عاش طوال رحلته مؤمنا بأن العمل فى مجال الآثار ليس نزهة مترفة بل عمل شاق مضنٍ، تولى مسئولية المجلس الأعلى للآثار خلال أحلك فتراته فى أعقاب ثورة يناير 2011، بعدما فقد كل أرصدته فى البنوك وودائعه التى فاقت المليار ونصف المليار جنيه. وتحول من الجهة الأكثر ثراء فى مصر إلى جهة تحمل عبء ديون ثقيلة بفوائدها المتصاعدة والتى بلغت أكثر من مليار جنيه، وقتها أجريت معه حوارا صحفيا لم تنقصه الصراحة. وفيه كشف عن أن المجلس الأعلى للآثار فقد 80 فى المائة من دخله الشهرى بعد توقف حركة السياحة الأجنبية، وبالرغم من ذلك، لم يفقد الدكتور «عبد المقصود» الأمل واستمر فى دفاعه المستميت؛ كى يستعيد المجلس عافيته بعد أن عصفت أزمته الطاحنة بكل مشروعات الترميم والتطوير وبناء المتاحف. حمل الإرث الثقيل ولم يتخلف عن أداء دوره كحارس أمين لآثار مصر عامة وآثار شبه جزيرة سيناء بصفة خاصة.
ارتبط اسم الدكتور محمد عبد المقصود ارتباطًا وثيقًا بسيناء، تلك الأرض التى كانت عبر آلاف السنين بوابة مصر الشرقية، وخط الدفاع الأول عن حضارتها. أدرك مبكرًا أن سيناء ليست مجرد موقع جغرافي، وإنما متحف مفتوح يختزن شواهد الحضارات المصرية المتعاقبة، من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بعصور الدولة المصرية القديمة مرورا بمختلف العصور اليونانى والروماني، والقبطى والإسلامي.
كرّس سنوات طويلة للعمل بين مواقعها الأثرية، مشاركًا فى الحفائر، ومشرفًا على مشروعات الإنقاذ والتوثيق، ومدافعًا عن مواقعها فى أصعب الظروف، خاصة خلال الفترات التى تعرضت فيها المنطقة لاضطرابات واعتداءات استهدفت تراثها وآثارها، وكان يؤكد دائمًا أن حماية آثار سيناء لا تقل أهمية عن حماية حدودها، وأن التاريخ والسيادة وجهان لحقيقة واحدة.
ولم تتوقف جهوده عند حدود الكشف الأثري، بل امتدت إلى معركة أخرى لا تقل أهمية، هى استرداد آثار سيناء التى خرجت بسبب سنوات الاحتلال الإسرائيلي، فقد أسهم فى توثيق العديد من القطع الأثرية، وجمع الأدلة والسجلات العلمية التى تثبت هويتها المصرية، وشارك فى استعادة آلاف القطع منها إلى أرض الوطن.
كان يدرك أن استرداد قطعة أثرية لا يعنى مجرد عودتها إلى أحد المتاحف، بل يعنى استعادة جزء من الذاكرة الوطنية، وإثبات حق مصر فى تاريخها. لذلك اعتبر أن معركة استرداد الآثار امتداد طبيعى لمعركة الحفاظ عليها، وأن الوثيقة العلمية لا تقل أهمية عن أعمال الحفر والتنقيب، لأنها السلاح الذى تنتصر به الحقيقة أمام العالم.
وعلى مدار مسيرته، لم يكن الدكتور محمد عبد المقصود باحثًا ميدانيًا فحسب، بل كان صاحب رؤية علمية بعيدة المدى. وربما كان حلمه الأكبر الذى لازمه سنوات طويلة هو إصدار موسوعة علمية شاملة توثق مائة وخمسين عامًا من أعمال التنقيب والكشف الأثرى فى شبه جزيرة سيناء. وهو المشروع الذى ظل يعمل على تنفيذه سنوات طويلة. وينظر إليه على اعتبار أنه أكبر من كتاب. كان يراه مشروعًا وطنيًا لحفظ الذاكرة العلمية لسيناء. أراد أن يجمع بين دفتيه تاريخ البعثات الأثرية المصرية والأجنبية، وأعمال الحفائر، والاكتشافات الكبرى، ووثائق المواقع، وتقارير التنقيب التى ظلت لعقود طويلة متناثرة بين الأرشيفات والدوريات العلمية، حتى تصبح مرجعًا موثقًا للأجيال الجديدة من الباحثين.
كان يؤمن بأن توثيق المعرفة هو الوجه الآخر لحماية الآثار، وأن الأمم التى لا توثق تاريخ اكتشافاتها تترك جزءًا من ذاكرتها عرضة للنسيان. لذلك بذل جهدًا استثنائيًا فى جمع المادة العلمية للموسوعة ومراجعتها وإعدادها للنشر، وظل يحلم بأن يرى هذا العمل الكبير مطبوعًا بين يدى الباحثين والمهتمين بتاريخ سيناء.
وربما لم يمهله القدر ليشهد اكتمال الحلم، لكن الأمل يبقى معقودًا على أن تتبنى وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار أو حتى المؤسسات العلمية والثقافية طباعة الموسوعة العلمية، وفاءً لصاحبها، وإيمانًا بقيمتها العلمية والوطنية. حتى يرى النور باعتباره أحد أهم المراجع التى تؤرخ لمسيرة البحث الأثرى فى سيناء على مدى قرن ونصف القرن.
وعلى المستوى الإنساني، عرفه كل منْ تعامل معه مثالًا للعالم المتواضع، والمعلم الذى لم يبخل بعلمه على تلاميذه، والباحث الذى كان يؤمن بأن قيمة العالم لا تقاس بعدد ما اكتشفه فقط، بل بعدد منْ ألهمهم حب العلم والبحث. كان يصطحبنا بهمة ونشاط لتتبع مسار طريق حورس الحربى الذى كان له دور فى حماية الحدود الشرقية لمصر. الذى يبدأ من أقصى الشمال الشرقى من دلتا نهر النيل. وقرب مدينة القنطرة شرق نجد شواهده ممتدة من قلعة «ثارو» حتى يصل إلى منطقة رفح القديمة على حدود فلسطين. وكان الدكتور «عبد المقصود» يرى أنه ليس مجرد طريق بل هو الحد الفاصل بين مصر وأعدائها، والذى قد تمر عليه القوافل التجارية أحيانا، لكنه طريق يحكى تاريخ العسكرية المصرية عبر مختلف العصور. وفوقه عبرت الجيوش المصرية، وعنده انتصرت. هو الطريق الذى حمل أنباء الانتصارات، وبقايا عربات الحرب ورايات النصر منذ عصر الملك «سيتى الأول» مرورا بعصر الملك «رمسيس الثاني»، وحتى معارك العبور فى حرب أكتوبر 1973.
وفوقه نجح فى اكتشاف محطات الطريق الحربى والذى احتضن على امتداده سلسلة من القلاع والحصون بلغ عددها أكثر من عشرين قلعة حصينة. سيطرت على ممرات الحركة وخطوط الإمداد. وكانت تلك القلاع أشبه بنقاط إنذار مبكر، تربط بينها قنوات مائية وأبراج مراقبة، تجعل من الطريق منظومة دفاع متكاملة سبقت زمانها بآلاف السنين. ويقف شاهدا على وعى المصرى القديم بأهمية الجغرافيا فى صناعة التاريخ بداية من قلعة «ثارو» حتى «رفح» القديمة. آخرها اكتشاف البعثة المصرية بقايا قلعة «تل الخروبة» كحلقة مفقودة فى منظومة التحصينات التى ربطت مصر القديمة ببلاد الشام. والتى أعادت رسم الخريطة الدفاعية المصرية منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.
وبالفعل أسس الدكتور «عبد المقصود» فى عام 2016 المركز العلمى بمنطقة القنطرة شرق بعدما أصبح المنسق العام لمشروع تطوير المواقع الأثرية بمحور قناة السويس. وداخله قاعة كتوأم لبانوراما تاريخ مصر العسكرى لآثار سيناء. حيث قام فريق العمل الأثرى بتجميع المادة العلمية والدراسات الأثرية والأفلام الوثائقية عن تاريخ مصر العسكرى عبر العصور. كما احتوت على مكتبة ورقية ووثائقية، بالإضافة إلى نتائج عمل بعثة الحفائر المصرية وصور الاكتشافات الخاصة بالقلاع العسكرية والمواقع العسكرية شرق وغرب قناة السويس وهى تل أبو صيفي، وتل حبوة، وتل المسخوطة، وتل دفنة، وبلوزيوم.
وبالرغم من جهوده الكبيرة على أرض سيناء؛ إلا أنه لم يكن من الباحثين الساعين إلى الأضواء. بل ترك إنجازاته تتحدث عنه. وتشهد على ذلك كل المواقع الأثرية التى شارك فى إنقاذها، والوثائق التى أسهم فى إعدادها، والمعارك التى خاضها دفاعًا عن آثار مصر. وسيظل الدكتور «عبد المقصود» هو أهم حراس آثار سيناء وستظل رسالته باقية تحميها موسوعته التى اجتهد كى تروى للأجيال مائة وخمسين عامًا من التنقيب الأثرى فى أرض الفيروز.