رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الحرب العالمية الثانية والعلاقة بين الشعوب

16-6-2026 | 14:50

زياد عبد التواب

طباعة
زياد عبد التواب

كثيرا ما كنت أتساءل كيف هي علاقات البشر وخاصة المواطنين من البلدان المتحاربة، ربما يكون الموقف واضحا عندما نتحدث عن صراع بين بلدين فقط لكن الامر قد يبدو اكثر تعقيدا عندما تكون الحرب بين دول وتكتلات كثيرة، فقبل الحرب العالمية الثانية كان المشهد الأوروبي أكثر تعقيدًا مما تصوره الخرائط السياسية المعقدة أصلا، فالدول التي ستتحول لاحقًا إلى أعداء لم تكن شعوبها تعيش في عزلة أو كراهية دائمة تجاه بعضها البعض كما قد يتصور البعض بل على العكس حيث كان هناك على سبيل المثال طلاب ألمان يدرسون في الجامعات البريطانية، وتجار فرنسيون يتعاملون مع المصانع الألمانية، وسياح يتنقلون بين المدن الأوروبية بمنتهى البساطة والانسيابية، صحيح أن جراح الحرب العالمية الأولى كانت لا تزال حاضرة في الذاكرة، خاصة بين الفرنسيين والألمان، وما بعدها من اتفاقيات سياسية وعلى راسها معاهدة فرساي التي وقعت في عام 1919 إيذانا بانتهاء تلك الحرب وبدء عهد من السلام برغم ما قد يبدو من جور او قلة عدالة في بعض بنودها وبالرغم من ذلك ومما خلفته الحرب من دمار، لكن هذا لم يمنع وجود علاقات إنسانية واقتصادية وثقافية واسعة.

ومع ذلك، كانت السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية تحمل في داخلها بذور ومقدمات الانفجار القادم، فمع صعود الأنظمة القومية المتشددة في ألمانيا وإيطاليا واليابان بدأت صورة "الآخر" تتغير حيث لم يعد المواطن في الدولة المنافسة مجرد جار وتغير النظر الى انه شريك تجاري فاصبح في الخطاب السياسي خصمًا محتملًا يهدد مستقبل الأمة، وهنا يظهر أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في التاريخ؛ فالحروب الكبرى لا تبدأ عادة عندما تكره الشعوب بعضها البعض، بل تبدأ غالبًا عندما تنجح الأنظمة السياسية في إقناع الشعوب بأن مصالحها وأمنها مهددان او من اجل الحصول على مكتسبات سواء تم الاعتراف بذلك او تغليف الاقناع بعبارات وشعارات ومبادئ لا خلاف عليها ولكنها ليس الحقيقة وليست بالطبع هي الغرض.

وعندما اندلعت الحرب عام 1939 دخلت العلاقات بين شعوب دول المحور والحلفاء مرحلة مختلفة تمامًا، فقد تحولت الدعاية إلى سلاح لا يقل أهمية عن الدبابات والطائرات وظهرت فيها نماذج مؤثرة مثل جوبلز والدعاية النازية حيث كانت وسائل الاعلام في ألمانيا تصور البريطانيين والأمريكيين كأعداء يسعون إلى خنق الأمة الألمانية ز استرجاع بنود معاهدة فرساي، وفي بريطانيا والولايات المتحدة كانت الدعاية تصور ألمانيا النازية باعتبارها خطرًا وجوديًا على الحضارة الأوروبية، ومع استمرار الحرب ازداد هذا الانقسام النفسي، وأصبحت صورة العدو أكثر قسوة وتجريدًا من الإنسانية.

والحقيقة ان الواقع ليس دائمًا مطابقًا لما تعرضه وتقدمه الدعاية وتلح عليه، فعلى الجبهات المختلفة ظهرت مواقف إنسانية يصعب تجاهلها، فأسرى الحرب من الطرفين كانوا في كثير من الأحيان يكتشفون أنهم يتشاركون المخاوف والأحلام نفسها وانهم جميعا بشر ربما الاختلاف في المواقع وهو امر لم يصنعوه او يسعوا اليه ولذلك تجد الكثير من الرسائل والمذكرات التي تركها الجنود والتي تكشف أن اغلبهم منهم لم يكن يحمل كراهية شخصية للطرف الآخر بقدر ما كان يؤدي واجبًا فرضته عليه ظروف عصره، أي ان الحرب كانت صراعًا بين دول وأنظمة أكثر مما كانت صراعًا بين أفراد لم يعرف بعضهم بعضًا أصلًا وهو ما اظهرته البقايا من المذكرات وبعض الأفلام الوثائقية وشهادات المصابين والناجين.

ثم جاءت السنوات الأخيرة من الحرب وصولا الى عام 1945 لتغير طبيعة العلاقة بصورة أكبر، فمع ظهور الجرائم التي ارتكبها النظام النازي في معسكرات الاعتقال وفى سكان المدن والبلدان التي قاموا بالتعدي عليها خاصة من المدنيين الأبرياء حيث تحولت نظرة كثيرا من شعوب الحلفاء تجاه ألمانيا إلى دولة ارتبط اسمها بأحداث صادمة أخلاقيًا وإنسانيًا، وفي المقابل تعرضت المدن الألمانية لقصف هائل أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، مما خلق لدى كثير من الألمان شعورًا بأنهم أيضًا ضحايا للحرب، وهكذا خرج الجميع من الحرب وهم يحملون ذكريات مختلفة ومتناقضة عن المأساة نفسها ولكن الجميع ضحايا سواء المنتصر او المهزوم.

وعندما انتهت الحرب عام 1945 كان السؤال الأكثر الحاحا هو كيف يمكن لشعوب عاشت ست سنوات من القتال والكراهية أن تعود للتعايش مرة أخرى، وكانت الإجابة التاريخية مدهشة إلى حد كبير، فبدلًا من استمرار العداء لعقود طويلة، بدأت عملية مصالحة تدريجية بين الشعوب الأوروبية، فعلى سبيل المثال أدركت كلا من فرنسا وألمانيا أن تكرار الصراع سيقود إلى كارثة جديدة، فاختارتا التعاون الاقتصادي والسياسي. ومع مرور الوقت تحول البلدان اللذان خاضا حروبًا متكررة عبر قرون إلى شريكين أساسيين في بناء أوروبا الحديثة.

أما العلاقة بين ألمانيا والولايات المتحدة أو بريطانيا فقد مرت بمراحل مشابهة، فبعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب بدأت برامج إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، وتحولت ألمانيا الغربية إلى حليف استراتيجي للغرب خلال الحرب الباردة، وهو امر لم ينجح فيه الاتحاد السوفيتي فيما يخص المانيا الشرقية وباقي دول اوروبا الشرقية بنفس القدر ثم ما لبث ان انهار ذلك بانهيار سور برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي في العقد الأخير من القرن العرشين، اما بالنسبة لليابان والولايات المتحدة، فإن العلاقة التي بدأت بحرب مدمرة وانتهت بالقنبلتين الذريتين تطورت لاحقًا إلى واحدة من أهم الشراكات السياسية والاقتصادية في العالم.

وربما تكمن أهم دلالة في هذه القصة كلها في أن الشعوب ليس من الضروري او الحتمي ان تظل محكومة بالبقاء أسرى لماضيها، فبينما كان من السهل بعد عام 1945 افتراض أن الكراهية ستستمر لأجيال ولكن أثبت التاريخ أن المصالح المشتركة والتبادل الثقافي والاعتراف بالأخطاء يمكن أن يفتحوا ابوابا جديدة للعلاقات الإنسانية، ولهذا فإن العلاقة بين شعوب دول المحور ودول الحلفاء تمثل درسًا تاريخيًا مهمًا؛ فالحرب أظهرت أقصى درجات العداء الممكنة، لكن السلام الذي تلاها أظهر أيضًا قدرة البشر على إعادة بناء الجسور حتى بعد أن تبدو مستحيلة الإصلاح وهو ما ظهر فيما بعد في السوق الأوروبية المشتركة ثم تكوين الاتحاد الأوروبي، الامر ليس بهذه المثالية أيضا فربما يعتقد البعض ان المسار كان سهلا والحقيقة انه ليس كذلك أيضا ولكن الدرس المستفاد انه لابديل عن السلام والتعاون فاى بديل اخر يحمل الخراب والدمار للجميع، المنتصر والمهزوم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة