يعمل البنك المركزي المصري على تكييف أدواته لتحقيق الهدف الأساسي الذي يسعى اليه وهو استقرار الأسعار والتحكم في التضخم للوصول به الى المعدل المستهدف البالغ 7% ±، لتحقيق الاسـتقرار النقـدي والمالـي، وهو التحدي الذي تقابله أغلب البنوك المركزية العالمية مع تجدد التوترات الجيوسياسية على اختلاف مصادرها، وما يستتبعها من التعرض لصدمات خارجة عن سيطرة السلطات النقدية المحلية. فعلى حين جاءت تقديرات مختلف المؤسسات الدولية داعمة لتحسن أداء المؤشرات الاقتصادية العالمية تدريجيا منذ أواخر عام 2025 وخلال عام 2026 ، جاء الصراع بين الولايات المتحدة وايران بمثابة صدمة عالمية جديدة ومباغتة نالت من فعالية السياسات الكلي.
وتحقيقا لهذا الهدف تجتمع لجنة السياسة النقدية 8 مرات سنويًا لمتابعة التطورات المحلية والخارجية وما تطلبه من استجابة السياسات .
وتستند قرارات اللجنة الى رصد وتحليل شامل ومتابعة دقيقة للأوضاع العالمية والمحلية، وبناء رؤية مستقبلية لمساراتها والتنبؤ بتداعياتها وما تتطلبه من سياسات لاحتوائها.
ومن أهم المتغيرات الداخلية الحاكمة لصياغة السياسة النقدية؛ معدل النمو الاقتصادي الكلي والقطاعي، ومعدلات تضخم أسعار السلع والخدمات الأساسية كالوقود والغاز- تكاليف النقل - أسعار المنتجات والسلع المدعومة، ودراسة أوضاع سوق العمل والأجور الحقيقية، فضلا عن وضع القطاع الخارجي وميزان المدفوعات وضغوطها على سعر الصرف، وضغوط السياسة المالية ومؤشرات المديونية، لما لذلك من انعكاسات واضحة على أوضاع السيولة المحلية وتطور الاحتياطيات النقدية الأجنبية .
وبدورها تفرض الأوضاع العالمية خاصة الصدمات الخارجية ضغوطا متزايدة، وتضفي بالمزيد من التعقيد على قرارة السياسة النقدية التي تتأثر بوتيرة النمو العالمي والتضخم وضغوط الأسعار ومدي انسيابية سلاسل الامداد وحركة التجارة الإقليمية.
واستجابة للتطورات التي لحقت بهذه المتغيرات سواء محليا أو دوليا شهدت أسعار الفائدة تحولا جوهريا منذ مارس 2024، اذ انتقلت السياسة النقدية من مرحلة التشديد النقدي الحاد الى دورة تيسير تدريجي تماشيا مع استمرار اتجاهات البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة والنامية في اتباع سياسات نقدية حذرة، مع استمرار عدد منها في مواصلة دورات التيسير النقدي .
وعلى مدار هذه الفترة وخلال آخر 10 اجتماعات للجنة السياسة النقدية، انخفضت أسعار الفائدة الأساسية بإجمالي 8.25%، في إطار توجه البنك المركزي لدعم النشاط الاقتصادي بالتزامن مع تراجع الضغوط التضخمية مقارنة بمستوياتها القياسية السابقة.
وفي أولي اجتماعاتهـا للعام الحالي الذي ُعُقد في12 فبراير بدأت دورة التيسير النقدي مدعومة بتراجع ملحوظ في معدلات التضخم، اذ قررت لجنة السياسة النقديـة خفض أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، وفي الاجتماعيين التاليين –ابريل ومايو- تم الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، لتستقر أسعار عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وعائد الإقراض لليلة واحدة عند 20%، بينما بلغ سعر العملية الرئيسية للبنك المركزي 19.5%، وسعر الائتمان والخصم 19.5%.
ويوضح الشكل التالي تطور أسعار الفائدة في مصر منذ مارس 2024
ومن المنتظر أن تعقد لجنة السياسة النقدية اجتماعها الرابع لهذا العام 9 يوليو 2026، في ظل أوضاع أكثر استقرارا مقارنة بالاجتماعات السابقة، فهناك إشارات بارزة عن تراجع المخاوف الجيوسياسية الناجمة عن الصراع بين الولايات المتحدة وايران والتي خلفت أزمة طاقة طاحنة قادت توجهات السياسات النقدية في مختلف الدول بصورة متباينة، فقد دفع استمرار الضغوط التضخمية الاحتياطي الفيدرالي الى التراجع عن سياسة التيسير النقدي، وظل نطاق سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند 3.50–3.75٪، على حين جاء نمو الاقتصاد الأوروبي أكثر تأثرا بصدمة الطاقة وانعكاساتها على الأوضاع التضخمية التي قاربت 3% ومن ثم عاد البنك المركزي الأوروبي إلى وضع التشديد، ورفع اسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو، ليرتفع بذلك عن سعر الفائدة المحايد الذي يتراوح بين 1.75% و2.50%.
من ناحية أخرى يشهد البنك المركزي الصيني تحولات جذرية في إدارة السياسة النقدية ليحاكي الأطر المتبعة في البنوك المركزية الكبرى، كمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي من خلال الانتقال الى آلية سعر إعادة الشراء العكسية لليلة واحدة كمعيار رئيسي بدلاً من سعر السبعة أيام، فضلا عن توجهه لخفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو الاقتصادي الذي تباطأت وتيرته منذ أواخر 2025.
ومن ثم من المتوقع استمرار النهج الاستشرافي الحذر للبنك المركزي المصري والمضي قدما في سياسة تثبيت أسعار الفائدة على الرغم من التراجع النسبي في الضغوط التضخمية، وذلك لتغليب اعتبارات الاستقرار في الأسواق والحفاظ على هامش موجب لمعدل العائد الذي تعول عليه شريحة كبيرة من المودعين، مع احتمالية التوجه نحو الخفض التدريجي في الاجتماعات القادمة للحد من المخاطر الائتمانية وتداعيات استمرار سعر العائد المرتفع لفترة طويلة على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي.