التقارير الرسمية الصادرة عن المركز الإعلامى لمجلس الوزراء كشفت عن صورة رقمية دقيقة لظاهرة الشائعات فى مصر تكاد تكون أشبه بمنحنى صاعد لا يتوقف وفق التوزيع النسبى لإجمالى الشائعات المرصودة منذ عام 2014 حتى 2025، إذ سجل معدل الانتشار 14.5 فى المائة خلال عام 2025 مقارنة بـ13.8 فى المائة فى 2024 و13.4 فى المائة فى 2023، أما إذا عدنا إلى نقطة البداية فى 2014 فنجد أن النسبة لم تتجاوز 0.7 فى المائة، ثم صعدت تدريجيا إلى 1.4 فى المائة فى 2015، و3 فى المائة فى 2016، و4.3 فى المائة فى 2017، و6 فى المائة فى 2018، و9.2 فى المائة فى 2019 قبل أن تقفز إلى مستويات أعلى بكثير بعد 2020.
هذا التصاعد لم يكن عشوائيا؛ فالبيانات تشير إلى أن الشائعات تضاعفت بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال الفترة من 2020 إلى 2025 مقارنة بالسنوات الست السابقة، والسبب الرئيسى وفق التحليل الرسمى يرتبط بتقاطع مسارين: جهود الدولة التنموية الواسعة من جهة، والتداعيات السلبية للأزمات العالمية من جهة أخرى، ففى عام 2025، استحوذت الشائعات المرتبطة بجهود التنمية على 45.7 فى المائة من إجمالى ما رصد ذلك العام وهى أعلى نسبة مسجلة حتى الآن، بعد أن كانت 32.5 فى المائة فى 2024 و28 فى المائة فى 2023. أما الشائعات المرتبطة بالأزمات العالمية، فقد تراجعت نسبيا إلى 34.7 فى المائة فى 2025، بعد أن بلغت ذروتها عند 54 فى المائة فى 2024.
وعلى مستوى القطاعات يظهر الاقتصاد دائما فى الصدارة؛ فخلال 2025 استأثر القطاع الاقتصادى بنسبة 20.3 فى المائة من الشائعات المرصودة، يليه التعليم بنسبة 11.4 فى المائة، ثم الصحة 11 فى المائة، والسياحة والآثار 10.2 فى المائة، والزراعة 9.6 فى المائة، والتموين 8.8 فى المائة، والطاقة والوقود 6.1 فى المائة. أما بقية القطاعات، فتتوزع بنسب أقل تبدأ من الحماية الاجتماعية 5.3 فى المائة، مرورا بالإسكان والنقل والاتصالات، وصولا إلى نسب هامشية فى الأوقاف والبيئة.
التوزيع الزمنى داخل العام الواحد يكشف أيضا نمطا لافتا؛ فالربع الأخير من 2025 وحده استحوذ على 39.5 فى المائة من إجمالى شائعات السنة مع تركيز ملحوظ على الاقتصاد والسياحة والصحة، أما على مستوى الشهور، فسجل ديسمبر 12.9 فى المائة، ونوفمبر 13 فى المائة، وأكتوبر 13.6 فى المائة، وهى أعلى المعدلات الشهرية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة؛ فهى تعكس تحولاً فى طبيعة التضليل نفسه، فالشائعات لم تعد تقتصر على أخبار عابرة، بل باتت تستهدف بشكل ممنهج مشروعات كبرى، مثل المتحف المصرى الكبير، ومبادرة حياة كريمة، والدلتا الجديدة، ومنظومة التأمين الصحى الشامل، والقطار الكهربائى السريع، ومصانع الغزل والنسيج. كما امتدت إلى ملفات يومية تمسّ حياة المواطنين مباشرة مثل أسعار السلع والطاقة والصحة العامة.
وفى المقابل، تُظهر بيانات رسمية دقيقة حجم الخسائر الحقيقية القابلة للقياس؛ إذ أعلن وزير الخارجية د. بدر عبدالعاطىأن مصر تكبدت خسائر تقارب 10.5 مليار دولار جراء تأثر الملاحة الدولية بقناة السويس خلال أزمة البحر الأحمر، وهو رقم موثق يوضح الفارق الجوهرى بين «الخسارة الحقيقية المدعومة بالبيانات» و«الخسارة المتخيّلة» التى تروّجها الشائعات لأغراض التهويل أو التضليل.
فى السياق العالمى تقدر دراسات دولية أن التكلفة الاقتصادية الإجمالية للمعلومات المضللة والأخبار الزائفة تصل إلى نحو 78 مليار دولار سنويا على مستوى العالم. أما فى الحالة المصرية فإن التقارير الرسمية لا تقدم حتى الآن رقما إجماليا موحدا للخسائر المباشرة، إلا أن استهداف القطاع الاقتصادى بنسبة تفوق الخمس يشير بوضوح إلى حجم التأثير المحتمل على ثقة المستثمرين وسلوك المستهلكين واستقرار الأسواق.
قال أشرف صلاح الدين، المتخصص فى تكنولوجيا المعلومات والإعلام الرقمى: إن الخطورة الحقيقية لاقتصاد الشائعات لا تكمن فقط فى الخسائر المالية المباشرة، بل فى تأثيرها على عملية اتخاذ القرار لدى المواطن والمستثمر على حد سواء؛ فالشائعة حول ارتفاع وشيك فى الأسعار تدفع إلى شراء محموم يرفع الأسعار فعليا، مضيفا أن الشائعة حول أزمة فى سلعة استراتيجية تخلق ندرة مصطنعة، والشائعة المتعلقة بالقطاع المصرفى أو سعر الصرف قد تدفع مدخرين إلى قرارات متسرعة تضر بمدخراتهم الشخصية قبل أن تضر بالاقتصاد الكلي.
وأشار صلاح الدين إلى أنه على المستوى المؤسسى تخلق الأخبار المضللة حالة من عدم اليقين تجعل مؤسسات التمويل الدولية والمستثمرين الأجانب أكثر تحفظا وهو ما يرفع كلفة الاقتراض والاستثمار على الدول النامية بشكل عام فى وقت تحتاج فيه هذه الدول إلى بيئة استقرار معلوماتى تدعم خططها التنموية وبرامج الإصلاح الاقتصادي.
وتابع صلاح الدين أن تآكل الثقة وتوسع الفجوة المعرفية لا يقف أثر الشائعة عند حدود الاقتصاد؛ فرواج التضليل المعلوماتى يغذى تدريجيا أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية، خصوصا حين تتأخر عملية التصحيح أو لا تصل إلى نفس الشريحة التى وصلتها الشائعة الأصلية بالسرعة والانتشار نفسيهما، كما تعمق هذه الظاهرة الفجوة المعرفية بين فئات المجتمع؛ إذ تصبح القدرة على غربلة المعلومة الصحيحة من المضللة رهينة بمستوى التعليم والوعى الرقمى ما يجعل الفئات الأقل حظا فى التعليم والدخل الأكثر عرضة للتضرر من قرارات مبنية على معلومات خاطئة، كما طالب خبير تكنولوجيا المعلومات بإطلاق مبادرات مستقلة مثل نشرات متخصصة فى محو الأمية الاقتصادية تستهدف مستخدمى مواقع التواصل والمدونين وطلاب الجامعات فى محاولة لسد هذه الفجوة عبر تعليم أدوات التحقق من المحتوى الاقتصادى المتداول، وهو ما يعكس إدراكا متزايدا لدى المجتمع المدنى والإعلامى لحجم التحدى.
أحمد شكرى، الباحث الإعلامى المتخصص فى التسويق الرقمى، أكد أنه فى ظل التحول الرقمى العالمى لم تعد الشائعة مجرد معلومة عابرة تتداول بين الأفراد، بل تحولت إلى صناعة منظمة تدار بمنطق اقتصادى بحت عبر المنصات الرقمية وإن ما نشهده اليوم هو انتقال كامل من الشائعة العفوية إلى بيزنس محترف يعتمد على تخطيط دقيق تمويل مستتر وشبكات توزيع محترفة، حيث أصبحت المعلومة الكاذبة سلعة رائجة تُباع وتُشترى وتُستثمر لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
وشرح «شكرى» آليات صناعة الشائعة تبدأ عادة بتحديد الجمهور المستهدف ونقاط ضعفه المعرفية أو العاطفية، ثم صياغة محتوى مزيف يتسم بالإثارة والبساطة والقابلية السريعة للمشاركة، ينتج هذا المحتوى فى ورش رقمية متخصصة غالبا ما تكون مرتبطة بحسابات مجهولة أو صفحات وهمية تدار من خارج الحدود أو عبر وسطاء محليين، وبعد الإطلاق الأولى تتحرك شبكات التضليل المنظمة التى تضم جيوشا إلكترونية وحسابات آلية بوتات ومؤثرين مدفوعى الأجر لتعظيم الانتشار خلال ساعات قليلة، مستغلة خوارزميات المنصات التى تفضل المحتوى المثير والمثير للجدل.
وأوضح أن الحسابات المجهولة توفر غطاء آمنا للمروجين بعيدا عن المساءلة القانونية أو الاجتماعية؛ هذه الحسابات تخلق بيئة من الفوضى المعلوماتية، وتنشر الشائعة فى موجات متتالية، ثم تعيد تدويرها بصياغات مختلفة لتبدو وكأنها قادمة من مصادر متعددة مستقلة، أما شبكات التضليل فتعمل كسلاسل توريد رقمية تنقل المعلومة الكاذبة من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة التضخيم ثم إلى مرحلة التثبيت فى الوعى العام، وسرعة الانتشار هى العنصر الحاسم؛ فكلما وصلت الشائعة إلى عدد أكبر من المستخدمين قبل أى تصحيح رسمى تحولت إلى حقيقة اجتماعية يصعب دحضها لاحقا.
ولفت إلى أن النتيجة المباشرة لهذه الآليات هى تحويل المعلومة الكاذبة إلى سلعة اقتصادية ذات قيمة سوقية؛ بعض الجهات تحقق أرباحا مباشرة من خلال زيادة التفاعل والمشاهدات والإعلانات، بينما تستخدم جهات أخرى الشائعة كأداة للتأثير على قرارات المستهلكين أو المستثمرين أو الناخبين، وهكذا لم تعد الشائعة مجرد ظاهرة اجتماعية سلبية، بل أصبحت جزءا من اقتصاد رقمى موازٍ يعتمد على استغلال الثقة العامة وتآكلها تدريجيا. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مطالب بتعميق الوعى المجتمعى وتحقيق التعاون المؤسسى ليشمل المنصات الرقمية والجهات التنظيمية والإعلام المهنى إلى جانب برامج مستمرة لرفع القدرات الرقمية للمواطنين؛ فالشائعة المنظمة لا تُهزم بالصمت أو بالرد المتأخر بل بالسرعة والدقة والشفافية فى تقديم المعلومة الصحيحة قبل أن تتحول الكذبة إلى سلعة رائجة يصعب سحبها من السوق.
ونوه بأن القرار الاستثمارى الرشيد يُبنى على معلومة موثقة وأفق زمنى واضح، لكن الشائعة تفعل العكس تمامًا تضغط على المستثمر الفردى لاتخاذ قرار فورى ومتسرع. فمثلا شائعة عن انهيار وشيك للجنيه، أو عن أزمة سيولة فى قطاع مصرفى، تدفع صغار المدخرين إلى سحب أموالهم أو تسييل استثماراتهم فى التوقيت الأسوأ، أو التوجه جماعيًا نحو أصول «ملاذ آمن» كالذهب أو العملة الأجنبية بأسعار مبالغ فيها. النتيجة أن قرار الاستثمار يتحول من عملية تحليل إلى ردّ فعل انفعالى جماعى، وهو ما يُعرف فى الأدبيات الاقتصادية بـ«سلوك القطيع»، وتغذيه الشائعة أكثر من أى عامل آخر لأنها تصل أسرع من التصحيح الرسمي.
موسم القبول الجامعى والتنسيق، تنتشر سنويًا شائعات حول تغييرات مزعومة فى نظام الامتحانات أو الحد الأدنى للقبول أو مصداقية شهادات بعينها. هذه الشائعات تدفع أسرًا بأكملها لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبل أبنائها التعليمى بناءً على معلومة غير موثقة، سواء بالعدول عن كلية كانوا يطمحون إليها، أو بدفع مبالغ إضافية لمؤسسات تعليمية خاصة «تحسبًا» لشائعة لم تتحقق أصلًا.
وتابع أن القاسم المشترك بين هذه المجالات الأربعة أن الشائعة لا تنجح بذاتها، بل تنجح لأنها تجد «فراغًا معرفيًا» تملؤه. حين لا يمتلك المواطن مصدرًا موثوقًا وسريعًا يقارن به المعلومة المتداولة، يصبح أمام خيارين فقط: تجاهل التحذير والمخاطرة، أو الانصياع له تحسبًا للأسوأ - وغالبًا ما يختار الخيار الثانى لأن كلفة «عدم التصديق» تبدو نفسيًا أعلى من كلفة «التصديق الزائد عن الحاجة». مؤكدًا أن هنا تكتمل الحلقة المفرغة: غياب المعرفة يدفع لتصديق الشائعة، وتصديق الشائعة يُنتج سلوكًا جماعيًا خاطئًا (تخزين، بيع أصول، عزوف عن علاج، قرار تعليمى متسرع)، وهذا السلوك الجماعى يُنتج أحيانًا الأزمة الفعلية التى حذّرت منها الشائعة، فتترسخ ثقة الناس فى مصادر التضليل لأن «توقعها تحقق»، بينما الحقيقة أن الشائعة هى التى صنعت الأزمة وليست مَن تنبأت بها.