رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كيف تجاوز الاقتصاد المصرى اختبار "الأموال الساخنة"؟


31-5-2026 | 15:59

.

طباعة
بقلم: أ.د. مصطفى أحمد رضوان.. أستاذ اقتصاديات التنمية
شهد الاقتصاد المصري خلال شهر مارس الماضي موجة خروج ملحوظة لاستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية، قُدرت بنحو 10 مليارات دولار تقريبًا، في ظل حالة التوتر الجيوسياسي التي تشهدها المنطقة واتجاه المستثمرين عالميًا نحو الأصول الأكثر أمانًا، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي والسندات الأمريكية.

وبطبيعة الحال، فإن خروج هذا الحجم من الأموال في فترة زمنية قصيرة كان كفيلًا، في سنوات سابقة، بإحداث اضطراب حاد في سوق الصرف، وخلق ضغوط قوية على الاحتياطي النقدي، وربما عودة نشاط السوق الموازية بصورة واسعة. لكن اللافت هذه المرة أن الاقتصاد المصري تعامل مع الصدمة بشكل مختلف نسبيًا، وهو ما يعكس تغيرًا مهمًا في آلية إدارة السياسة النقدية وسوق الصرف .

ففى الأزمات السابقة، يتدخل كان كان البنك المركزى يتدخل بصورة مكثفة للدفاع عن سعر صرف الجنيه والحفاظ على استقرار اسمي للعملة، حتى وإن ترتب على ذلك استنزاف جانب من الاحتياطي النقدي أو تأجيل التصحيح الحقيقي في سعر الصرف.

أما في الأزمة الأخيرة، فقد اتجه البنك المركزي المصري إلى قدر أكبر من المرونة، عبر السماح بتحرك سعر الدولار وفقًا لمعادلات العرض والطلب بصورة أسرع نسبيًا، مع التدخل لضبط إيقاع السوق ومنع حدوث اضطرابات حادة .

هذه السياسة، رغم ما صاحبها من ارتفاع نسبي في سعر الدولار، ساهمت في امتصاص الصدمة بصورة أكثر هدوءًا مقارنة بما حدث في أزمات سابقة، كما حدّت من تكوين فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

وقد حمل هذا التحول النسبى في إدارة الأزمة عددًا من المؤشرات المهمة أولًا، أصبحت سوق الصرف المصرية اكثر قدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، وهو ما يمنح الاقتصاد مرونة أفضل في مواجهة التقلبات العالمية. ثانيًا، حافظ البنك المركزي نسبيًا على مستويات الاحتياطي النقدي، بدلًا من استنزافه الكامل للدفاع عن سعر صرف ثابت، وهو ما يُعد عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الثقة بالاقتصاد المصري. ثالثًا، إن تحرك سعر الصرف بصورة أكثر واقعية يعزز من قدرة الاقتصاد على استعادة التوازن تدريجيًا، ويقلل من فرص المضاربة وعودة السوق السوداء بنفس الحدة التي شهدناها في فترات سابقة .

ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن خروج الأموال الساخنة يكشف استمرار اعتماد الاقتصاد المصري بدرجة كبيرة على تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل، وهي بطبيعتها شديدة الحساسية تجاه أي تغيرات سياسية أو مالية عالمية. كما أن الضغوط المرتبطة بارتفاع تكلفة الواردات، وأعباء الدين الخارجي، والتوترات الإقليمية، ما زالت تمثل تحديات حقيقية أمام استقرار سوق الصرف.

ومن ثم، فإن تحقيق استقرار دائم لسعر الدولار لن يتحقق فقط عبر إدارة السياسة النقدية، وإنما من خلال تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي. وهو الامر الذى يتطلب خلال المرحلة القادمة التركيز بصورة أكبر على دعم الإنتاج والصناعة المحلية، زيادة الصادرات، جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة الأجل، تعزيز إيرادات السياحة، وتحفيز تحويلات المصريين بالخارج .

فهذه المصادر تمثل الأساس الحقيقي لبناء قوة مستدامة للجنيه المصري، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على التدفقات المالية قصيرة الأجل.

خلاصة القول، أن ما حدث في مارس لم يكن مجرد أزمة خروج أموال من السوق المصرية، بل كان اختبارًا مهمًا لمدى قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات الخارجية في ظل سياسة سعر صرف أكثر مرونة .

ورغم استمرار التحديات، فإن طريقة إدارة الأزمة هذه المرة عكست تحولًا واضحًا نحو امتصاص الصدمات بدلًا من تأجيلها، وهو تطور قد يكون إيجابيًا على المدى المتوسط إذا تزامن مع إصلاحات اقتصادية وإنتاجية حقيقية تدعم قدرة الاقتصاد على النمو المستدام.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة