يستند المثلث الذهبى إلى ثلاثة مقومات رئيسية تمنحه أهمية استثنائية على خريطة الاستثمار والتنمية فى مصر، فأول هذه المقومات هو الثروة التعدينية الهائلة؛ حيث تزخر المنطقة بالذهب والفوسفات والنحاس والحديد والرمال البيضاء والكوارتز والحجر الجيرى والبازلت، وهى خامات ذات قيمة اقتصادية مرتفعة يمكن مضاعفة عوائدها من خلال توطين الصناعات التحويلية وإنتاج السلع نصف المصنعة والنهائية بدلا من تصديرها فى صورتها الخام، أما المقوم الثانى فيتمثل فى الموقع اللوجستى الاستراتيجى على ساحل البحر الأحمر؛ إذ تحولت سفاجا إلى محور تنموى مهم ضمن الممرات التجارية الدولية، فيما تمثل محطة سفاجا 2 بوابة رئيسية لصعيد مصر، ويوفر هذا الموقع ميزة تنافسية مزدوجة تجمع بين القرب من مناطق الإنتاج والاستهلاك فى محافظات الصعيد والاتصال المباشر بالأسواق الخارجية عبر البحر الأحمر، بما يسهم فى خفض تكاليف النقل وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية فى الأسواق الآسيوية والإفريقية والخليجية.
ويتمثل المقوم الثالث فى إمكانية تأسيس قاعدة صناعية جديدة خارج نطاق الوادى والدلتا، تعتمد على استغلال الخامات التعدينية المتوافرة بالمنطقة وإدخالها فى صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة، إلى جانب إنشاء مشروعات سياحية على ساحل البحر الأحمر تستفيد من المقومات الطبيعية الفريدة للمنطقة، وتجذب أنماطا متنوعة من السياحة، ورغم أهمية هذه المقومات فإن الثروة التعدينية تظل العنصر الأكثر تأثيرا فى فلسفة إنشاء المنطقة، حيث تقوم فكرة تأسيس هيئة اقتصادية مستقلة للمثلث الذهبى على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى سلاسل قيمة محلية متكاملة، كما يستهدف المشروع الربط بين مناطق الإنتاج وممرات النقل الرئيسية وعلى رأسها محور «سفاجا - قنا - أبو طرطور»، لدمج المنطقة ضمن شبكة ممرات لوجستية دولية تربط مواقع الإنتاج بالموانئ البحرية، بما يسهم فى زيادة الصادرات وتوفير فرص عمل جديدة والحد من الهجرة الداخلية من محافظات الصعيد.
ويمثل هذا المثلث نموذجا لإقليم اقتصادى متكامل يجمع بين الثروة التعدينية فى الصحراء الشرقية، والقدرات اللوجستية التى يوفرها البحر الأحمر، والعمق السكانى والإنتاجى لمحافظات الصعيد، إلى جانب فرص إقامة مشروعات صناعية وسياحية وتجارية وزراعية متنوعة تستهدف توسيع قاعدة النمو الاقتصادى فى المحافظات الجنوبية، فعند تأسيس المشروع أشارت التقديرات إلى أن المنطقة تضم ما يقرب من 75 فى المائة من الموارد التعدينية فى مصر من الذهب والفوسفات والجرانيت والنحاس والحديد وغيرها من الخامات الاستراتيجية، غير أن الواقع الاستثمارى لم يواكب هذه الطموحات حتى الآن، إذ أرجأت اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب مناقشة موازنة الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية للمثلث الذهبى للعام المالى 2027/2026، فى ظل محدودية الإيرادات الذاتية للهيئة وعدم ظهور عوائد ملموسة من الأنشطة التعدينية أو الصناعية أو الاستثمارية، وهو ما يفتح الباب أمام البحث فى أسباب تعثر جذب الاستثمارات إلى المنطقة، والتحديات التى تواجه تنفيذ المشروع، ومدى الحاجة إلى تدخلات عاجلة لتحويل المثلث الذهبى من مشروع واعد على الورق إلى قاطرة حقيقية للتنمية فى صعيد مصر.
فى هذا السياق، أكد الدكتور إبراهيم هاشم زيدان، أستاذ الجيوكيمياء بهيئة المواد النووية واستشارى الجيولوجيا والتعدين، أن منطقة المثلث الذهبى تتمتع بموقع استثمارى فريد يؤهلها لاستقطاب مشروعات متنوعة فى قطاعات السياحة والزراعة والتعدين، كما أن المنطقة تمتلك مقومات طبيعية وجغرافية، تجعلها من أبرز المناطق الواعدة للتنمية الاقتصادية فى مصر، والمثلث «هبة ربانية» لما يملكه من إمكانات استثنائية؛ إذ يمتد على ساحل البحر الأحمر لمسافة تقارب 70 كيلومترا، بما يوفر فرصا كبيرة للاستثمار فى الأنشطة السياحية الشاطئية، كما يمتد غربا حتى نهر النيل، ويحده من الشمال طريق «سفاجا - قنا» ومن الجنوب طريق القصير - قفط» وهما من أهم المحاور التنموية التى تمثل شرايين حيوية لدعم الأنشطة التعدينية والزراعية، وتمتد لمسافات تتجاوز 150 كيلومترا.
وأشار «زيدان» إلى أن الطبيعة الجيولوجية للمنطقة تنقسم إلى صخور رسوبية فى الجزء الغربى وصخور نارية ومتحولة فى الجزء الشرقى، وهو ما يفتح المجال أمام تنوع الأنشطة الاقتصادية الممكنة، كما أن الجانب الغربى من المثلث يمتلك مقومات مناسبة للتوسع الزراعى اعتمادا على المياه الجوفية الموجودة فى الحجر الرملى النوبى، شريطة إجراء الدراسات اللازمة لتقييم الاحتياطيات المائية وجودتها، وهذه المناطق غنية كذلك بالطفلات الطينية المحتوية على عناصر الفوسفور والبوتاسيوم والجبس، والتى يمكن استخدامها كمحسنات للتربة الزراعية، كما أن الجانب الغربى يضم أيضا تكوينات واسعة من صخور الفوسفات ما يتيح فرصا لإقامة صناعات تعتمد على هذه الخامات، وفى مقدمتها صناعة الأسمدة الفوسفاتية وحمض الفوسفوريك، وتحقيق الاستفادة الاقتصادية القصوى من هذه الموارد يتطلب استكمال الدراسات الجيولوجية اللازمة لتحديد الاحتياطيات المؤكدة، ووضع خطط استثمارية قائمة على أسس علمية دقيقة، أما الجانب الشرقى فهو غنى بالمعادن والثروات التعدينية كالذهب والفضة، والبلاتين والنحاس، والتنجستين والكروم، بالإضافة إلى المواد النووية والحديد، والفوسفات والفلسبار والكوارتز، كما توجد بها أحجار الزينة التى يمكن أن تقام عليها صناعات محجرية مهمة مثل الرخام والجرانيت بألوانها المختلفة، ويشجع على ذلك قربها من موانئ سفاجا.
وأوضح «زيدان» أن منطقة المثلث الذهبى تتمتع بأهمية اقتصادية ولوجستية كبيرة، لما تملكه من مقومات تؤهلها لتكون مركزا متكاملا للأنشطة السياحية والزراعية والتعدينية، فضلا عن إمكانية تحويلها إلى منطقة صناعية وسياحية واعدة، فقرب المنطقة من الموانئ البحرية كان أحد العوامل الرئيسية التى دفعت القيادة السياسية إلى إصدار قرار جمهورى بإنشاء هيئة المثلث الذهبى عام 2017، ورغم مرور سنوات على تأسيس الهيئة فإن المنطقة لم تحقق بعد العائد المأمول منها، ولابد من إجراء دراسات شاملة للثروات التعدينية المتوافرة بها قبل طرحها للاستثمار، بما يشمل تصنيف الخامات وتحديد الاحتياطيات المؤكدة وفقا للأكواد والمعايير الدولية المعتمدة فى قطاع التعدين.
وشدد على أهمية الاستعانة بالخبرات الوطنية المتخصصة فى مجال التعدين، والاستفادة من الإمكانات الفنية والتكنولوجية التى تمتلكها هيئة المواد النووية، والتى تضم طائرة للاستكشاف الجوى، وأجهزة معملية وجيوتقنية متطورة ووحدات تجريبية متعددة، إلى جانب كوادر فنية لديها خبرات واسعة فى أعمال الاستكشاف والتقييم التعدينى، ولابد من التنبيه هنا من عدم إغفال الدراسات البيئية عند التخطيط للمشروعات التنموية والاستثمارية بالمنطقة، خاصة فيما يتعلق بتقييم تأثير الأنشطة الصناعية على المناطق السياحية والتنموية؛ حيث يجب إنجاز هذه الدراسات قبل تحديد مواقع المشروعات الصناعية، كما أن إنشاء مناطق الصناعات التعدينية بالقرب من المناجم والمحاجر يسهم فى خفض استهلاك الوقود وتقليل الضغط على شبكات الطرق، فضلا عن ترشيد النفقات التشغيلية.
كما طالب أستاذ الجيوكيمياء بهيئة المواد النووية بإنشاء مناطق للصناعات الزراعية فى الجانب الغربى من المثلث الذهبى بالقرب من المناطق المستهدف استصلاحها وزراعتها، بما يسهم فى تعزيز القيمة المضافة للمنتجات الزراعية وتقليل تكاليف النقل والتشغيل، مع ضرورة إعداد دراسات علمية تفصيلية ودقيقة لمختلف القطاعات المستهدفة بالمنطقة سواء السياحية أو الزراعية أو التعدينية، كما يجب الاعتماد على بيانات ومعلومات موثقة عند اختيار مواقع المشروعات الاستثمارية؛ حيث إن نجاح التنمية بالمنطقة يرتبط بحسن اختيار مواقع المشروعات السياحية، وتوفير الموارد المائية اللازمة للأراضى الزراعية، وتحديد مواقع المناطق الصناعية بالقرب من الموانئ البحرية، بما يضمن تحقيق أعلى عائد اقتصادى ممكن.
ومن جانبه، أشار الدكتور مصطفى محمود إسماعيل، الخبير الاستشارى فى العلوم البيولوجية، إلى أن مشروع المثلث الذهبى يمثل أحد أهم المشروعات التنموية المتكاملة فى صعيد مصر، والدولة أولت المنطقة اهتماما خاصا من خلال إنشاء هيئة اقتصادية مستقلة لها بموجب القرار الجمهورى رقم 341 لسنة 2017، على أن يكون مقرها بمدينة سفاجا على غرار الهيئات الاقتصادية الكبرى بالدولة، كما أن الاهتمام بمنطقة المثلث الذهبى بدأ فعليا منذ عام 2013، عندما شرعت الجهات المعنية فى إعداد الدراسات والتقارير الخاصة بالمنطقة، والتى تناولت حجم الثروات التعدينية المتوافرة بها وفرص التوسع الزراعى والعمرانى وإمكانات التنمية السياحية، وأسفرت تلك الدراسات عن وضع تصور متكامل لتقسيم المنطقة إلى قطاعات متخصصة تشمل التعدين والصناعة والزراعة والسياحة وشبكات النقل.
وأكد «إسماعيل» أن المنطقة تمتلك مقومات تؤهلها للتحول إلى واحدة من أكبر المناطق الصناعية فى مصر؛ إذا ما تم استغلالها بالشكل الأمثل، كما أنها تزخر بثروات معدنية متنوعة تشمل الذهب والفوسفات والكوارتز والرمال البيضاء والبازلت والحجر الجيرى والنحاس والحديد، والقيمة الحقيقية لهذه الموارد لا تكمن فى تصديرها كخامات أولية، وإنما فى توجيهها إلى الصناعات التحويلية التى ترفع من قيمتها الاقتصادية، وتوفر فرص عمل جديدة مع الاستفادة من قرب المنطقة من الموانئ البحرية فى عمليات التصدير.
فيما أعرب عن أسفه لبطء وتيرة التنفيذ على أرض الواقع، فرغم مرور أكثر من ثمانى سنوات على إنشاء الهيئة فإن المنطقة لم تشهد حتى الآن المشروعات التنموية المأمولة بالشكل الذى يعكس حجم الإمكانات المتوافرة بها، ولابد من تفعيل دور الهيئة والاستفادة من الدراسات والأبحاث التى أُعدت بشأن المنطقة، من خلال وضع خطة استثمارية واضحة، تبدأ بقطاع التعدين وتتزامن معها إقامة المناطق الصناعية، مع تخصيص مساحات للمصانع بالقرب من مواقع المناجم والمحاجر لتعظيم الاستفادة من الخامات وتقليل تكاليف النقل، حيث إن نجاح المشروع يتطلب تحديد المساحات القابلة للزراعة وآليات توفير الموارد المائية اللازمة لها، إلى جانب حصر المناطق المؤهلة للأنشطة السياحية والمنتجعات على ساحل البحر الأحمر، ويجب تنفيذ هذه المسارات بصورة متوازية مع توفير البنية الأساسية والمرافق اللازمة من مياه وكهرباء وطرق وخدمات لوجستية، كما أن وجود دراسات تفصيلية وخطط واضحة المعالم مدعومة بحزمة من الحوافز والتسهيلات الاستثمارية من شأنه أن يسهم فى جذب الاستثمارات الأجنبية وضخ رءوس أموال جديدة فى المنطقة، مع ضرورة ربط عمل الهيئة بجداول زمنية محددة ومعلنة، تتضمن مراحل التنفيذ ومواعيد الإنجاز، بما يضمن متابعة التقدم المحقق وتحويل الخطط إلى مشروعات قائمة على أرض الواقع.
أما على الصعيد الاقتصادى، فقد أكد الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن منطقة المثلث الذهبى تمثل أحد أهم المشروعات التنموية الواعدة فى مصر، لما تمتلكه من مقومات تؤهلها للمساهمة فى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وجذب استثمارات ضخمة تدعم معدلات النمو الاقتصادى وتعزز القدرات التصديرية للدولة، ونجاح المشروع يرتبط بحسن استغلال الموارد الطبيعية والبيئية التى تتمتع بها المنطقة، والتى تشمل موقعها المتميز على ساحل البحر الأحمر، وتوافر العديد من الخامات والثروات التعدينية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، فهذه المقومات قادرة على إحداث نقلة نوعية فى مسار التنمية بالمنطقة، وتحويلها إلى واحدة من أبرز المناطق الاقتصادية فى مصر.
وأشار إلى أن «الموقع اللوجستى للمثلث الذهبى يعد من أهم عناصر قوته التنافسية، نظرا لقربه من موانئ بحرية دولية، تتيح فرصا واسعة للتبادل التجارى بين مصر ودول الخليج والقارة الآسيوية، وهو ما يمنح المشروع بعدا اقتصاديا واستراتيجيا، يعزز فرص نجاحه على المدى الطويل، كما أن التسويق يمثل الركيزة الأساسية لتطوير المنطقة وتحويلها إلى وجهة جاذبة للاستثمارات، ورغم الإمكانات الكبيرة التى تتمتع بها، فإن العائد الاقتصادى المأمول منها لم يتحقق حتى الآن بالشكل المطلوب، ولابد من تنفيذ حملات ترويجية فعالة تستهدف المستثمرين المحليين والأجانب، بالتوازى مع تقديم حوافز استثمارية مناسبة للأنشطة الصناعية والسياحية والزراعية، بما يسهم فى جذب رءوس الأموال وزيادة الطاقة الإنتاجية وخلق المزيد من فرص العمل لأبناء محافظات جنوب مصر».
وطالب «الشافعى» بسرعة تفعيل دور هيئة المثلث الذهبى على أرض الواقع من خلال إطلاق برامج تسويقية تستند إلى الدراسات والأبحاث العلمية التى أُعدت عن المنطقة، والتواصل المباشر مع المستثمرين وصناديق الاستثمار المحلية والدولية لزيادة حجم الاستثمارات وتسريع وتيرة التنفيذ، كما أن تطوير المشروع يجب أن يتم وفق مراحل متدرجة، تبدأ باستكمال البنية الأساسية والمرافق الرئيسية، يعقبها إطلاق المشروعات التعدينية والخدمية، ثم التوسع فى الصناعات التعدينية والتحويلية مع اكتمال شبكات النقل والطاقة والمياه، وصولا إلى إنشاء كتلة اقتصادية متكاملة فى جنوب مصر ترتبط بالموانئ الدولية والأسواق الخارجية.