تُعد سلطنة عُمان من أوائل الدول التي اعتنت بالتراث الثقافي عموما، وبالتراث الثقافي غير المادي بشكل خاص؛ وقدمت في سبيل صونه وحمايته العديد من المشروعات والمبادرات التي عملت على جمعه ميدانيا، وتدوينه ليكون مادة خصبة للدارسين والباحثين في كافة المجالات البحثية.
ويعكس اعتماد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إطلاق جائزة اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، التقدير الدولي للدور الريادي الذي تضطلع به سلطنة عُمان في صون التراث الثقافي غير المادي، وتعزيز حضوره كأحد المرتكزات الإنسانية المشتركة .
جاءت هذه الجائزة ثمرة استحداث مشترك بمبادرة وطنية قادتها وزارة الثقافة والرياضة والشباب بالتعاون مع وزارة التعليم، واللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، وبالتنسيق مع المندوبية الدائمة لسلطنة عُمان لدى اليونسكو، حيث تم تطوير إطارها المفاهيمي وأهدافها بما ينسجم مع التوجهات الدولية في حماية التراث الثقافي غير المادي.
تجسّد الجائزة الامتداد الطبيعي للاهتمام الذي يوليه السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، للقطاع الثقافي، إذ تولّى وزارة التراث والثقافة في عام 2002م، وشهدت تلك المرحلة جهودًا نوعية في تطوير العمل الثقافي، تُوِّجت بانضمام سلطنة عُمان إلى أبرز الاتفاقيات الدولية التابعة لليونسكو، وفي مقدمتها اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي .
وتُعد سلطنة عُمان من أوائل الدول التي صادقت على اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، وذلك بموجب مرسوم سلطاني صادر في 22 يونيو 2005، وتضطلع وزارة الثقافة والرياضة والشباب بدور محوري في تنفيذ هذه الاتفاقية، من خلال تسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي في قوائمها الثلاث: القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وقائمة الصون العاجل، وقائمة أفضل ممارسات الصون.
ومن بين المنجزات الثقافية البارزة التي تحققت في سلطنة عُمان وكان للسلطان هيثم دورٌ مهمٌّ في تحقيقها، وساهم في ازدهار الحراك الثقافي بسلطنة عمان، تأسيس المتحف الوطني، ومتحف عُمان عبر الزمان، والأرشيف الوطني (هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية)، ومجمع طارق بن تيمور الثقافي (قيد الإنشاء)، بالإضافة إلى المراكز الثقافية والمكتبات المنتشرة في مختلف أنحاء سلطنة عُمان وخارجها .
تسعى الجائزة إلى تحقيق جملة من الأهداف التي تتقاطع مع الجهود الثقافية الدولية، من أبرزها: مكافأة جهود المنظمات التي أسهمت في صون ونقل التراث الثقافي غير المادي الذي تعترف به المجتمعات والجماعات، وفي بعض الحالات الأفراد، كجزء من تراثهم غير المادي وفقًا للمادة 2 من اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، وتهدف الجائزة أيضًا إلى حماية التراث الثقافي غير المادي وتعزيز دوره في تعزيز التماسك الاجتماعي والسلام والمساواة والتنمية المستدامة، وكذلك ضمان احترام التراث الثقافي غير المادي للمجتمعات والجماعات والأفراد المعنيين، إلى جانب رفع مستوى الوعي على المستويات المحلية والوطنية والدولية بأهمية التراث الثقافي غير المادي، وضمان تقديره المتبادل.
ومن بين الأهداف أيضًا التنفيذ الفعال لاتفاقية عام 2003 من خلال ارتباطاتها بالمبادرات التي أقرتها الهيئات الإدارية للاتفاقية، بما في ذلك منصة اليونسكو الإلكترونية لتبادل الخبرات في مجال صون التراث الثقافي غير المادي، وكذلك المساهمة في تنفيذ اهداف التنمية المستدامة 2030 لليونسكو متمثلة في هدف التعليم الجيد، وهدف المدن والمجتمعات المستدامة، وهدف السلام والعدالة والمؤسسات القوية .
تعد الجائزة في بعُدها القيمي أحد أهم المبادرات العالمية الداعمة للإسهامات الثقافية البارزة على الصعيد الدولي للأفراد والمؤسسات والمنظمات والمراكز والمعاهد العلمية والثقافية والهيئات الحكومية وغير الحكومية العاملة في مجال التراث الثقافي والإنساني، حيث ستسهم في تقدير جهودهم واسهاماتهم الثقافية في مجال التراث الثقافي غير المادي، كما ستحقق العديد من الجوانب التي تخدم الجهود الثقافية لسلطنة عُمان على الصعيد الدولي.
وستسهم الجائزة في إبراز الدور الحضاري والثقافي الذي تقوم به سلطنة عُمان في مجال التراث الثقافي غير المادي، وتحقيق والوعي الدولي بالمكانة الحضارية والثقافية لسلطنة عُمان ودورها في الحوار الثقافي وانعكاساته الإيجابية، كما ستعمل على تبني أول المبادرات الدولية للاهتمام بالتراث الثقافي غير المادي على صعيد جوائز اليونسكو من خلال سلطنة عُمان، وإثراء مشاريع التنمية المستدامة لمجالات التراث الثقافي غير المادي، بناءً على ما ستتنافس عليه المؤسسات التي تعمل في هذا المجال، ما سيعزز الابتكار والابداع في مجالات التراث الثقافي غير المادي. كما ستعمل الجائزة على دعم البحث العلمي وإثراء الابتكار في مجال التراث الثقافي غير المادي، وتعزيز الجوانب التربوية والتعليمية المعززة للوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي للأجيال المتلاحقة، واستدامة الابداعات الإنسانية وتناقلها عبر الأجيال .
تمثل الجائزة إضافة نوعية لمنظومة العمل الثقافي في منظمة اليونسكو، وتسهم في إبراز التراث الثقافي غير المادي بوصفه ركيزة من ركائز الهوية الإنسانية، وجسرًا للتقارب بين الشعوب، فضلًا عن دعم المبادرات الرائدة وتعزيز مشاركة المجتمعات في صون هذا الإرث الإنساني.
تنسجم الجائزة مع أهداف التنمية المستدامة، من خلال تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ قيم التفاهم والاحترام المتبادل، مع التزام سلطنة عُمان بمواصلة دعم الجهود الدولية، وتعزيز التعاون مع الدول الأعضاء ومنظمة اليونسكو في هذا المجال.
وستُسهم الجائزة في دعم البحث العلمي والابتكار في مجالات التراث الثقافي، وتعزيز الجوانب التربوية والتعليمية المرتبطة به، بما يرسّخ نقل المعارف والخبرات بين الأجيال، ويعزز الحوار الثقافي بين الشعوب، ويكرّس قيم التسامح والتفاهم الإنساني .
ووفقًا لتصنيف منظمة اليونسكو، ستشمل الجائزة مختلف جوانب التراث الثقافي غير المادي، وهي: التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، وفنون الأداء، وكذلك الممارسات الاجتماعية والمناسبات الاحتفالية، وأيضا المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، بالإضافة إلى المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.
إجمالاً يمكن القول أن هذه الجائزة تأخذ على عاتقها دعم المجتمعات في العالم لتتمكَّن من حماية تراثها الثقافي غير المادي وصونه، وتقديم أفضل الممارسات في ذلك؛ بغية المساهمة في نشر الوعي بأهمية الفكر الإنساني وأنماط حضوره في حياة الأفراد، وأشكال التعبير عنه وفق أولوياتها وتطلعاتها .
فضلاً عن أن الجائزة توفِّر مجالا واسعا ودعما سخيَّا للمجتمعات في العالم بشكل عام، وللمجتمع العماني بشكل خاص، للتوعية بأهمية التراث الثقافي غير المادي، والسعي من أجل صون هذا التراث وفق مجموعة من الممارسات والأنماط والأنشطة التي تعبِّر عن آفاق السلام التي تجمع الأمم والتعاون والتشارك من أجل تعزيز وتعظيم الفكر الإنساني والتاريخ المشترك الذي يجمع الأمم.
خلاصة القول ثمة دلالات عميقة لهذه الجائزة أبرزها: تقدير دولي لجهود السلطنة: تجسد الجائزة اعترافاً من منظمة اليونسكو بدور سلطنة عُمان القيادي في صون التراث على المستويين الإقليمي والدولي، وتبرز إيمان المجتمع الدولي بنهجها في حفظ الموروثات. التراث كحياة متجددة: تؤكد الجائزة أن التراث العُماني ليس مجرد "ماضٍ ومتاحف"، بل هو "حياة تتواصل مع الأجيال"، حيّ وممارَس، مما يعزز الهوية الثقافية. تعزيز الشراكة الدولية: تبرز الجائزة كأول مبادرة دولية تخصص لتعزيز اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، مما يجعل السلطنة شريكاً أساسياً في حماية الإرث العالمي .
البشر أغلى من الحجر: تعكس الجائزة تركيزاً على "التراث غير المادي" (الفنون، المهارات، الحرف، العادات) باعتباره يجسد "الإبداع البشري" والتلاحم الاجتماعي، وليس فقط المعالم المادية. دمج التراث بالتنمية المستدامة: تهدف الجائزة إلى تشجيع المبادرات التي تربط صون التراث بالتنمية المستدامة، والابتكار، والبحث العلمي، مما يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الثقافي. رسالة سلام وحوار: تُعد الجائزة أداة لترسيخ التراث كجسر للتقارب بين الشعوب ونشر قيم التسامح والسلام.
وتأتي هذه الجائزة لتؤكد على التزام سلطنة عُمان - في ظل قيادة السلطان هيثم بن طارق- بأن التراث هو ركيزة أساسية للهوية، ومحرك للابتكار، وعنصر فاعل في التنمية الشاملة، مما يرسخ مكانة السلطنة كعاصمة ثقافية عالمية تساهم في حماية الإرث الإنساني .