رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الثانوية العامة فى اليابان.. لا يوجد باب واحد للمستقبل


2-8-2026 | 16:32

.

طباعة
تقرير: إيمان السعيد

«يا تدخل من الباب ده يا مستقبلك انتهى».. ربما تكون هذه العبارة هى أكثر ما يلخص قلق طلاب الثانوية العامة؛ فامتحان واحد قد يحدد الكلية التى سيدرس بها الطالب وربما شكل حياته بأكملها. لكن يبدو أن اليابان طرحت منذ أكثر من 140 عاما سؤالا مختلفا تماما: ماذا لو لم يكن هناك طريق واحد يناسب جميع الطلاب؟ 

منذ عدة أيام، خلال حديثى مع البروفيسور أتسوشى تسوكوى، الأستاذ المشارك بمركز تطوير التعليم ودعم التعلم فى جامعة ريتسوميكان آسيا والمحيط الهادئ (APU)، والمتخصص فى التربية ودراسات المناطق والأنثروبولوجيا الثقافية والفلكلور، أخبرنى أن اليابان كانت تطبق أشكالا من التعليم عن بعد قبل ظهور الإنترنت بأكثر من قرن. فى البداية ظننت أنه يقصد التعليم الإلكترونى الذى انتشر عالميا خلال السنوات الأخيرة، لكن بعد ساعات من البحث اكتشفت أن اليابان بدأت بالفعل تجارب التعليم بالمراسلة منذ عام 1885.

بدأت فكرة التعليم بالمراسلة فى اليابان خلال عصر «الميجي»، وهى الفترة التى شهدت تحول اليابان من دولة شبه معزولة إلى واحدة من أسرع الدول تحديثا فى العالم، وكانت الحكومة اليابانية آنذاك تسعى إلى نشر التعليم خارج المدن الكبرى وعدم قصره على سكان العاصمة طوكيو.

فى ذلك الوقت، لم يكن الانتقال بين المدن بالسهولة التى نعرفها اليوم، لذلك لجأت بعض المؤسسات التعليمية إلى إرسال الكتب والمناهج الدراسية والواجبات للطلاب عبر البريد، كان الطالب يدرس من منزله، ويكتب إجاباته على الأسئلة والواجبات المطلوبة، ثم يعيد إرسالها إلى المعلمين الذين يقومون بتصحيحها وإرسال الملاحظات مرة أخرى. ومع تطور التكنولوجيا، لم يتوقف النظام عند البريد التقليدى، بل انتقل إلى استخدام البرامج التعليمية عبر الإذاعة ثم التليفزيون وأشرطة الفيديو التعليمية، وصولا إلى منصات التعليم الإلكترونى الحديثة التى تستخدمها المدارس والجامعات اليابانية اليوم.

اعترفت الحكومة اليابانية رسميا بنظام التعليم الثانوى بالمراسلة عام 1961، ليصبح أحد المسارات التعليمية المعتمدة إلى جانب المدارس الثانوية التقليدية، وعلى عكس ما قد يعتقده البعض، فإن هذا النوع من المدارس لا يشبه فكرة «التعليم المنزلي» بالشكل المعروف فى بعض الدول؛ فالطالب لا يحصل على شهادة مختلفة أو أقل قيمة، بل يدرس المنهج الدراسى المعتمد نفسه، ويخضع للتقييمات المطلوبة، ويحصل فى النهاية على شهادة ثانوية رسمية تؤهله للتقديم إلى الجامعات اليابانية.

يعتمد النظام على دراسة الجزء الأكبر من المواد الدراسية من المنزل، إلى جانب حضور أيام محددة داخل المدرسة تعرف باسم Schooling Days، وهى أيام مخصصة للمحاضرات العملية والاختبارات والأنشطة التعليمية المختلفة. وتشير الإحصاءات الحديثة إلى أن عدد الطلاب الملتحقين بالثانويات بنظام التعليم بالمراسلة تجاوز 290 ألف طالب وطالبة خلال السنوات الأخيرة، أى ما يقرب من 8 إلى 9 فى المائة من إجمالى طلاب المرحلة الثانوية فى اليابان. والأهم من ذلك أن هذه النسبة تشهد ارتفاعًا مستمرًا عامًا بعد عام.

أكثر ما أثار انتباهى فى النظام التعليمى اليابانى أن الثانوية العامة لا تعتبر «اللحظة المصيرية الوحيدة» فى حياة الطالب؛ فشهادة الثانوية العامة نفسها فى اليابان لا تمنح الطالب مقعدًا جامعيًا بشكل تلقائى، لكنها تؤهله فقط للتقديم إلى الجامعة. والمرحلة الحقيقية للمنافسة تبدأ بعد ذلك.

معظم الجامعات اليابانية لديها امتحانات قبول خاصة بها تختلف من جامعة إلى أخرى، وبعضها يطلب اختبارات تحريرية فى مواد معينة، بينما تشترط جامعات أخرى إجراء مقابلات شخصية مع الطلاب أو كتابة مقالات تعبر عن دوافعهم للدراسة وأهدافهم المستقبلية. وهناك جامعات تهتم أيضا بالأنشطة التى شارك فيها الطالب خلال سنوات دراسته، وليس فقط بدرجاته الأكاديمية.

والأمر لا يتوقف عند ذلك؛ فالقبول الجامعى فى اليابان لا يسير فى طريق واحد؛ فهناك نظام القبول العام الذى يعتمد على نتائج الامتحانات، وهناك نظام التوصيات المدرسية الذى ترشح فيه المدرسة بعض الطلاب للجامعات بناء على مستواهم الدراسى وشخصياتهم، بالإضافة إلى نظام القبول الشامل أو ما يُعرف حاليا باسم Comprehensive Selection (وكان يُعرف سابقا بـ AO Admission)، والذى يركز بصورة أكبر على شخصية الطالب وقدراته ومهاراته ودوافعه للدراسة.

ومع ذلك، فإنّ هذا التعدد فى المسارات ليس مجرد رفاهية تعليمية، بل هو ضرورة حتمية فرضتها تحديات اجتماعية ونفسية عميقة داخل المجتمع الياباني. وتأتى على رأس هذه التحديات مشكلة «الإيجيمي» (Ijime) أو التنمر المدرسى، والذى يتخذ فى اليابان شكلاً نفسيًا قاسيًا يُعرف بـ«العقوبة الصامتة»، حيث يقرر الفصل بالكامل مقاطعة طالب ما وجعله «غير مرئي». هذه الضغوط أدت إلى بروز ظاهرة «الفوتوكو» (Futoko)، وهو مصطلح يطلق على الطلاب الممتنعين تماما عن الذهاب إلى المدرسة لأسباب نفسية، ووفقا لأحدث الإحصاءات الحكومية، فقد تجاوز عدد هؤلاء الطلاب 340 ألف طالب وطالبة فى المرحلتين الابتدائية والإعدادية وحدهما، وهو ما يمثل نحو 3 إلى 4 فى المائة من إجمالى الطلاب فى هاتين المرحلتين.

ولعلّ هذا أكثر ما أثار اهتمامى خلال البحث فى النظام التعليمى هنا فى اليابان، ورغم أن المجتمع اليابانى يشتهر بتقديسه للانضباط والقواعد، فإنه هو نفسه المجتمع الذى يوفر أكثر من طريق للوصول إلى الهدف ذاته؛ فنجاح الطالب هنا لا يرتبط دائمًا بقدرته على السير فى الطريق التقليدى، بل بقدرته على الاستمرار فى التعلم أيا كان المسار الذى اختاره. وربما لهذا السبب، يبدو أن السؤال الذى تحاول اليابان الإجابة عنه منذ أكثر من 140 عاما ليس: «كيف نجعل جميع الطلاب يناسبون النظام؟»، بل «كيف نجعل النظام قادرا على احتواء جميع الطلاب؟

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة