تحل علينا اليوم ذكرى رحيل عمر خورشيد، أحد أهم وأشهر الموسيقيين في تاريخ الفن المصري والعربي، والذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يترك بصمة استثنائية جعلته أيقونة فنية لا تُنسى، بعدما قدّم أسلوبًا مختلفًا في العزف على آلة الجيتار، ومزج بين الموسيقى الشرقية والغربية بطريقة أبهرت الجمهور والنقاد، حتى لُقب بـ«ملك الجيتار». وبرغم رحيله المبكر، ما زال اسمه حاضرًا بقوة في ذاكرة الفن العربي باعتباره واحدًا من أكثر الفنانين تأثيرًا وتميزًا.
وُلد عمر خورشيد في حي عابدين بالقاهرة يوم 9 أبريل عام 1945 داخل أسرة فنية عريقة، فوالده هو المصور السينمائي أحمد خورشيد، الذي كانت تربطه علاقات واسعة بكبار نجوم الفن والثقافة، بينما كانت والدته عواطف هاشم من سيدات المجتمع.
عاش عمر طفولة مختلفة بعد انفصال والديه وهو صغير، لكنه وجد في الموسيقى عالمه الخاص الذي عبر من خلاله عن موهبته الكبيرة، فالتحق بالمعهد اليوناني للفيلهارموني وبدأ تعلم الموسيقى والعزف على الجيتار في سن مبكرة، ليظهر سريعًا تفوقه وقدرته على تطوير الأداء الموسيقي بشكل غير مسبوق.
كوّن عمر خورشيد في بداياته فرقة موسيقية صغيرة، ثم انضم بعد ذلك إلى فرقة «لا بيتي شاه» التي كانت نقطة التحول الكبرى في حياته، حيث شاهده خلالها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وأعجب بموهبته، ليطلب انضمامه إلى الفرقة الماسية، ومن هنا بدأت رحلة الشهرة الحقيقية. وكان عمر خورشيد أول من أدخل آلة الجيتار بشكل احترافي إلى الموسيقى الشرقية، فنجح في تطويعها لتناسب الطرب العربي، وهو ما جعله مطلوبًا لدى كبار النجوم.
تعاون عمر خورشيد مع عمالقة الغناء العربي، فشارك بالعزف مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وفايزة أحمد وغيرهم من النجوم، وترك بصمته الواضحة في عشرات الأغنيات الشهيرة التي ما زالت خالدة حتى اليوم. وتميز بأسلوبه الساحر في العزف، فكان قادرًا على تقديم حالة موسيقية خاصة تمزج بين الرومانسية والشجن والطرب الأصيل.
كما قدّم عمر خورشيد مجموعة من المؤلفات والمعزوفات الموسيقية الخاصة التي عكست شخصيته الفنية المتفردة، ومن أبرزها: "أول همسة"، "اللقاء الثاني"، "حبيبتي"، "الربيع"، "رحيل"، و"العزف على الناي"، وهي الأعمال التي عكست رؤيته الموسيقية المتطورة وأسلوبه المتفرد في العزف والتوزيع. كما كان لعزفه وتوزيعاته الموسيقية حضور مميز في عدد من الأعمال الخالدة مع كبار المطربين، مثل "قارئة الفنجان"، "من أجل عينيك"، "زي الهوا"، "توبة"، و"أنا لك على طول"، ليصبح أحد أبرز الموسيقيين الذين ساهموا في تطوير شكل الموسيقى العربية الحديثة.
ولم يقتصر نجاح عمر خورشيد على الموسيقى فقط، بل خاض تجربة التمثيل أيضًا، فكانت بدايته السينمائية من خلال فيلم "ابنتي العزيزة" أمام نجاة الصغيرة ورشدي أباظة، ثم شارك بعد ذلك في عدد من الأفلام والمسلسلات، من بينها: "جيتار الحب"، "العاشقة"، "دموع في ليلة الزفاف"، و"العاطفة والجسد". كما شارك في إنتاج بعض الأعمال الفنية التي حملت طابعًا موسيقيًا ورومانسيًا يعكس شخصيته الفنية.
وعلى المستوى الشخصي، كانت حياة عمر خورشيد مليئة بالتفاصيل المثيرة والزيجات المتعددة، فقد تزوج أكثر من مرة، بداية من أمينة السبكي، ثم الفنانة ميرفت أمين، وبعدها اللبنانية دينا التي استمرت معه حتى وفاته، كما تزوج الفنانة مها أبو عوف قبل شهور قليلة من رحيله. وكان يرتبط بعلاقات عائلية مع عدد من الفنانين، أبرزهم شقيقته من الأب الفنانة شريهان.
وفي نهاية مأساوية صدمت الوسط الفني والجمهور، رحل عمر خورشيد في 29 مايو عام 1981 إثر حادث سيارة مروع في نهاية شارع الهرم بالقرب من مينا هاوس، بعدما اصطدمت سيارته بعمود إنارة أثناء عودته من عمله بأحد الفنادق الكبرى، وكانت برفقته زوجته دينا والفنانة مديحة كامل اللتان نجتا من الحادث. وأثار رحيله المفاجئ حالة كبيرة من الجدل، وأثيرت بعد الحادث تكهنات عديدة حول ملابساته، دون وجود أدلة حاسمة تؤكد تلك الروايات .
ورغم مرور سنوات طويلة على رحيله، يبقى عمر خورشيد حاضرًا بأعماله وموسيقاه التي لا تزال تعيش في وجدان الجمهور العربي، فقد كان فنانًا سبق عصره، ونجح في أن يخلق مدرسة موسيقية خاصة به، جعلت اسمه خالدًا بين كبار الموسيقيين في تاريخ الفن العربي.