«دعم استقرار الاقتصاد المصرى، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، ودعم المالية العامة».. ما سبق يمكن أن يلخص جزءًا من أهداف برنامج الدعم المالى الكلى المقدم من المفوضية الأوروبية للدولة المصرية، والدعم يمثل 5 مليارات يورو، وتم تحويل الشريحة الأولى فى 2024، والشريحة الثانية فى 2026 لتتبقى الدفعة الأخيرة من البرنامج والتى تُقدر بـ1.5 مليار يورو، والتى يتوقف تحويلها على استيفاء الشروط المتفق عليها بين البرنامج والدولة المصرية.
وفى هذا السياق، قال الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، الخبير الاقتصادى بمركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى، إن «المفوضية الأوروبية قامت بتحويل القسط الثانى من الشريحة الثانية بقيمة 1.5 مليار يورو لمصر، ضمن برنامج الدعم المالى الكلى (Macro-Financial Assistance) البالغ 5 مليارات يورو والمخصص لدعم الاقتصاد المصرى، وبعد تحويل هذه الدفعة تكون مصر حصلت على 3.5 مليار يورو من إجمالى 5 مليارات يورو، منها الشريحة الأولى التى بلغت مليار يورو وتم تحويلها فى 2024، والقسط الأول من الشريحة الثانية والتى بلغت مليار يورو تم تحويلها فى يناير 2026، يليها القسط الثانى من الشريحة الثانية والتى بلغت 1.5 مليار يورو وتم تحويلها فى يوليو 2026، وبذلك يتبقى 1.5 مليار يورو تمثل الدفعة الأخيرة من البرنامج، والمتوقع أن يتم صرفها بعد استيفاء الشروط المتفق عليها».
«رضوان»، أوضح أن «الاتحاد الأوروبى ربط صرف كل دفعة بتنفيذ إصلاحات متعددة تشمل تحسين المالية العامة، وتعزيز بيئة الاستثمار، وتطوير الحماية الاجتماعية، وزيادة تنافسية الاقتصاد، وذلك بالتنسيق مع برنامج الإصلاح الاقتصادى وصندوق النقد الدولى، وبالفعل نجحت الدولة المصرية فى تنفيذ كافة الشروط فى أقساط الشريحتين الأولى والثانية، وتتبقى الدفعة الأخيرة»، لافتًا إلى أن «برنامج الدعم المالى الكلى من المفوضية الأوروبية يهدف إلى دعم استقرار الاقتصاد المصرى، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، ودعم المالية العامة، بما يسهم فى تحقيق نمو اقتصادى أكثر استدامة».
أستاذ المالية العامة، أكد أن «الاتحاد الأوروبى يسعى لدعم الاقتصاد المصرى عبر برنامج الدعم المالى الكلى بـ5 مليارات يورو، لأن مصر تمثل شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الأوروبى، فى العديد من ملفات التجارة، والطاقة، والهجرة، وأمن البحر المتوسط، والاستقرار الإقليمى، كما أن استقرار الاقتصاد المصرى ينعكس بصورة مباشرة على المصالح الأوروبية».
وعن برنامج الدعم المالى الكلى، قال «د. مصطفى»: هى قروض ميسرة طويلة الأجل يقدمها الاتحاد الأوروبى بفائدة منخفضة مقارنة بالاقتراض من الأسواق الدولية، وليست منحًا مجانية. وترتبط بتنفيذ إصلاحات اقتصادية وهيكلية محددة، وهذا البرنامج سينعكس على زيادة احتياطى النقد الأجنبى، وتوفير سيولة دولارية لتلبية احتياجات الاقتصاد، وهو ما يدعم استقرار سوق الصرف، وفى الوقت ذاته يحسن من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وتعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
لكن فى المقابل سيتبع هذا البرنامج عدد من التحديات، أو حسبما أوضح «رضوان»، القرض سيفرض عددا من التحديات على الاقتصاد المصرى منها ارتفاع الدين الخارجى وتكلفة خدمته، وهو ما يتطلب زيادة الصادرات والإنتاج الصناعى والزراعى، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة بصورة أكبر.
«رضوان»، أشار إلى أنه «ليس بالضرورة أن يؤدى تحويل القسط الثانى من الشريحة الثانية للبرنامج التى تُقدر بـ1.5 مليار يورو إلى انخفاض سعر الدولار، لكنه بالتأكيد سيسهم فى تقوية مركز النقد الأجنبى وتقليل الضغوط على سوق الصرف، وهو ما يدعم استقرار سعر الجنيه، خاصة إذا تزامن مع زيادة الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج»، مؤكدًا أن «تحويل هذا القسط سينعكس بشكل غير مباشر على المواطن، فهو لن يحصل على منفعة نقدية مباشرة، لكن سيمثل التأثير غير المباشر عليه عبر تعزيز استقرار الأسعار وسوق الصرف، وزيادة قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها، تحسين مناخ الاستثمار وخلق فرص عمل، وتقليل تكلفة الاقتراض الخارجى مستقبلًا إذا استمرت الإصلاحات».
ولفت «د. مصطفى»، إلى أن «أهمية هذه الدفعة لا تكمن فقط فى قيمتها المالية، وإنما فى الرسالة الاقتصادية التى تحملها، وهى استمرار ثقة الاتحاد الأوروبى فى الاقتصاد المصرى وفى مسار الإصلاح الاقتصادى، لكن فى المقابل ينبغى النظر إلى هذه التمويلات باعتبارها وسيلة مؤقتة للدعم وليست غاية فى حد ذاتها، فالضمان الحقيقى لاستدامة الاستقرار الاقتصادى يتمثل فى زيادة الإنتاج، وتعظيم الصادرات، وجذب الاستثمار الأجنبى المباشر، ورفع مساهمة القطاع الخاص فى النمو الاقتصادى، بما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على التمويل الخارجي».
وتابع: الاقتصاد المصرى لا يحتاج فقط إلى تمويل خارجى، بل يحتاج إلى تحول اقتصادى يقوده الإنتاج والتصدير؛ فكل مليار يورو يدخل الاحتياطى يمنح الاقتصاد قوة على المدى القصير، لكن كل مليار دولار من الصادرات الجديدة يمنحه قوة دائمة ومستدامة، ونجاح الحكومة فى استثمار هذه الموارد فى دعم النشاط الإنتاجى وتحسين بيئة الاستثمار سيكون العامل الحاسم فى تحويل هذه التمويلات إلى نمو اقتصادى حقيقى يشعر به المواطن.
بدوره، قال الدكتور أحمد شوقى، الخبير المصرفى: جميع الدول بوجه عام تحتاج للتمويل سواء كان خارجيا كالقروض المباشرة أو داخليا كقروض من المؤسسات الداخلية، وبالتالى فمنح برنامج الدعم المالى الكلى من الاتحاد أوروبى أمر طبيعى فى تمويل الدول، وفى العادة يبقى توجه التمويلات لمشروعات بنية تحتية أو مشروعات إنتاجية أو التوسع فى مشروعات، وإذا كان تمويلاً لمشروع بنية تحتية لن يشعر به المواطن إلا على المدى الطويل؛ فتأسيس البنية التحتية يتبعها ضخّ رؤوس الأموال فى المشروعات الاستثمارية، أما التوسع فى مشروعات أو الدخول فى مشروعات بشكل مباشر فسيبدأ بعدها ضخّ سلع فى السوق بشكل مباشر، وبالتالى يشعر به المواطن لما تتوافر هذه السلع فى الأسواق من خلال انخفاض معدلات التضخم.
«د. أحمد»، أضاف: التمويلات، ومنها برنامج الدعم المالى الكلى من المفوضية الأوروبية، تأتى لإعادة هيكلة لأجل الدين، فيمكن أن يكون لدىّ استحقاقات للأجل القصير، فالاقتراض بأجل أطول يساعدنى فى تحسين هيكلة الدين من أجل تقليل من أعباء خدمة الدين وتحديدًا من أقساط الأجل القصير، فهو يقلل من عبء سداد الديون، دون أن يؤثر على الخدمات الأخرى كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، فيمكننى أن أستغل هذا الحيز المالى فى صرف بنود أخرى، مثل دعم الأغذية والسلع ودعم برامج الحماية الاجتماعية وغيرها من البنود.
وأشار إلى أن «التمويلات التى تم الحصول عليها مهمة فى ظل حجم كبير من التحديات الحالية، فلديك أعباء سداد ديون، وصراعات جيوسياسية بأشكال مختلفة، بما يمثل إهلاكًا للموازنة والاقتصاد المصرى؛ فالأزمة تؤثر على إيرادات قناة السويس ومع استمرار الصراع سيزداد أسعار البترول، وهو ما ينعكس فى النقل والأسعار بجانب أعباء الدين، وبالتالى التمويلات التى تأخذها الدولة فى هذا التوقيتات والتأجيلات التى تحصل عليها والشرائح المختلفة التى يتم تحويلها تساعد فى تحسين هيكلة إدارة الدين وتقسيم هياكل الاستحقاقات من أجل تقليل أعباء التى تواجهها وخاصة فى ظل توقيت الصراعات المشتعلة فى المنطقة، وشرائح التمويل تساعد فى تحسين هيكل سداد استحقاقات سداد الدين بمعنى التقليل من سداد الأصول فى الوقت الحالى».
كما لفت إلى أن «موافقة الاتحاد الأوروبى لمنح برنامج الدعم المالى الكلى هى فى حد ذاتها شهادة ثقة فى الاقتصاد المصرى وأنه قادر على السداد؛ فالتعامل مع المؤسسات الدولية التى توافق على إقراضك هو فى الأساس شهادة ثقة؛ فهو يعزز من موقفك الاقتصادى على مستوى العالم، وأى مؤسسة تمويلية سواء مفوضية أوروبية أو بنكا دوليا له شروط فى حالة منح جهة أخرى تمويلات، هذه الشروط منها أن الجهة التى تم منحها التمويل قادرة على السداد بعد دراسة الوضع المالى، فهى ليست شروطا صعبة، وإنما هى شروط الوضع المالى لقدرة على سداد التمويل بعد الاقتراض».