هل يعود الإخوان إلى الحكم؟.. هذا السؤال مازال مطروحا بعد مرور نحو ثلاثة عشر عاما على التخلص من حكم الإخوان، ولذلك سعيت للإجابة عليه فى الفصل الأخير لكتابى الجديد الذى أعكف الآن على إعداده وعنوانه (الأسئلة الشائكة بانتفاضتى يناير ويونيو) ..
وهذه الإجابة تقتضى أن نعرف أولا الظروف التى هيأت لوصول الإخوان إلى الحكم ثم نبحث هل هذه الظروف ما زالت موجودة أم اختفت؟.. وإن كانت اختفت هل من الممكن أن تعود مجددا فى المدى المنظور لتمنح الإخوان فرصة جديدة للوصول إلى حكم البلاد مجددا؟!
وقد تنوعت هذه الظروف ما بين ظروف خارجية وأخرى داخلية .. أما الظروف الخارجية فقد تمثلت فى دعم الأمريكان للإخوان للإمساك بحكم عدد من البلاد العربية فى صدارتها مصر، فى إطار خطة أمريكية لإعادة صياغة منطقتنا، كان من أعدوها يراهنون على أن تكبح جماعة الإخوان جماح التنظيمات الإرهابية الكبيرة (القاعدة وداعش)، وهى الخطة التى جعلت أمريكا تنتهج سياسة تغيير الأنظمة السياسية من الخارج .. وقد ظلت تتمسك بهذه السياسة رغم تعاقب رؤساء عليها اختلفت انتماءاتهم الحزبية ما بين جمهورى وديمقراطى.
وكان هذا الدعم الأمريكى للإخوان ثمرة اتصالات ومباحثات أثمرت لأكثر من سبع سنوات وتوجت بزيارة الرئيس الأمريكى كارتر لهم فى مقر جماعتهم الجديد بالمقطم .. وفى هذه الاتصالات اطمأن الأمريكان على أن الإخوان سوف يطيعونهم وسيحافظون على اتفاق كامب ديفيد وسيتعاملون مع إسرائيل بشكل جيد، أما الظروف الداخلية التى هيأت لوصول الإخوان لحكم البلاد فقد تمثلت أولا فى نجاح الإخوان على مدى سنوات فى خداع قوى سياسية مدنية، فاعتبروهم يمثلون فصيلا وطنيا وليسوا أعضاء فى جماعة إرهابية أو فى جماعة هى أصل التطرّف والإرهاب فى البلاد، والتى تحت عباءتها ولدت كل التنظيمات الإرهابية فى البلاد، ولذلك تحالفوا معها وساعدوها على السيطرة على البرلمان، ودعموا مرشحها فى الانتخابات الرئاسية ومكنوه من الفوز فيها، بل إن خداع الإخوان لم يقتصر على بعض القوى السياسية المدنية فقط وإنما اتسع ليطال قطاعات من المواطنين العاديين صدقوا أنهم كما ادعوا يسعون بالخير لهم .. لذلك منحوهم أصواتهم فى انتخابات البرلمان فحصلوا على الأكثرية فيه، وتكرر ذات الشيء فى الانتخابات الرئاسية ليصل مرسى لمنصب رئيس الجمهورية، ويضاف إلى ذلك كله أن الإخوان كانوا يملكون جماعة كبيرة قوية لا تخضع لرقابة وإشراف أية جهة مثلما هو حال منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية، ولذلك رفضوا تقنين أوضاعها بعد إنشاء حزب لهم، وتملك هذه الجماعة أموالا غزيرة فى الداخل والخارج جمعتها بالتبرعات وعوائد الاستثمارات، وتنفق بسخاء على أنشطتها وأعمالها، ابتداء من شراء أصوات الناخبين فى الانتخابات وحتى تدريب عناصر تنظيمها السرى المسلح وإعداده لممارسة العنف، وهؤلاء هم من قاموا بالتفجيرات وأعمال العنف التى شهدتها البلاد بعد الثالث من يوليو عام 2013، وتحديدا بعد فض اعتصام رابعة، والسؤال الآن هل هذه الظروف موجودة وبأى قدر أم اختفت؟!.. وأيضاً هل يمكن أن تعود فى المدى المنظور؟!
وبالنسبة لدعم الأمريكان للإخوان للوصول إلى الحكم فإن ذلك لم يعد موجودا رغم أن أمريكا لم تكف عن نهج تغيير الأنظمة السياسية من الخارج الذى نفذته فى فنزويلا ونجحت ونفذته فى إيران ولم تنجح حتى الآن .. فإن الإدارة الأمريكية تعتبر الآن فى عهد ترامب جماعة الإخوان فى مصر جماعة إرهابية، وبالتالى لن تدعمها أو تساعدها للوصرل إلى حكم مصر .. ولكن يجب ألا ننسى أن ترامب يرأس أمريكا حتى بداية عام 2029 ويحل مكانه رئيس جديد من الوارد أن يلغى قرار ترامب الذى يعتبرها إرهابية، وبالتالى يمكنه بعدها دعم الإخوان للوصول إلى الحكم مجددا فى مصر ،أما بالنسبة لحال الجماعة داخل مصر، فإنه لا يساعد على استعادتها الحكم مجددا فى المدى المنظور .. فقد تم تصفية الهيكل التنظيمى للجماعة والقضاء على تنظيمها السرى المسلح وسوف تحتاج لوقت ليس قصيرا ولجهد ليس قليلا لإعادة بناء التنظيم الإخوانى مجددا، وقد يساعدهم فى ذلك وجود خلايا إخوانية نائمة داخل البلاد يمكن إيقاظها فى أى وقت.
كما أن الكثيرين من المواطنين العاديين أو من القوى السياسية المدنية قد برأوا من الخداع الإخوانى حينما اكتشفوا أن الإخوان لا يحملون الخير لهم بل يضمرون الشر وليسوا فصيلا وطنيا إنما هم أبناء جماعة إرهابية، وذلك بعد العنف الواسع الذى انخرط فيه الإخوان فور الإطاحة الشعبية بحكم المرشد .. وهنا يتعين أن نتنبه إلى أن الإخوان يملكون آلة إعلامية فاعلة تستهدف المواطنين وتحاول طوال السنوات الثلاثة عشرة السابقة تضليل المصريين ليتسنى لهم خداعهم مرة أخرى وتمنحهم فرصة الإمساك بالسلطة مجددا .. وهذه الآلة الإعلامية تستغل وتستثمر المشاكل المعيشية والضغوط الاقتصادية لإعادة خداع المواطنين مجددا، ولذلك علينا أن نسرع بحل هذه المشاكل وتخفيف هذه الضغوط حتى لا يمنح المواطنون آذانهم لهذه الآلة! .
وهكذا ..
فإن الظروف التى ساعدت على إمساك الإخوان بحكم البلاد عام 2012 لم تعد موجودة الآن باستثناء أن لدى الإخوان أموال غزيرة يحتفظون بها خارج مصر، وآلة إعلامية نشطة لا تتوقف عن تضليل المصريين .. بل إن الظروف الحالية معاكسة للظروف السابقة ... وبالتالى فإن عودتهم لحكم البلاد مجددا فى المدى المنظور احتمال ضعيف الآن وهم بأيديهم صنعوا هذا الضعف حينما انخرطوا فى ممارسة العنف وتعاونوا مع عناصر إرهابية فى سيناء ... وبالتالى يمكننا أن نمضى بسرعة أكبر فى مسار الإصلاح السياسى جنبا إلى جنب مع الإصلاح الاقتصادى، غير أن بعض هذه الظروف قابلة للتغير، مثل أن ياتى رئيس أمريكى يلغى قرار ترامب باعتبار الجماعة إرهابية ويدعم الإخوان للوصول إلى حكم البلاد كما حدث خلال عهد أوباما، أو مثل أن يتأثر مواطنون بالآلة الإعلامية الإخوانية ويفتر رفضهم للجماعة بسبب ما يتعرضون له من ضغوط معيشية .. ولذلك علينا أن نتحلى باليقظة حتى لا نفاجأ بعودة الإخوان للحكم مجددا .. وإذا حدث ذلك لا قدر الله سوف يعودون للانتقام منا لأننا أطحنا بهم من الحكم الذى سعوا إليه منذ ثلاثينيات القرن الماضى، وبلوغه فى العقد الثانى من القرن الحالى.