لا شيء يتغير مادام أى مسار يتجاوز الحرب والعنف لا يصبّ فى مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو السياسية، أو فى روايته القائمة على تحقيق «الانتصار المطلق» فإن شيئًا لن يتغير، هذا هو الوضع فى غزة التى لا يزال يستيقظ أهلها كل يوم على وقع الغارات، وجنازات الشهداء، والقصف الإسرائيلى الذى يُعمق أزمات النزوح، ويُصعب الحياة على الغزيين المحاصرين فى الشق الفلسطينى منذ سنوات، بلا حلول واضحة على الأرض حتى الآن.
ولقد مرّ أسبوعان على إعلان استقالة رئيس لجنة العمل الحكومى فى غزة، وبينما يؤكد المراقبون أن الاستقالة سحبت الذرائع أمام تشكيل إدارة جديدة للقطاع، ترى حركة المقاومة الفلسطينية «حماس» أن إسرائيل لا تزال تعرقل أى ترتيبات من هذا النوع.
وفى تعليقه على الاستقالة، صرح مدير عام المكتب الإعلامى الحكومى، إسماعيل الثوابتة، بأن استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية وحل اللجنة بالكامل يمثلان «خطوة مؤسسية حاسمة» لتسليم إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية، ولكن يبقى السؤال: من يُعرقل تسلم اللجنة الوطنية الجديدة مهامها فى غزة؟. وهنا يُفتح الباب مجددًا أمام عرقلة تل أبيب الممنهجة لأى مسار للتهدئة أو السلام.
وأشار إلى أن هناك مَن يرى أن حركة حماس لا تسعى إلى دفع العملية إلى الأمام، بل تعمل على عرقلتها وإطالة أمدها، لا سيما فى الأشهر التى تسبق انتخابات الكنيست الإسرائيلى، وأن ما يسمى مجلس السلام والوسطاء المحيطين به يواجهون صعوبة فى اتخاذ قرارات حاسمة بسبب الموقف الإسرائيلى الرافض لتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق والبروتوكول الإنسانى، وهو ما ينعكس على مجمل الترتيبات المتعلقة بقطاع غزة، وتستغل تل أبيب الاستنزاف الأمريكى للمنطقة بحربها ضد طهران، لفرض واقع جديد فى الضفة الغربية التى تشير التقارير الفلسطينية إلى استيلائها على أراضٍ فلسطينية خلال عامين من حرب الإبادة تُساوى ما تم الاستيلاء عليه خلال 20 عامًا.
د.عبدالمهدى مطاوع، المحلل السياسى الفلسطينى، يرى أنه من مصلحة إسرائيل البقاء فى المرحلة الأولى من الاتفاق، خاصة أننا فى الفترة التى تسبق الانتخابات الإسرائيلية العامة، كما أن عقيدة نتنياهو، أن يُعطى الفرصة للاستيلاء على المزيد من الأراضى وتأخير إعادة الإعمار تمهيدًا للتهجير فى المستقبل وهو المخطط الأساسى للحكومة الإسرائيلية الحالية، وفى النهاية مَن يتضرر من الوضع الراهن هم الفلسطينيون، وأما ما يخصّ الانتهاكات الإسرائيلية فى الضفة فهى سبيل اليمين المتطرف الذى لا يُحمد على موقفه السياسى اليوم للصندوق الانتخابى، لذا من المتوقع أن تستمر تلك الهجمات الاستيطانية فى الوقت الراهن.
وأكد د. أيمن الرقب، المحلل السياسى الفلسطينى، أنه منذ 11 أكتوبر الماضى، ونحن نشهد الانتهاكات فى حق الشعب الفلسطينى ونحن نتحدث عن 1100 شهيد منذ ذلك الوقت، وهو رقم كبير على منطقة مثل غزة وخاصة فى ظل الترويج لفكرة انتهاء الحرب، وبالتالى نحن أمام تهدئة مشكوك فى واقعها، وصمت تام من مجلس السلام والإدارة الأمريكية على جرائم الاحتلال.
وأضاف: اليوم يدور الحديث عن دخول قوات الاستقرار إلى القطاع، ونقول إذا دخلت تلك القوات قد تتوقف عمليات القتل ضد الأبرياء بغزة، ولكن أهم شيء أن تتوقف عمليات القتل والقصف، فيما يُثار الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق قريبًا، ولكن نأمل ألا يرتبط ذلك بشرط انتزاع سلاح حماس بدون حماية دولية للشعب الفلسطينى؛ فنحن أمام مستقبل بنظرة إسرائيلية للقطاع دون سلاح ما سيؤدى بالطبع إلى أضرار جسيمة على الفلسطينيين، وفى النهاية ما يهم الشعب الفلسطينى نفسه هو إعادة الإعمار واستعادة الحياة فى غزة وتوقف القتل والقصف.
أما د.ماهر صافى المحلل السياسى الفلسطينى، فقد شدد على أن الشارع الفلسطينى اليوم يعانى حالة من الانقسام والانشقاق، ويواجه تحديات عميقة نتيجة غياب الأفق السياسى، وغياب الوحدة الوطنية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية، واختلاف الرؤى الفصائلية حيال إدارة الصراع والوضع الراهن، وقد استغلت إسرائيل هذا الواقع فى توسيع سياساتها، سواء فى حرب الإبادة والعدوان على غزة، أو فى زيادة الاستيطان، الذى يشكل تحديًا كبيرًا لنا كفلسطينيين.
وأشار «صافى»، إلى أن هناك تأثيرا كبيرا يتمثل فى التقسيم والبعد الجغرافى، اللذين يسهمان فى استمرار الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وضعف مؤسسات القرار الوطنى المشترك، ولهذا فإن العمليات العسكرية والتوسع الاستيطانى المتسارعة وتيرته فى الضفة الغربية، والإجراءات فى القدس، وما يمارسه قادة الاحتلال الإسرائيلى وقطعان المستوطنين، يهدفان إلى تقويض مقومات الدولة الفلسطينية ونسف الاتفاق الذى وُقّع فى أكتوبر 2025.