شكل مسار المفاوضات اللبنانية - الأمريكية - الإسرائيلية محطة سياسية وأمنية بارزة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار في جنوب لبنان وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية. ويرى مؤيدو هذا المسار أن الاتفاق الإطاري يمثل فرصة لخفض التوتر على الحدود، ووضع آلية تدريجية لمعالجة الملفات الأمنية، بما يهيئ الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة، ويعزز فرص إعادة الإعمار واستعادة الثقة الدولية بلبنان.
وفي هذا السياق، يؤكد العميد الركن والباحث في الشؤون العسكرية والدولية بهاء حلال أن أهمية أي اتفاق إطاري بعد النزاعات لا تكمن في كونه ينهي الحرب، بل في محاولته إعادة تعريف قواعد إدارتها. ويوضح أن الاتفاق جاء عند تقاطع خمسة ملفات رئيسية، هي الاستنزاف الميداني الطويل، والضغوط الدولية لمنع اتساع المواجهة، وأزمة الدولة اللبنانية، وإعادة التموضع الإقليمي، ومحاولة إنتاج نموذج أمني جديد في الجنوب، معتبرًا أن توصيفه الأدق هو أنه "ليس اتفاق سلام، بل محاولة للانتقال من منطق الاشتباك المفتوح إلى منطق الضبط السياسي للنزاع".
ويضيف أن الاتفاقات الاستراتيجية لا تُقاس بمنطق الرابح والخاسر، وإنما بمنطق تبادل الأولويات. فلبنان يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وتقليص احتمالات التوسع العسكري، وإعادة نشر مؤسسات الدولة في الجنوب، وفتح نافذة لإعادة الإعمار، وتخفيف الكلفة الاقتصادية للمواجهة، بينما تسعى إسرائيل إلى تقليل الاحتكاك الحدودي، والحصول على ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا، وتعزيز آليات التحقق والمراقبة. ويرى أن الفارق الجوهري يتمثل في أن لبنان يقيس نجاح الاتفاق بمعيار السيادة، في حين تقيسه إسرائيل بمعيار الأمن، وهو ما يبقي تحديات التنفيذ قائمة.
ويشير حلال إلى أن الاتفاق قادر نظريًا على تثبيت وقف إطلاق النار، إلا أن نجاحه عمليًا يرتبط بتوافر آليات تحقق فعالة، وتوافر قبول داخلي، وقدرة الأطراف على ضبط التصعيد، موضحًا أن الاتفاقات الأمنية تنجح غالبًا في خفض الاشتباكات، لكنها لا تزيل تلقائيًا أسباب النزاع. كما يؤكد أن الدور الأميركي لا يقتصر على الوساطة، بل يشمل التفاوض، وتقديم الضمانات، ومتابعة التنفيذ، غير أن أي اتفاق يحتاج إلى توافق داخلي حتى يكتسب مقومات الاستمرار.
ويحدد أبرز العقبات أمام التنفيذ في فجوة الشرعية الداخلية، والخلاف حول تعريف الخروقات، وترتيب أولويات الانسحاب والترتيبات الأمنية، وتأثير التطورات الإقليمية، إضافة إلى قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه. ويرى أن نجاح الاتفاق قد يقود إلى جنوب أقل عسكرة وأكثر مؤسساتية، مع تعزيز دور الدولة والجيش اللبناني وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، لكنه يحذر من أن التطبيق وحده سيحدد ما إذا كانت الترتيبات الأمنية ستعزز السيادة اللبنانية أم ستفرض واقعًا أمنيًا جديدًا.
ويضيف أن الجيش اللبناني مرشح للاضطلاع بدور أكبر في تثبيت الاستقرار والسيادة الميدانية، فيما تواجه قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) تحديًا يتعلق بتحديد طبيعة دورها بين المراقبة والمساهمة في منظومة الاستقرار الجديدة، بما يتطلب وضوحًا في الصلاحيات وتنسيقًا كاملًا مع مؤسسات الدولة. كما يرى أن الاتفاق، رغم طابعه الأمني، قد يفتح الباب أمام انعكاسات سياسية تتمثل في إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة توزيع الشرعية، وتعديل أولويات السياسة الداخلية، إلا أن الوصول إلى تسوية سياسية شاملة يحتاج إلى ظروف أوسع بكثير من مجرد الترتيبات الأمنية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يلفت حلال إلى أن نجاح الاتفاق واستقرار الجنوب يمكن أن يسرعا إعادة الإعمار، ويشجعا عودة الاستثمارات، ويخفضا كلفة المخاطر، إلا أن الاقتصاد يحتاج إلى استقرار دائم يمكن التنبؤ به، وليس مجرد هدوء مؤقت. ويختتم بالتأكيد على أن الاتفاق لن يصبح نقطة تحول لمجرد توقيعه، وإنما إذا نجح في تغيير وظيفة الدولة، وقواعد الأمن، وطريقة إدارة النزاع، معتبرًا أن الصورة الحالية تبدو أقرب إلى "ترتيب أمني عالي التأثير السياسي" منها إلى تسوية تاريخية نهائية، لأن إعادة تعريف السيادة والتوازنات داخل لبنان والمنطقة ستظل عملية طويلة تتجاوز أي اتفاق منفرد .
في المقابل، يرى العميد الركن المتقاعد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، أن الاتفاق الإطاري لا يمثل، من وجهة نظره، إنجازًا للبنان، بل يشكل تحولًا خطيرًا في مسار الصراع، إذ ربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بتنفيذ الدولة اللبنانية التزامات أمنية، وفي مقدمتها ملف سلاح المقاومة، من دون تحديد جدول زمني واضح. ويعتبر أن ذلك يمنح إسرائيل عمليًا شرعية للاستمرار في احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية مع احتفاظها بحرية تنفيذ عمليات عسكرية متى شاءت.
ويقول شحادة إن لبنان، وفق تقديره، لم يحقق مكاسب فعلية من الاتفاق، بل حصل على وعود قابلة للتأجيل أو التعليق في ظل غياب ضمانات ملزمة بانسحاب إسرائيلي كامل أو وقف واضح للخروقات. وفي المقابل، يرى أن إسرائيل حققت أبرز أهدافها السياسية بعدما أصبح استمرار وجودها العسكري مرتبطًا بملف سلاح المقاومة، وانتقل الضغط الدولي من إسرائيل إلى الدولة اللبنانية لتنفيذ المطالب الأمنية .
ويشير إلى أن الاتفاق قد يؤجل اندلاع مواجهة جديدة، لكنه لن يمنعها، لأن الأسباب الأساسية للصراع لا تزال قائمة، بل أضيفت إليها عوامل جديدة قد تزيد من احتمالات التصعيد، خصوصًا مع استمرار الاحتلال وربط الانسحاب بشروط مسبقة. كما يعتبر أن الولايات المتحدة لعبت دور الراعي الأساسي للاتفاق، لكنها لم تكن، من وجهة نظره، وسيطًا متوازنًا، بل مارست ضغوطًا على لبنان دون فرض التزامات مماثلة على إسرائيل، معربًا عن تشككه في قدرة واشنطن على ضمان تنفيذ الاتفاق، مستشهدًا بتجارب سابقة لم تُلزم فيها إسرائيل بتنفيذ تعهداتها.
ويرى شحادة أن تنفيذ الاتفاق يواجه تحديات كبيرة، أبرزها رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لأي صيغة تُبقي الاحتلال قائمًا أو تربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة، إضافة إلى استمرار الخروقات الإسرائيلية والانقسام السياسي الداخلي وإعلان حزب الله رفضه الكامل للاتفاق، معتبرًا أن ذلك يجعل تطبيقه محفوفًا بالصعوبات.
ويضيف أن الاتفاق قد يحول جنوب لبنان إلى منطقة توتر مزمن بدلًا من ترسيخ الاستقرار، مع استمرار الوجود الإسرائيلي وازدياد الضغوط على الجيش اللبناني لتنفيذ بنود خلافية داخليًا، بما قد يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات معقدة واحتكاكات مع المقاومة. كما يرى أن الجيش سيجد نفسه أمام مسؤوليات تفوق إمكاناته، بينما قد يتراجع دور قوات اليونيفيل لمصلحة آليات رقابة جديدة تقودها الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب انتهاء مهمة القوة الدولية الحالية.
ويعتبر شحادة أن الاتفاق لا يقتصر على الجوانب الأمنية، بل قد يشكل مدخلًا إلى مسار سياسي أوسع إذا فُرضت مراحل لاحقة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يعتقد بإمكانية تطبيقه بصيغته الحالية. ويرى أن تنفيذه، إذا جرى وفق الآلية المطروحة، سيمنح إسرائيل والولايات المتحدة مكسبًا استراتيجيًا من خلال تقليص دور المقاومة وإضعاف النفوذ الإيراني في لبنان، بما يؤدي إلى تغيير تدريجي في موازين القوى الإقليمية.
ويشير إلى أن الانقسام الحاد بين القوى السياسية اللبنانية بشأن الاتفاق يعكس حجم الخلاف حوله، إذ تعتبره بعض الأطراف مدخلًا للاستقرار، بينما تراه أطراف أخرى تنازلًا يمس السيادة اللبنانية، محذرًا من انعكاس هذا الانقسام على المشهدين السياسي والشعبي مع بدء تنفيذ البنود الخلافية.
كما يستبعد شحادة حدوث انسحاب إسرائيلي كامل في المدى القريب، معتبرًا أن غياب مهلة زمنية ملزمة يسمح باستخدام الشروط الأمنية ذريعة للإبقاء على الاحتلال لفترة طويلة. ويضيف أن وعود إعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية قد تُستخدم للضغط على لبنان من أجل تنفيذ التزاماته، إلا أن أي تحسن اقتصادي سيظل مرتبطًا بتحقيق استقرار سياسي وأمني لا يزال غير مضمون.
ويختتم شحادة بالتأكيد على أن ردود الفعل الإقليمية والدولية ستبقى منقسمة بين ترحيب غربي بالاتفاق باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا، ورفض من قوى المقاومة وإيران التي تعتبره تنازلًا يمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه عسكريًا. ويرى أن تعثر الاتفاق قد يقود إما إلى استمرار حالة اللاسلم واللاحرب مع بقاء الاحتلال، أو إلى تجدد المواجهات العسكرية، معتبرًا أن الاتفاق، من وجهة نظره، يمثل تحولًا يتجاوز كونه ترتيبًا أمنيًا مؤقتًا، لأنه يعيد ربط قضايا السيادة اللبنانية بشروط أمنية وسياسية قد تعيد رسم قواعد الصراع في المنطقة إذا كُتب له التنفيذ.