«التزام تاريخى بالدعم والمساندة والدفاع».. من هنا يمكن المضى قدمًا للحديث عن المحددات والمرتكزات التى لطالما تعاملت بها مصر فيما يتعلق بإدارتها ودورها التاريخى فى القضية الفلسطينية. فالقيادة السياسية المصرية، التى تدرك تمام الإدراك أن «فلسطين قضية مصر الأولى»، لم تحاول يومًا استخدامها «ورقة ضغط» للحصول على مكسب هنا أو مواءمة موقف هناك، بل على العكس تمامًا، والتاريخ يشهد، دائمًا تتحمل القاهرة فاتورة ثقيلة لـ«دعمها حق الشعب الفلسطينى»، وتمسكها الأبدى بـ«إقامة دولة فلسطينية مستقلة». وقد وصلت الأمور، فى بعض الأحيان، إلى مواجهتها مؤامرات سياسية ودبلوماسية واقتصادية أيضًا، لا لشيء إلا لـ«إبعادها عن فلسطين» ودفعها إلى إزاحة «القضية» عن قمة أولوياتها.
«الحل فى القاهرة».. العبارة السابقة ليست نوعًا من المباهاة أو الرغبة فى الظهور، لكنها واقع أقرته مصر على مدار سنوات طويلة فى إدارتها ووساطتها وتفاوضها فى كل صغيرة وكبيرة تخص القضية الفلسطينية. ولعل آخر هذه الوساطات ما تشهده القاهرة حاليًا من اجتماعات مكثفة للانتقال إلى المرحلة الثانية من «اتفاق سلام غزة»، وهى المرحلة التى حاول الكيان المحتل مرارًا وتكرارًا تدمير أى طريق للوصول إليها، سواء بـ«القوة العسكرية» أو بالمؤامرات الخفية ومحاولة «دق إسفين» بين الوسطاء: مصر وقطر وتركيا، والاستقواء بواشنطن على أمل العودة مجددًا إلى مربع «التدمير والتخريب» الذى عانى منه - ولا يزال - القطاع المنكوب كثيرًا.
اليوم.. وبعد مرور ما يزيد على عامين على بدء العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، استطاعت الجهود المصرية، بدعم من بقية الوسطاء، الوصول إلى «نقطة مضيئة» فى طريق القضية الفلسطينية المظلم، بعدما أعلنت حركة حماس، فى بيان صادر عنها وعن الفصائل الفلسطينية، التعامل بمسؤولية مع مقترحات الوسطاء لاستكمال المرحلة الثانية، بناءً على توافق وطنى يحمى حقوق الشعب ويلبى احتياجاته.
وأكدت «حماس»، فى بيانها، الذى جاء على خلفية اجتماعات عدة احتضنتها - كعادتها - مصر، أنها «تعاملت، والفصائل الفلسطينية، بمسؤولية وإيجابية مع العملية التفاوضية ومقترحات الوسطاء لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وبتوافق وطنى بين الفصائل الفلسطينية، تجلت فيه روح الشراكة والمسؤولية، انطلاقًا من حرصنا على حماية شعبنا، وتلبية احتياجاته الإنسانية، وصون حقوقه الوطنية».
كما شددت «حماس» على أن «التزام الاحتلال بوقف القتل وإنهاء اعتداءاته هو المدخل الأساس، والخطوة الأولى للمضى فى التنفيذ، والشروع فى وضع الإطار والجدول الزمنى لما تم التوافق عليه»، مع التأكيد على أن تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق مرهون بالتزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود المرحلة الأولى.
إعلان «حماس» وبقية الحركات الفلسطينية موافقتها على العبور إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام، دفع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الخروج والتعليق على مجريات ما آلت إليه الأمور، كاشفًا عن إعجابه بالدور المصرى فيما يتعلق بـ«إدارة المفاوضات»، ومقدمًا الشكر للسلطات المصرية على جهودها فى إتمام الاتفاق ووضع خريطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، واصفًا الاتفاق بأنه «تاريخى، وخطوة كبيرة نحو تحقيق سلام وأمن دائمين».
كما أكد الرئيس الأمريكى أن «الاتفاق يمثل خطوة حاسمة نحو إدارة قطاع غزة بواسطة حكومة فلسطينية جديدة تعمل بالتعاون مع مجلس السلام، بما يضمن خدمة الشعب الفلسطينى وعدم استخدام القطاع مجددًا منطلقًا لأى هجمات».
مراجعة ما ذكره «ترامب» فى تعليقه على «موافقة حماس» تكشف أن ما يتحدث عنه الرئيس الأمريكى اليوم هو ذاته ما حاربت «القاهرة» من أجله طوال الأشهر الماضية، متحملة «السخافات الإسرائيلية» والتجاوزات التى حاولت من خلالها حكومة تل أبيب عرقلة الوصول إلى اتفاق ينهى حالة العدوان الممنهج على القطاع.