رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

"بريكست" يفاقم أزمة الزراعة البريطانية وسط تراجع الصادرات وضغوط الأسعار والمنافسة

29-6-2026 | 18:23

أزمة الزراعة البريطانية

طباعة
دار الهلال

 يواجه المزارعون البريطانيون أحدث التداعيات القاسية الناتجة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بعد تراجع سعر بيع كل رأس من ماشية اللحم بنحو 400 جنيه إسترليني؛ وهو ما يمثل ضربة كبيرة في وقت تشهد فيه جميع مدخلات الإنتاج، من الأعلاف والطاقة إلى الأسمدة، ارتفاعات حادة في الأسعار.

ويعود انخفاض الأسعار، بالنسبة للماشية التي يتراوح سعرها عادة بين 2000 و3000 جنيه إسترليني للرأس الواحدة، إلى تدفق كميات كبيرة من اللحوم الأرخص القادمة من أستراليا، نتيجة أحد الاتفاقيات التجارية الجديدة التي وقعتها الحكومة منذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وبينما ظلت أسعار لحوم الأبقار في المتاجر الكبرى مستقرة إلى حد كبير، شهدت دخول المزارعين تراجعًا حادًا.

وبالنسبة للمزارعين، يبدو أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أصبح أزمة مستمرة، حيث أظهرت دراسة نُشرت العام الماضي أن حجم صادرات المنتجات الزراعية إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يعد أكبر سوق للمنتجات الزراعية البريطانية، انخفض بنحو 47%، بينما تراجعت قيمتها بنسبة 35%، كما انخفض تنوع المنتجات المصدرة بمقدار الثلث. وفق صحيفة "الجارديان" البريطانية.

وأظهر تحليل منفصل نشره الاتحاد الوطني للمزارعين في وقت سابق من هذا العام أن صادرات قطاع الدواجن تراجعت بنسبة 38%، ولحوم الأبقار بنسبة 24%، ولحوم الأغنام بنسبة 14%، ومنتجات الألبان بنسبة 16%.

ولم تقتصر تكلفة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على المزارعين فقط، إذ أظهرت دراسة أجريت في عام 2023 أنه أضاف بالفعل نحو 7 مليارات جنيه إسترليني إلى فاتورة أسعار الغذاء التي يتحملها المستهلكون.

ولم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الكارثة الوحيدة التي واجهت المزارعين خلال العقد الماضي، إذ ساهمت جائحة كورونا، وصدمات الطاقة الناتجة عن الحربين في أوكرانيا وإيران، إضافة إلى الظواهر الجوية المتطرفة، في تفاقم الأضرار.

وقال توم برادشو، رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين: «لقد واجهنا العديد من التحديات العالمية، ولذلك من الصعب تحديد حجم الأضرار الناتجة عن مغادرة الاتحاد الأوروبي مقارنة بالاضطرابات العالمية، لكننا حذرنا دائمًا من أن تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يكون فوريًا، بل سيكون أشبه بالموت عبر ألف جرح، أو احتراقًا بطيئًا، وهذا بالضبط ما نشهده الآن».

وأحدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثلاثة تغييرات كبرى في القطاع الزراعي البريطاني، تمثلت في انسحاب المملكة المتحدة من السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي؛ وهو نظام الدعم الذي كان مطبقًا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتغيير السياسة التجارية بما سمح بدخول كميات كبيرة من الواردات، التي يقول المزارعون إن كثيرًا منها يُنتج وفق معايير أقل من نظيراتها البريطانية، إلى جانب فرض قيود تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي، الذي كان يمثل أكبر سوق لصادرات الغذاء البريطانية.

كما رافقت هذه التغييرات تعديلات في اللوائح البيئية ومعايير رعاية الحيوان، وصعوبات في منح التأشيرات للعمال الموسميين الذين يعتمد عليهم كثير من المزارعين خلال مواسم الحصاد، فضلًا عن زيادة هائلة في الإجراءات الورقية، رغم أن مؤيدي الخروج كانوا يؤكدون أن الانفصال سيقلل من البيروقراطية.

وتقول الحكومة البريطانية إن 65% من الغذاء الذي يستهلكه البريطانيون لا يزال يُنتج محليًا، ويؤكد الوزراء أنهم يحاولون تحقيق أفضل النتائج الممكنة في ظل الظروف الحالية.

وقال وزير الزراعة البريطاني ستيفن مورجان: «كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كارثيًا على القطاع الزراعي، وحتى المحافظون يعترفون بأنهم زادوا الوضع سوءًا من خلال الاتفاقيات التجارية السيئة التي أبرموها، أما حكومة حزب العمال، فهي تدعم المزارعين البريطانيين عبر خفض ملايين الجنيهات من الأعباء البيروقراطية بفضل الاتفاق الجديد مع الاتحاد الأوروبي، وتأمين اتفاق تجاري تاريخي مع دول الخليج بقيمة 800 مليون جنيه إسترليني، إضافة إلى تخصيص ميزانية قياسية للزراعة تبلغ 11.8 مليار جنيه إسترليني».

ويعد إصلاح نظام الدعم الزراعي أكثر التداعيات وضوحًا بالنسبة للمزارعين، إذ يمثل أكبر تغيير في أكثر من جيل، وكان وزير البيئة السابق مايكل جوف، أحد أبرز مهندسي خروج حزب المحافظين من الاتحاد الأوروبي، قد أعلن عن إصلاحات واسعة تقضي بتوجيه «الأموال العامة مقابل المنافع العامة».

ورحب المزارعون والناشطون البيئيون بهذه الوعود في البداية، إذ لطالما تعرضت السياسة الزراعية المشتركة لانتقادات باعتبارها «دعمًا للأثرياء»، بسبب منحها أكبر الحيازات الزراعية النصيب الأكبر من الإعانات، مع تجاهل الآثار البيئية الناتجة عن الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة وأساليب الزراعة المكثفة.

وكانت إصلاحات جوف تعني أن المزارعين، في إنجلترا على الأقل، سيصبحون مطالبين بإثبات أن إدارتهم للأراضي تسهم في حماية الطبيعة، والحفاظ على جودة الهواء والمياه، وتحسين التربة، وتوفير موائل للحياة البرية.

وتعرف هذه البرامج مجتمعة باسم برامج الإدارة البيئية للأراضي، والتي يلتزم المزارعون بموجبها بتنفيذ إجراءات متعددة، مثل زراعة محاصيل تغطية لتحسين التربة، أو ترك حدود من الزهور البرية، إلا أن التطبيق العملي لم يسر كما خُطط له، إذ أعاقت التنفيذ حالات التأخير، والتعديلات المتكررة، وصعوبات القياس، وتغييرات الوزراء المتعاقبة، وغيرها من الاضطرابات.

ويواجه المزارعون في إنجلترا الآن نهاية نظام المدفوعات التقليدي المرتبط بالأراضي اعتبارًا من العام المقبل، في حين اتسم الانتقال إلى برنامج الحوافز الزراعية المستدامة، وبرنامج استعادة المناظر الطبيعية، وبقية برامج الإدارة البيئية، بالتعثر وعدم الانتظام.

وتبلغ ميزانية دعم المزارع في إنجلترا وحدها نحو 2.3 مليار جنيه إسترليني سنويًا، وهو مستوى مماثل لما كان عليه قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لكنها لم ترتفع بما يتناسب مع معدلات التضخم.

وفي إنجلترا، لا يحصل على المدفوعات حاليًا سوى نحو نصف المزارعين، بينما يعجز الباقون أو يمتنعون عن التقدم للبرامج المتاحة، أما أنظمة الدعم الزراعي في الحكومات المحلية بالمملكة المتحدة فقد أصبحت تختلف بشكل كبير، ويُخصص لها ما يقارب مليار جنيه إسترليني سنويًا، كما أدى فرض قيود تجارية جديدة مع أوروبا إلى خروج عدد من صغار المنتجين من السوق.

وقال توم لانكستر، رئيس قسم الأراضي والغذاء والزراعة في وحدة استخبارات الطاقة والمناخ: «كان تأثير ذلك على الزراعة والغذاء أكبر من تأثيره على القطاعات الأخرى، خصوصًا بالنسبة لمن يرغبون في تصدير المنتجات الحيوانية من المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي. فقد أصبح الأمر أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة لصغار المنتجين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الشحن المرتفعة لإرسال شحنات صغيرة».

ويرى لانكستر أن إعادة ضبط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي التي وعدت بها حكومة حزب العمال قد تخفف بعض هذه المشكلات، لكنها لن تحلها جميعًا، موضحًا: «يدور حاليًا نقاش حقيقي حول من سيكون الرابح والخاسر من إعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي»، وأضاف أن بعض الشركات الصغيرة لن تتمكن من التعافي بعد خمس سنوات من الخسائر.

كما وعد المحافظون بأن يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أكثر مراعاة للبيئة، مع منح المزارعين دورًا محوريًا في ذلك، لكن تقريرًا أصدرته هذا الأسبوع مؤسسة صناديق الحياة البرية أظهر أن الواقع جاء مختلفًا تمامًا، إذ ابتعدت المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي في عدد من اللوائح البيئية الرئيسية، بينما ساهمت حكومة حزب العمال، من خلال تصوير الخفافيش وسمندل الماء كعقبة أمام مشروعات الإسكان والنمو الاقتصادي، في تدهور أوضاع الطبيعة بصورة أكبر.

كما ساهمت المخاوف من اكتفاء المزارعين بتنفيذ الحد الأدنى من الإجراءات المطلوبة للحصول على الدعم، مثل نثر بذور الزهور البرية على أطراف الحقول بدلًا من تنفيذ مشروعات أكثر أهمية مثل استعادة البرك، في قرار الحكومة إغلاق برنامج الحوافز الزراعية المستدامة بشكل مفاجئ العام الماضي.

وفي المقابل، لا تزال السياسة الزراعية المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي محل جدل، كما جرى التراجع عن عدد من إجراءات حماية البيئة في مختلف دول التكتل، حيث كادت الاحتجاجات الغاضبة التي نظمها المزارعون في عام 2024، والتي شملت إغلاق الطرق بالجرارات الزراعية وإحراق أكوام القش، أن تعرقل إصدار قانون تاريخي لاستعادة الطبيعة، كما أسهمت في إضعاف الشروط البيئية المرتبطة بالسياسة الزراعية المشتركة، التي لا تزال تستحوذ على نحو ثلث ميزانية الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، خلص أرييل برونر، المدير الإقليمي لمنظمة حماية الطبيعة في أوروبا وآسيا الوسطى، إلى أن «السياسة الزراعية المشتركة لا تزال سياسة شديدة الهدر، وضارة بالبيئة، وتكرس التفاوت الاجتماعي».

وقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت المملكة المتحدة تعد من أبرز الأصوات المطالبة بجعل هذا النظام أكثر عدالة، وأكثر مراعاة للبيئة، وأكثر كفاءة.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة