فى التاريخ دائما هناك «أيام لا تنسى»، أيام فارقة لا تقاس بالساعات، بل بما أحدثته من تحول فى مصير الأمم، وفى صدارة تلك الأيام الخالدة تتجلى ثورة الثلاثين من يونيو 2013، حين استعاد الشعب المصرى وعيه وهويته وانتفض واقتلع محاولات طمس الشخصية الوطنية ليعلن للعالم أجمع أن مصر للمصريين، وعصية على الاختطاف، وتزامنًا مع الذكرى الثالثة عشرة لملحمة يونيو المجيدة، تلتقى «المصور» فى حوار من نوع خاص، مع قامة إعلامية عاصرت الأحداث من قلب «مطبخ القرار الإعلامي» هو الإعلامى الكبير مجدى لاشين، الأمين العام للهيئة الوطنية للإعلام.
فى الحوار التالي، يفتح «لاشين» الصندوق الأسود لكواليس ماسبيرو أثناء الثورة، ويروى تفاصيل ومواقف تُكشف لأول مرة عن صدامه مع أخونة الإعلام، والتى انتهت بقرار إقالته من رئاسة القناة الأولى فى عهد وزير الإعلام الإخواني، كما يضع النقاط على الحروف بشأن خطة التطوير الشاملة التى تشهدها الشاشات والإذاعات المصرية فى ظل الجمهورية الجديدة، موجهًا رسائل مكاشفة واستشرافا للمستقبل إلى شباب الجيل الحالي.. وإلى تفاصيل الحوار:
بداية، كيف ترى دور الإعلام المصرى فى ثورة 30 يونيو؟
لعب الإعلام المصرى بكل روافده دورًا محوريًا وأساسيًا فى أحداث ثورة 30 يونيو 2013، حيث أسهم فى تشكيل الوعى وتعبئة الرأى العام المصرى ضد سياسات جماعة الإخوان من ترهيب وكشف حقائق الفساد والخيانة التى كانت موجودة آنذاك، وكان موقف الإعلاميين والصحفيين واضحا منذ البداية، رافضين هذه الجماعة المتطرفة رغم تهديدات الإخوان لهم ومحاصرة مدينة الإنتاج الإعلامى، إلا أنهم واصلوا تأدية مهمتهم الوطنية، وكانوا فى نفس الوقت داخل استوديوهات مدينة الإنتاج الإعلامى يعارضونهم ويكشفونهم أمام الرأى العام، فمصر أكبر من أى جماعة.
كيف أسهم الإعلام فى إيصال رسالة الشعب الواضحة إلى القوات المسلحة للتدخل وحماية الدولة من الانهيار؟
من وجهة نظرى كان التليفزيون المصرى همزة الوصل الحقيقية بين الدولة والشعب خلال تلك المرحلة الفارقة، إذ نجح فى نقل الصورة الكاملة لما كان يحدث على الأرض، فقد كانت شاشاته تبث على مدار الساعة من مختلف المحافظات والميادين، وتنقل مشاهد خروج ملايين المصريين للمطالبة بإنقاذ الدولة والحفاظ على هويتها، ولم يقتصر دور الإعلام على تغطية أحداث 30 يونيو، بل استمر فى نقل التطورات التى أعقبتها بما شهدته من أعمال عنف وتخريب، واستهداف لأقسام الشرطة وإشعال للحرائق واعتصامات داخل بعض المساجد، فضلًا عن الاعتداءات المسلحة على المواطنين فى الشوارع، الأمر الذى كشف حجم التحديات التى كانت تواجه الدولة.
وفى ظل هذه الأوضاع، جاء تدخل القوات المسلحة، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسى آنذاك، استجابة لمطالب الملايين من المصريين، حيث لعبت دورا وطنيا واستراتيجيا فى حماية مؤسسات الدولة ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى أو الحرب الأهلية، كما أكدت هذه المرحلة أن الجيش المصرى جيش وطنى ينحاز إلى شعبه ويتميز بعقيدته الوطنية بعيدًا عن أى ولاءات أو انتماءات متطرفة، وفى تقديرى ستظل ثورة 30 يونيو محطة تاريخية جسدت إرادة الشعب، بينما قامت القوات المسلحة بحماية هذه الإرادة وصون الدولة المصرية.
كيف تعامل الإعلام المصرى مع الإعلام الخارجى فى نقل نبض الجماهير الرافضة لحكم جماعة الإخوان؟
أرى أن الإعلام المصرى كان المحرك الرئيسى فى نقل أحداث ثورة 30 يونيو إلى الرأى العام، ولعب دورًا بارزًا فى مواكبة الحراك الشعبى وإبراز حجم المشاركة الجماهيرية فى الشوارع والميادين، بما عكس للعالم أن ما جرى كان تعبيرا عن إرادة شعبية واسعة لرفض حكم جماعة الإخوان، كما واصل الإعلام أداء دوره خلال المرحلة التالية من خلال عرض التطورات على الأرض والرد على الروايات التى شككت فى طبيعة ما حدث، وأن 30 يونيو كانت ثورة شعبية وليس كما روجت بعض الجماعات والتنظيمات فى الداخل والخارج، وكذلك أسهم فى تسليط الضوء على أعمال العنف والتخريب واستهداف مؤسسات الدولة، وكشف العديد من الممارسات التى شهدتها تلك الفترة.
أما فيما يتعلق بالإعلام الخارجي، فمن الطبيعى أن تتحكم فى توجهات عدد من المؤسسات الإعلامية اعتبارات سياسية ومصالح الدول التى تنتمى إليها، وهو ما ينعكس على طريقة تناولها للأحداث، وفى المقابل حرص الإعلام المصرى على نقل صورة ما يجرى من وجهة نظره، وإيصال رسالة الشارع المصرى إلى الرأى العام الدولي، وكانت الحشود المليونية التى خرجت فى مختلف المحافظات خير دليل على حجم التأييد الشعبى لما شهدته البلاد فى 30 يونيو.
لماذا أصرت الجماعة الإرهابية على أخونة مؤسسات الدولة الصحفية والإعلامية؟
منذ تولى الإخوانى صلاح عبد المقصود وزارة الإعلام، كانت هناك خطة واضحة وممنهجة لأخونة المؤسسات الإعلامية والصحفية، فقد سعت جماعة الإخوان إلى إحكام سيطرتها على وسائل الإعلام باعتبارها أداة مؤثرة فى تشكيل الرأى العام واحتكار الرواية السياسية وبسط نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وكان هذا التوجه يتماشى مع استراتيجية الجماعة القائمة على الولاء التنظيمي، إذ كانت تنظر إلى الإعلام باعتباره وسيلة رئيسية لحشد الأنصار والدفاع عن سياساتها ومواجهة خصومها، فضلا عن استخدامه فى كسب التأييد الشعبى بما يخدم أهدافها السياسية.
وأحب أن أوضح أننى كنت من أوائل من تعرضوا للإبعاد خلال تلك المرحلة، ففى ذلك الوقت كنت رئيسًا للقناة الأولى، ومسؤولا عن الإشراف على برامجها، ومن بينها برنامج «استوديو 27»، الذى اتهمه وزير الإعلام آنذاك بأنه يهاجم جماعة الإخوان، وكنت أرفض أى تعليمات تستهدف توجيه المحتوى الإعلامى لخدمة فصيل بعينه، انطلاقًا من إيمانى بأن التليفزيون المصرى هو إعلام الدولة والشعب، وليس إعلام جماعة أو حزب أو أفراد، وعندما تمسكت بهذا الموقف وأعلنت رأيى بوضوح كنت من أوائل الذين تم إنهاء تكليفهم، وقد تقبلت القرار بصدر رحب لأننى كنت سأختار الاستقالة إذا فرض عليَّ التخلى عن المبادئ المهنية التى تعلمناها داخل ماسبيرو، وفى مقدمتها أن الإعلام رسالة ومسؤولية وطنية قبل أن يكون وظيفة.
وعلى مدار ما يقرب من أربعين عامًا من العمل الإعلامى حرصت دائما على أداء واجبى بما يمليه على ضميرى المهني، ولم أقبل يوما أن ينسب إلى انحياز لجماعة أو أن يشكك أحد فى موقفى الوطنى، وكانت مصلحة الوطن هى البوصلة التى وجهت جميع المهام والمسؤوليات التى توليتها طوال مسيرتى المهنية.
كيف ترى دور الرئيس عبد الفتاح السيسى فى توضيح القضايا الداخلية خلال زياراته الخارجية، وانعكاس ذلك على التوازن الإعلامى والسياسى لصالح مصر؟
أرى أن الدبلوماسية الرئاسية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نجحت فى إعادة التوازن الإعلامى والسياسى لصالح مصر من خلال جولات خارجية مكثفة واتصالات مباشرة مع قادة الدول والمنظمات الدولية، فقد أسهمت هذه الزيارات فى عرض الموقف المصرى تجاه مختلف القضايا بوضوح وتوضيح الحقائق والرد على العديد من الشائعات والتفسيرات المغلوطة التى كانت تثار بشأن الأوضاع فى مصر، كما حرص الرئيس خلال لقاءاته الخارجية على شرح التحديات، التى واجهتها الدولة فى أعقاب أحداث 30 يونيو، واستعراض جهودها فى مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار، وتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادى والتنمية، وأسهم هذا النهج فى تعزيز صورة مصر على الساحة الدولية وترسيخ مكانتها باعتبارها دولة محورية فى دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن تعزيز الثقة الدولية فى مسار الإصلاح والتنمية الذى تنتهجه الدولة.
وماذا عن دور الإعلام فى دعم الدولة المصرية.؟
الإعلام المصرى كان وما يزال داعمًا للدولة المصرية، انطلاقًا من إدراكه لحجم التحديات التى تواجهها البلاد، وإن كان الأداء فى بعض الفترات قد يفتقد أحيانا إلى القدر الكافى من الحياد أو الاحترافية، ومع ذلك ترسخت لدى قطاعات واسعة من المواطنين قناعة بأن الإعلام الوطنى يقف إلى جانب الدولة فى القضايا المصيرية، وقد تجلى هذا الدور فى تسليط الضوء على المشروعات القومية وخطط التنمية عبر شاشات التليفزيون المصرى ووسائل الإعلام المختلفة، بما أسهم فى تعريف المواطنين بحجم ما يُنفذ على أرض الواقع.
وفى تقديري، لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار فقط، بل يمتد ليكون ظهيرا استراتيجيا للدولة من خلال توعية المواطنين بالسياسات والقرارات الوطنية، والتصدى للشائعات والمعلومات المضللة، وإبراز الإنجازات والمشروعات القومية بما يعزز الانتماء والوعي، فضلًا عن المساهمة فى دعم تماسك الجبهة الداخلية فى مواجهة مختلف التحديات الاقتصادية والسياسية.
حدثنا عن دور «ماسبيرو» فى توعية الشباب وحمايتهم من الفكر المتطرف؟
تلعب الهيئة الوطنية للإعلام ممثلة فى ماسبيرو، دورا محوريا فى تعزيز وعى الشباب وحمايتهم من الأفكار المتطرفة، من خلال تقديم محتوى إعلامى وثقافى ودرامى يرسخ الهوية المصرية وقيم المواطنة والانتماء، وتستند الهيئة إلى خطط برامجية تستهدف نشر الوعى ومواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة بالحقائق، إلى جانب ترسيخ قيم الاعتدال وقبول الآخر، ويحرص التليفزيون المصرى على تقديم أعمال درامية ووثائقية تبرز بطولات القوات المسلحة والشرطة، وتوثق محطات مهمة من تاريخ مصر الحديث، مثل مسلسلى «الاختيار» و«الكتيبة 101»، بما يسهم فى تنمية الروح الوطنية لدى الشباب وتعريفهم بحجم التضحيات التى بذلت للحفاظ على أمن الوطن واستقراره.
وفى إطار مواكبة التطور التكنولوجى توسعت الهيئة الوطنية للإعلام فى إطلاق منصات رقمية وتطبيقات حديثة، إلى جانب تفعيل حضورها على مواقع التواصل الاجتماعى بهدف تقديم محتوى تفاعلى يلائم اهتمامات الشباب ويصل إليهم بسرعة وسهولة، وفى النهاية أؤكد أن انحيازنا الأول والأخير كان وسيظل للدولة المصرية وللحفاظ على الأمن القومي، وهى المبادئ التى تربينا عليها منذ التحاقنا بماسبيرو، وظلت حاضرة فى كل ما قدمناه من عمل إعلامى على مدار سنوات طويلة.
ما أبرز التطورات التى شهدها ماسبيرو خلال المرحلة الماضية؟
منذ تولى الكاتب الصحفى أحمد المسلمانى رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام، وتولى منصب الأمين العام للهيئة وضعنا نصب أعيننا هدفا رئيسيا يتمثل فى استعادة الصورة الذهنية للتليفزيون المصري، وإعادة المشاهد إلى شاشات ماسبيرو، وهو ما تطلب التعامل مع العديد من التحديات المتراكمة، وخلال الفترة الماضية شهد ماسبيرو خطة تطوير شاملة شملت إعادة هيكلة المحتوى الإعلامى وتحديث البنية التحتية، إلى جانب إطلاق هوية بصرية جديدة للقنوات وفى مقدمتها الفضائية المصرية والقنوات الموجهة، من خلال تصميمات وشعارات حديثة تعكس الهوية الوطنية مع تحسين جودة الصورة والصوت بما يتواكب مع المعايير الإعلامية الحديثة.