نسجت سلطنةُ عُمان على مدى أكثر من خمسة عقود، شراكةً حضاريّةً راسخةً مع منظّمة الأمم المُتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، منذ انضمامها إلى المنظمة عام 1972م، وهو انضمام مثّل نقطة تحوّل في حضور سلطنة عُمان على الساحة الدولية.
وجاءت زيارة السلطان هيثم بن طارق لليونسكو أواخر يونيو 2026، لتمثل محطة دبلوماسية وثقافية بارزة، شكلت معلماً مهماً في تاريخ علاقة عُمان باليونسكو، إذ أكدت الكلمة التي ألقاها في العاصمة باريس، مكانة سلطنة عُمان كشريك دولي يؤمن بالتعاون متعدد الأطراف، ويعتبر الثقافة والتعليم والعلم أدوات استراتيجية لتحقيق السلام والتنمية والاستقرار .
كما حملت كلمة عُمان رؤية متكاملة تعكس توجهات السلطنة في التعامل مع أبرز القضايا العالمية، بدءاً من حماية التراث الإنساني، مروراً بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ووصولاً إلى التغير المناخي والطاقة النظيفة.
أظهرت الكلمة أن سلطنة عُمان تنظر إلى الثقافة والتعليم والعلوم باعتبارها ركائز للأمن والاستقرار العالمي، وليست مجرد مجالات للتعاون الأكاديمي. كما تؤكد أن حماية التراث، وتمكين الإنسان، والاستثمار في المعرفة، تمثل أدوات للدبلوماسية الوقائية وبناء الثقة بين الأمم .
وقد مثّل الإعلان عن إطلاق جائزة اليونسكو – السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي أبرز مخرجات الزيارة، في مبادرة تعكس التزام سلطنة عُمان بالمساهمة في صون التراث الإنساني وتعزيز الحوار بين الشعوب. كما يعكس الإعلان انتقال سلطنة عُمان من مرحلة المشاركة في المبادرات الدولية إلى الإسهام في إطلاق مبادرات عالمية تسهم في حفظ التراث الثقافي الإنساني وتعزيز التعاون الدولي.
بدوره، أكد المدير العام لـمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الدكتور خالد العناني، أن زيارة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، إلى مقر المنظمة تمثل محطة تاريخية وعلامة فارقة في مسيرة التعاون بين سلطنة عمان واليونسكو، مشيرًا إلى أنها تعكس الالتزام المشترك بتعزيز الحوار بين الحضارات، وصون التراث، ودعم التنمية المستدامة والشاملة .
وأوضح العناني أن الزيارة تكتسب أهمية استثنائية، إذ تعد الأولى لرئيس دولة عربي إلى المنظمة منذ توليه منصب المدير العام، كما أنها أول زيارة لسلطان عُمان إلى اليونسكو منذ زيارة السلطان الراحل قابوس بن سعيد عام 1989.
وحرصاً من عُمان على تعميق الحوار مع اليونسكو، تتولى المندوبية الدائمة للسلطنة لدى اليونسكو مهام التنسيق والاتصال وتوثيق التعاون مع الدول الأعضاء، وتعزيز مشاركة سلطنة عُمان في اللجان والمجالس الدولية .
وقد أسهمت المندوبية الدائمة في ترسيخ حضور سلطنة عُمان داخل المنظمة عبر المشاركة الفاعلة في بناء جسور التعاون مع الوفود الدائمة، وتمثيل سلطنة عُمان في اجتماعات المجموعات الجغرافية والإقليمية، بما يعكس التزامها بدعم العمل متعدد الأطراف، وفي إطار تعزيز هذا الحضور المؤسسي، جاء إنشاء اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم عام 1974 ليؤسّس إطارًا دائمًا للتَّعاون مع المنظمة على المستوى الوطني.
وقد شهد عام 1989 محطّة تاريخيّة بارزة بزيارة المغفور له بإذن الله تعالى السُّلطان قابوس بن سعيد /طيّب اللهُ ثراهُ/ إلى مقرّ المنظمة في باريس، وهي زيارة أسهمت في تعزيز التعاون وإطلاق مبادرات نوعية، من أبرزها جائزة اليونسكو – السُّلطان قابوس لصون البيئة، ورحلة اليخت السُّلطاني فلك السلامة لدراسة طريق الحرير، إضافة إلى منح المنظّمة وسامها الرّفيع للسُّلطان الراحل عام 1993 تقديرًا لجهوده في خدمة السّلام والحوار بين الحضارات .
وامتدادًا لهذا النهج، جاءت الزيارةُ السّاميةُ للسُّلطان هيثم بن طارق إلى مقر اليونسكو في يونيو 2026، مؤكّدةً على حرص سلطنة عُمان على تعزيز التعاون الدولي في مجالات الثّقافة والتّعليم والعلوم، وترسيخ حضورها في المبادرات الأممية المعنية بصون التراث الإنساني والحوار بين الحضارات.
تحظى سلطنة عُمان بحضور واسع في قوائم وبرامج اليونسكو؛ إذ أدرجت قلعة بهلا عام 1987، تلتها مواقع بات والخطم والعين عام 1988، ثم أرض اللبان عام 2000، ونظام الأفلاج عام 2006، ومدينة قلهات الأثرية عام 2018 ضمن قائمة التراث العالمي .
كما سجلت سلطنة عُمان حضورًا متناميًا في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عبر إدراج مجموعة واسعة من الفنون والعادات والمهارات التقليدية بين عامي 2010 و2025، من بينها البرعة، والعازي، والتغرود، والعيالة، والرزفة، والقهوة العربية، والمجالس، وعرضة الخيل والإبل، والنخلة، وسباقات الهجن، والخط العربي، وحداء الإبل، والخنجر، وطبق الهريس، والحناء، والبشت، والكحل العربي، كما سجلت سفينة شباب عُمان في قائمة أبرز الممارسات في التراث غير المادي.
وفي إطار برنامج ذاكرة العالم، تم إدراج مخطوطة معدن الأسرار في علم البحار عام 2017، تلتها النونية الكبرى للملاح أحمد بن ماجد عام 2025، تأكيدًا للإسهامات العُمانية التاريخية في علوم البحار والملاحة. كما شهد برنامج الاحتفاء بالشخصيات والأحداث التاريخية إدراج عدد من الأعلام العُمانيين، من بينهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، والطبيب راشد بن عميرة، والشيخ نور الدين السالمي، وابن الذهبي، وأبو مسلم البهلاني، وأحمد بن ماجد، والمؤرخ حميد بن رزيق، ومحمد بن يزيد الأزدي (المبرّد)، وعبدالله بن علي الخليلي، وإدراج حصن جبرين ضمن الأحداث التاريخية عام 2023.
وامتد الحضور العُماني في اليونسكو إلى البرامج والشبكات الدولية التي تُشرف عليها اليونسكو؛ إذ انضمت (٤٤) مدرسة عُمانية إلى شبكة المدارس المنتسبة لليونسكو، كما أدرجت ثلاث مُدن عُمانية ضمن شبكة مدن التعلم عام 2024م، وهي: مسقط وصور ونزوى، وجارٍ العمل على ضم مدن أخرى على هذه الشبكة. وفي عام 2025، أدرجت محمية الجبل الأخضر ومحمية السرين ضمن شبكة محميات الإنسان والمحيط الحيوي، تأكيدًا لجهود سلطنة عُمان في تعزيز المحافظة على التنوع الحيوي .
وعلى صعيد الاتفاقيات الدولية المعززة للعلاقات وتقديم الدعم العُماني لليونسكو، صادقت سلطنة عُمان على عدد من الاتفاقيات الأساسية، من بينها اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (1977)، واتفاقية حماية التراث العالمي (1981)، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2005)، واتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه (2020)، كما انضمت إلى اتفاقية مكافحة التمييز في التعليم (2026)، تأكيدًا لالتزامها بدعم الأطر القانونية الدولية ذات الصلة.
كما تقلّدت سلطنة عُمان عضوية عدد من الهيئات الدولية التابعة لليونسكو، من بينها المجلس التنفيذي للفترة 2023-2027، واللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، والمجلس الحكومي لبرنامج إدارة التحولات الاجتماعية (MOST)، واللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا، ومجلس التنسيق الدولي لبرنامج الإنسان والمحيط الحيوي (MAB)، بما يعكس الثقة الدولية بدور سلطنة عُمان في صياغة السياسات الأممية وتعزيز التعاون الدولي .
وفي إطار التّعاون الأكاديمي بين عُمان واليونسكو، تحتضن مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان، مجموعة من كراسي اليونسكو الجامعية تغطي مجالات بحثية متنوعة، من بينها الذّكاء الاصطناعي، وعلم النفس التربوي، وصخور الأفيوليت، والتقنيات الحيوية البحرية، ودراسات مخاطر الزلازل والتسونامي، والتراث العالمي، والأفلاج، والطاقة المُتجدّدة، والابتكار البيئي، وتحويل النفايات إلى وقود.
ويعكس تصديق سلطنة عُمان في يونيو 2026 على اتفاقية مكافحة التمييز في التعليم لعام 1960، التزامها بتعزيز قيم المساواة والتسامح والتفاهم بين الثقافات، ويؤكد دورها النشط داخل المنظومة المؤسسية لليونسكو .
ولا شك أن هذه المنجزات المُتراكمة تجسّد عمق الشراكة بين سلطنة عُمان واليونسكو، وترسّخ حضور سلطنة عُمان بوصفها شريكًا دوليًّا موثوقًا في صون التراث الإنساني، وتعزيز الثقافة والمعرفة، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة وبناء السلام.
إضافة إلى ما سبق، يمكن القول أن الجهود التي تبذلها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنيَّة لحصر المخطوطات، ورقمنتها، وفهرستها، واقتناء نسخها الأصليَّة، تُمثِّل استثمارًا وطنيًّا في المعرفة، وتعكس وعيًا بأهميَّة المحافظة على المصادر التي توثِّق التاريخ العلمي والثقافي للسلطنة. إذ تسهم هذه المبادرات في توفير المادَّة العلميَّة للباحثين، وتوسيع مجالات الدراسات الأكاديميَّة، وتشجيع تحقيق المخطوطات، وإبراز ما تحمله من أفكار ورؤى تُثري حركة البحث العلمي. كما تُواكِب التطوُّر التقني الذي أصبح ركيزة أساسيَّة في حماية التراث وإتاحته للأجيال .
يكتسب هذا التوجُّه العُماني الداعم للثقافة والهوية، أهميَّة متزايدة في ظل التحوُّلات الرقميَّة التي يشهدها العالم؛ حيث أصبحت قواعد البيانات الإلكترونيَّة والمكتبات الرقميَّة إحدى أهمِّ أدوات إنتاج المعرفة وتبادلها.
وتخطَّت الرقمنةُ حفظَ المخطوطات، واتجهت لِتصبحَ وسيلة لإنتاج معرفة جديدة، وفتح آفاق أوسع للدراسات المقارنة، ودعم الاقتصاد المعرفي والصناعات الثقافيَّة؛ بما يتيح للباحثين داخل عُمان وخارجها إعادة قراءة المصادر الأصليَّة واستنباط موضوعات بحثيَّة جديدة، ويُعزِّز حضور المخطوطات العُمانيَّة في المؤتمرات العلميَّة والمشروعات البحثيَّة الدوليَّة، ويدعم مكانة سلطنة عُمان بوصفها شريكًا فاعلًا في حفظ التراث الإنساني وصناعة المعرفة .