كشف عدد من القيادات والشخصيات المسيحية في القدس والأراضي المقدسة عن تصاعد خطير في اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين على المسيحيين والكنائس في القدس والضفة الغربية، مؤكدين أن الانتهاكات خلال العام الجاري اتخذت أشكالًا أكثر خطورة، بعدما انتقلت من المضايقات والاعتداءات على الممتلكات إلى الاعتداء المباشر على الأشخاص ومحاولات القتل.
وأكد منسق مكتب مجلس الكنائس العالمي في القدس يوسف ضاهر - في تصريح - أن اللافت في الاعتداءات التي شهدها العام الجاري هو ارتفاع أعدادها وتنوعها، موضحا أنها لم تعد تستهدف الكنائس فقط، وإنما طالت المسيحيين أنفسهم ورجال الدين والعاملين في المؤسسات الكنسية.
وقال ضاهر "إن الاعتداءات شملت منع المصلين ورجال الدين المسيحيين من الوصول إلى الكنائس، وفرض قيود على ممارسة الشعائر الدينية، إلى جانب التضييق على الكنائس والمؤسسات التابعة لها بمختلف الوسائل، فضلًا عن فرض ضرائب "الأرنونة" بصورة مبالغ فيها على الكنائس وممتلكاتها".
وأضاف: أن هذه الإجراءات تمثل ضغطًا متزايدًا على الوجود المسيحي في القدس، وتؤثر على قدرة المؤسسات الدينية على أداء دورها التاريخي والاجتماعي في المدينة.
ومن جانبه، قال النائب البطريركي للاتين في القدس وليم شوملي "إن الاعتداءات على المسيحيين والكنائس في القدس والضفة الغربية تتصاعد بصورة خطيرة"، مؤكدا أن الأمر وصل إلى مراحل غير مسبوقة بعدما تطورت الانتهاكات إلى محاولات قتل.
وكشف عن قيام أحد المستوطنين بالاعتداء على راهبة وضربها بشكل عنيف، موضحًا أن المعتدي كان ينوي قتلها لولا تدخل أحد المارة ومنعه من الاستمرار في الاعتداء.
وأوضح أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على كتابة الشعارات المسيئة على جدران الكنائس، وإنما تطورت إلى محاولات حرق الكنائس وتدميرها، فضلًا عن الاعتداء على تماثيل السيد المسيح، كما حدث مؤخرًا في إحدى كنائس القدس.
وأشار إلى وجود عدد كبير من الاعتداءات التي يتعرض لها المسيحيون ولم يتم توثيقها أو الإعلان عنها، ما يعني أن الأرقام المسجلة لا تعكس الحجم الكامل للانتهاكات.
وفيما يتعلق بموقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية والاعتداءات التي تستهدف المسيحيين، أكد شوملي أن موقف الفاتيكان ثابت منذ عقود، موضحًا أنه يدعم حل الدولتين، ويطالب بوضع خاص لمدينة القدس، مع ضرورة وجود ضمانات دولية تمنع أي جهة حاكمة من التصرف بشكل منفرد في المدينة المقدسة.
وأضاف أن الفاتيكان يؤكد دائمًا ضرورة ضمان الحرية الدينية للفلسطينيين، وحماية الأماكن المقدسة لجميع الطوائف.
بدوره، أكد رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة ديميتري ديلياني أن ما يتعرض له المسيحيون والكنائس في القدس لا ينفصل عن الوضع العام الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين جميعًا يتعرضون لما وصفه بعملية تطهير عرقي وحرب إبادة.
وأوضح ديلياني أن استهداف الكنائس يأتي ضمن محاولات نزع الطبيعة المتنوعة للشعب الفلسطيني، وتقويض العلاقات التاريخية التي اتسمت بالتعايش بين مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.
وأضاف أن الاحتلال يحاول ضرب عناصر الوحدة الوطنية الفلسطينية، ومنها الوجود المسيحي والمؤسسات الكنسية من خلال استهداف رجال الدين والشخصيات التي تؤكد على وحدة الشعب الفلسطيني.
واتهم ديلياني، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالحديث علنًا عن حماية المسيحيين، بينما يقوم عمليا بتوفير غطاء سياسي وأمني للاعتداءات التي يتعرضون لها، معتبرا أن دعم هذه السياسات يخدم أهدافًا سياسية ويحافظ على تماسك الائتلاف الحكومي الإسرائيلي.
ومن جانبه، قال الباحث المقدسي نبيل عبدالله "إن خطورة المرحلة الحالية تتمثل في أن الاعتداءات لم تعد مجرد تصرفات فردية من بعض المستوطنين، وإنما أصبحت مرتبطة بمناخ سياسي يسمح باستمرارها".
وأشار إلى أن وجود وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير داخل الحكومة الإسرائيلية، وتصريحاته ومواقفه، يزيد من خطورة الوضع، معتبرًا أن شرعنة هذه الاعتداءات تأتي من أعلى المستويات السياسية.
وكان برنامج "عين على القدس"، المذاع على التلفزيون الأردني، قد ناقش تصاعد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين على المسيحيين والكنائس في القدس والضفة الغربية، مستعرضًا تقريرًا أعد في القدس حول حجم الانتهاكات وتنوعها.
وأشار التقرير إلى أن القدس والضفة الغربية تشهدان منذ بداية العام الجاري تصاعدًا ملحوظًا في الاعتداءات والمضايقات التي تستهدف المسيحيين ومقدساتهم مقارنة بالأعوام السابقة، وسط مخاوف من تراجع الحريات الدينية واتساع نطاق الانتهاكات التي تطال الأفراد والمؤسسات المسيحية.
وأوضح أن مركز بيانات الحرية الدينية كشف، خلال عرض لبياناته في القدس، عن توثيق أكثر من 88 حادثة اعتداء ومضايقة ضد المسيحيين منذ بداية العام الحالي، من بينها 63 حادثة تم تسجيلها خلال الربع الثاني فقط.
وأكد التقرير أن استمرار هذا التصاعد قد يجعل عام 2026 يسجل أكبر عدد من الاعتداءات ضد المسيحيين، متجاوزًا الرقم المسجل العام الماضي والبالغ 181 حادثة.
كما تناول التقرير انتقادات رؤساء الكنائس لشرطة الاحتلال الإسرائيلي بسبب ما وصفوه بالتقاعس عن ملاحقة مرتكبي الاعتداءات والتحقيق فيها بشكل فعال، في ظل تصاعد نفوذ التيارات المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية.
وتطرق التقرير إلى استهداف أملاك الكنائس في القدس المحتلة، مشيرًا إلى قيام بلدية الاحتلال وسلطة الطبيعة والحدائق باقتحام أرض تاريخية تابعة لدير الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان، وإقامة سياج حولها في خطوة اعتبرتها البطريركية تمهيدًا لمصادرتها تحت ذريعة تحويلها إلى منطقة لـ"البستنة".
وأضاف التقرير أن سلطات الاحتلال قامت بطرد ممثل البطريركية من الموقع، ومصادرة معداته، واقتلاع الأشجار من الأرض، وهي إجراءات وصفتها البطريركية بأنها "انتهاك واضح" للقانون الدولي وحقوق الملكية الخاصة والمكانة الدينية التي تمثلها الكنائس في الأرض المقدسة.
وأشار التقرير إلى أن تصاعد الاعتداءات ضد المسيحيين والكنائس يأتي في إطار أوسع من الإجراءات الإسرائيلية التي تؤثر على مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، محذرًا من تداعيات ذلك على مستقبل الوجود المسيحي التاريخي في القدس، وعلى مكانة المدينة كرمز ديني عالمي للتنوع والتعايش.