تقدير الموقف السليم والحكمة فى اتخاذ القرار وانضباط الردع ثلاثية ذهبية تتميز بها الدولة المصرية عبر مسيرتها الطويلة، وعمرها الضارب فى جذور التاريخ، ومعالمها المحفورة فى تضاريس الجغرافيا، وبالخبرة المتراكمة والممارسة المتواصلة نجحت القاهرة فى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية رشيدة، تحمى ولا تعتدى، تصون ولا تغدر، وبالتعامل الاحترافى والكفاءة العالية أفسدت كل المخططات وجميع المؤامرات لتوريط الوطن مع سبق الإصرار والترصد فى صراعات مهلكة وحروب مدمرة، مع توافر كل الضمانات لحماية الأمن القومى المصرى على الجبهات كافة والاتجاهات جمعاء، فهو خط أحمر من يتجاوزه فى أى زمان أو مكان يدفع الثمن عاجلاً أم آجلاً، وعلى الباغى تدور الدوائر.
وفى الجمهورية الجديدة أصبح الاتزان الاستراتيجى قاعدة وطنية صلبة ليس فى قضايا السياسة الخارجية فقط، وما يتعلق بها من تحركات الدبلوماسية المصرية فى دوائر علاقاتها المتتابعة بداية من الدائرة العربية ثم الإفريقية وحتى مختلف القوى العالمية، فى ظل انفتاح القاهرة على جميع التكتلات والتحالفات الدولية، فالندية فى التعامل حاضرة، والمساواة فى الالتزامات متوفرة، فلا قبول لسيطرة من دولة، ولا خضوع لتحالف، والقرار المصرى مستقل، ولا يشغل القيادة السياسية ممثلة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى إلا دعم مسارات السلم والأمن والتنمية على المستويين الإقليمى والعالمى، ومع اشتعال إقليم الشرق الأوسط بالنزاعات الهدامة، والدخول فى دوامة من الخلافات الداخلية القاتلة ثم الوقوع فى فخ الحروب التخريبية نتيجة للممارسات الإسرائيلية الخاطئة، ازداد تمسك الدبلوماسية المصرية بالنهج المتوازن والمسئول تأكيدًا على دورها المحورى ومكانتها الثابتة كركيزة أساسية للاستقرار فى محيطها الإقليمى والدولى.
ولم تحد القاهرة قيد أنملة عن هذه الرؤية الواضحة والقناعة المتأصلة رغم المتغيرات الإقليمية المتسارعة والأحداث الدولية المتلاحقة، بل تحصنت الجمهورية الجديدة بعزيمتها الصلبة فى فرض ثوابتها التاريخية، وتمكين سياستها الخارجية المتوازنة بلا شعارات رنانة أو افتعال المواقف، وهو ما أدركته كل العواصم شرقًا وغربًا، وفهمته مختلف المنظمات الأممية والدولية، وعلم الكافة أن أقصر الطرق للتعامل مع مصر هو الوضوح والشفافية مع توقير مبادئها فى صون مصالحها الوطنية، وتقدير رفضها للاستقطاب، والتعاطى مع جهودها لتعزيز الاستقرار الإقليمى، والتفاعل مع سياستها المتوازنة مع شتى الشركاء الإقليميين والدوليين على أسس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة وعدم التدخل فى شئون الآخرين.
ولا ينكر أحد أن الجمهورية الجديدة أثبتت بلغة الأفعال، وتعدد المواقف، وتتابع الوقائع أنها على العهد فى الحفاظ على ثوابتها، وتعض عليها بالنواجذ مهما كانت الشدائد، فعلى المستوى الداخلى، قررت بناء دولة قوية تمتلك القدرة الشاملة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وهو ما ترجم فى ملحمة التنمية بطول وعرض الوطن ضمن منظومة متكاملة للمشروعات القومية، مع توطين الصناعات ومواجهة التحديات الاقتصادية، وفى ذات الوقت تنبهت الدولة إلى خطورة المحاولات الخبيثة لاستهداف وحدة المصريين من جانب أهل الشر وحلفائهم فى الداخل والخارج، فتتابعت مبادرات الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ورفع الوعى الوطنى.
أما على المستوى الخارجى فأعلنت مصر فى العلن وعلى رؤوس الأشهاد ـ رغم علمها بأن هذه السياسة الرشيدة ستقلب ضدها الحاقدين وأصحاب المصلحة ـ أن ثوابتها الخارجية هى احترام سيادة الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية وخاصة الأشقاء العرب، مع إعادة التأكيد مرارًا وتكرارًا أن القضية الفلسطينية قضية القضايا العربية ولا سلام دائم ولا استقرار مستمر إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وضرورة دعم دولة المؤسسات فى كل البلدان، ومساندة الجيوش الوطنية لمقاومة الفوضى وقطع الطريق على الميليشيات المسلحة، لأن حصر السلاح بيد الدولة هو الضمانة الرئيسية لإنقاذ أى بلد من السير فى طريق اللاعودة والسقوط فى منزلق الحرب الأهلية، فضلاً عن منع إعطاء الذرائع للدول الأخرى للاعتداء على سيادته وتدمير مقدرات شعبه، بينما فى النزاعات الإقليمية أكدت مصر بكل صراحة أن الحل الناجز هو رفض اللجوء إلى القوة العسكرية وإعطاء الأولوية بلا قيد أو شرط للحلول السلمية والجلوس معًا على مائدة المفاوضات، لأن أى حرب أو صراع يمكن تحديد ساعة الصفر له، ثم لا يمكن لأى طرف أن يتنبأ بنهايته، والحرب الإيرانية مثال حى، فقد أقنع مجرم الحرب نتنياهو بالحيلة الرئيس الأمريكى ترامب بأن مدتها مجرد أيام، لكنها دخلت شهرها السادس، ولا تزال كل السيناريوهات مفتوحة.
والأمر المؤكد أن مخزون الصبر الاستراتيجى يحكم قرار القاهرة، وحكمة القوة المتوافرة لن تجعل أى طرف مهما تآمر بليل، ودبر بترصد أن يستفز أعصاب الدولة المصرية للتنازل عن ثوابتها، أو يخرجها عن طريقها فى مسيرة التنمية الشاملة، أو يورطها فى صراع مهلك، كل دولة انزلقت قدمها فيه لا تعرف طريقًا للعودة منه، وكل يوم تزداد ساحة الحرب أكثر، وتتضاعف الخسائر أكثر بشريًا وعسكريًا واقتصاديًا، ولم تعد التداعيات الكارثية مقتصرة على ثلاثى الصراع أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل تطايرت شرر اللهب شرقًا وغربًا، وكل السيناريوهات مفتوحة خصوصًا مع غطرسة الإدارة الأمريكية التى ما زالت مخدوعة بأكاذيب حكومة دولة الاحتلال التى تمنى ترامب وحاشيته بالنصر الزائف، وكذلك جمود صناع القرار غير المعلومين من الإيرانيين وأذرعهم المتعددة، فرغم الشلل الاقتصادى، والدمار العسكرى، والخسائر المدنية فى عموم إيران ثم فى مناطق نفوذ جماعة الحوثى باليمن وشيعة العراق وحزب الله بجنوب لبنان وقبلهم غزة، نتيجة للحسابات الخاطئة والمواقف غير الصحيحة، ما زال الحرس الثورى وأخواته من الميليشيات المسلحة يتشدقون بتحقيق الانتصارات ويتوعدون بمواصلة الحرب التى لا تبقى ولا تذر، وكله موثق بالأرقام ومسجل بالصوت والصورة، ولكنها الحماقة التى أعيت من يداويها.
وأزمة هؤلاء المتآمرين على الأمن القومى المصرى أنهم جاهلون، لم يقرأوا التاريخ المصرى جيدًا، وقد أعماهم حقدهم على أن مصر واحة الأمن والأمان فى إقليم مضطرب، ودفعهم غيظهم المشتعل فى قلوبهم إلى القيام بتوجيه مُسيَّرة جبانة إلى ميناء دمياط لتفجير سفينتى الغاز الطبيعى الأمريكيتين من أجل جر القاهرة إلى حلبة الصراع لتصبح مثل غيرها فى هم الحرب سواء، تعانى ويلاتها وتدفع فاتورتها من مقدرات مواطنيها، وفى ذات الوقت تتخلى عن مبادئها الحاسمة وثوابتها الراسخة، فلا تواصل الدعم والمساندة لمؤسسات الدولة الوطنية فى البلدان الشقيقة والصديقة، وتنشغل عن مواجهة وفضح الميليشيات المسلحة التى تعمل لصالح قوى خارجية، وتنصاع لأوامرها وتنفذ مكائدها، حتى يستمر الدعم بالمال، والسلاح الذى يتم رفعه فى وجه قيادات دولتها بجرأة، ومن فترة لأخرى تقحم بلادها فى أزمات لا قبل لها بها، وللأسف غرور الزعامة وتسلط الهيمنة والرغبة فى الاستحواذ على مقاليد الأمور جعل خيالها المريض يزين لها السير فى سكة الندامة، وتستمرئ الغدر والخسة، وبالطبع دولة الاحتلال لن تكل ولن تمل من صناعة المؤامرات ضد مصر، لأنها أفشلت مخطط التهجير، ومنعت تصفية القضية الفلسطينية، وتواصل جهود إتمام اتفاق غزة لبدء المرحلة الثانية لإعادة إعمار القطاع المنكوب، ونهج القاهرة فى مساعدة الدولة الوطنية ونشر السلام، سياسة متينة لن تتغير ولن تتبدل. وفى كل الأحوال لن يستطيع أى طرف مهما خطط ودبر أن يفرض تدبيره الخبيث علينا، أو يوقعنا بدسائسه الملتوية فى حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فنحن خبرنا الحروب ونعلم أضرارها، لكن فى نفس الوقت الرد المصرى على هذه الجريمة سيكون وفقًا لحسابات الاتزان فى الردع، وفى التوقيت والمكان الذى تحدده الجهات المعنية وفقًا للتكليفات الرئاسية، وقد ثبت بالدليل القاطع فى عدة مواقف أن الجمهورية الجديدة لم تترك حقها، ولم تهادن فى حماية الأمن القومى مهما بعدت المسافات أو كثرت المهددات على كل الجبهات، مع العلم أن هذه الحادثة كشفت معالم مؤامرة «التشويه والتوريط» التى حاول فيها أصحاب الغرض ـ والغرض مرض ـ النيل من استقرار مصر، والدفع بها إلى الانخراط فى الحرب، لكن أيضًا أوضحت تلك الأزمة أن لدينا رجالاً أشداء، وفنيين مؤهلين للتعامل مع كل الطوارئ، فقد نجح أبطالنا فى الميناء فى ملحمة الإنقاذ، ومنعوا بأجسادهم تكرار سيناريو مرفأ بيروت فى 2020.
ولأن التذكرة تنفع المؤمنين، أعيد التأكيد على ضرورة التزام الاصطفاف الوطنى، والوقوف صفًا واحدًا يشد بعضه بعضًا فى ظهر القيادة السياسية وجيشنا العظيم، والتحسب الشعبى لمحاولات أهل الشر وحلفائهم عبر السوشيال ميديا واللجان الإلكترونية التى تستهدف وقف مسيرة التنمية الشاملة، وتسعى لتعطيل المبادئ المصرية الراسخة، وهم واهمون وفى غيهم يعمهون.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء