسيرات خوفاً من سقوط أى طائرة أمريكية فوق الأراضى الإيرانية، وما قد يترتب عليه من كارثة لاستعادة الطيارين، كما حدث فى فيتنام، وهذا يعنى أن أمريكا غيرت سلاح الردع إلى إيران من حاملات الطائرات إلى الطائرات المسيرة.

ما السيناريوهات المتوقعة للفترة المقبلة فى الشرق الأوسط؟

الأوضاع تتغير يومياً.. كنا نتحدث عن منع إيران من امتلاك السلاح النووى، وكان لديها 450 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب، لكن اليوم، تحول الاهتمام بالكامل إلى مضيق هرمز، والولايات المتحدة أعادت ترتيب أولوياتها، فأصبح فتح المضيق هو التحدى الأول، وليس الملف النووى، وإيران تستخدم المضيق كورقة ضغط لتحقيق مكاسب.

من المحرك الأساسى للأحداث فى المنطقة؟

الرئيس ترامب هو المحرك الرئيسى حالياً، ونتنياهو كانت له دور فى البداية، لكن واشنطن هى التى تقود المشهد، وكان هناك اضطرابات ومظاهرات فى إيران، وربما كانت الضربات العسكرية تهدف إلى إسقاط النظام، لكن الأمور تطورت بشكل مختلف.

ما تأثير وجود المسيرات وتطورها على نشاط الجماعات المسلحة مثل الحوثيين وحزب الله وتأثير ذلك على أمن المنطقة؟

الحوثيون يؤثرون على حركة الملاحة فى البحر الأحمر وقناة السويس بشكل غير مباشر، وحزب الله وحماس يمتلكان صواريخ ومسيرات، كلها تأتى من إيران التى تمدهم بالسلاح والتمويل، هذه الجماعات أصبحت تمتلك قدرات متطورة، والحوثيون يضربون إسرائيل من مسافة 2000 كيلومتر بالمسيرات، ولهذا أشير إلى أن التحديات التى تواجه الأمن القومى المصرى متعددة ففى الاتجاه الشمالى الشرقى غزة، وفى الغرب ليبيا، وفى الجنوب السودان واليمن وباب المندب، وفى الشمال البحر المتوسط، فضلاً عن أزمة المياه مع إثيوبيا، مصر محاطة بالتحديات من كل اتجاه.

كيف تصف حكمة القيادة السياسية المصرية فى التعامل مع هذه التحديات؟

القيادة السياسية المصرية تتحلى بحكمة بالغة، وتحرص على عدم توريط مصر فى أى صراع، لو تورطنا لن نجد ما نأكله، ومصر تبنى علاقات متوازنة مع الجميع، مع الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبى، والدول العربية، وأيام الانقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية ولت، واليوم مصر تحافظ على مصالحها بسياسة متزنة وحكيمة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة