فى أرض حملت على ترابها ملامح الصبر والدموع والانتصارات، تظل سيناء شاهدة على حكايات لا تُنسى، كتبتها تضحيات رجال آمنوا أن للوطن ثمنًا لا يقاس، وأن الأمن لا يمنح بل ينتزع بالفداء.. فمنذ فجر الحضارات وأرض سيناء شاهدة على شجاعة «المصرى» وقدرته على الدفاع عن أرضه مهما كانت التحديات، أرض تقف شامخة كعنوان خالد للتضحية والفداء، امتزجت رمالها بدماء الأبطال عبر عقود من الصراع والدفاع عن الوطن.. فمن معارك التحرير التى استعادت الأرض والكرامة، إلى المواجهة الشرسة ضد الإرهاب، تواصل سيناء كتابة فصل جديد من ملحمة وطنية ممتدة، تؤكد أن حماية الأرض ليست مسئولية جيل واحد، بل عهد تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل.
كلمة السر فى كل انتصار هى «الروح المصرية» التى لا تقهر، والجيش الذى يظل نسيجًا واحدًا مع شعبه، كما يؤكد اللواء بحرى أركان حرب محفوظ مرزوق، أحد أبطال حرب أكتوبر، مقدما «تحية للشهداء فى كل العصور»، خاصة فى سيناء وما جرى بعد ذلك فى حروب مكافحة الإرهاب، مشددًا على أن الأعمال البطولية لهؤلاء الأبطال تجاوزت ساحات المعارك لتلمس كل جوانب حياتنا اليوم، فالأمن والأمان الذى نعيشه الآن ما كان ليحدث لولا تضحياتهم، سواء منذ 40 أو 50 عامًا فى حرب أكتوبر.
يسترجع اللواء مرزوق مشاهد اندفاع المصريين طواعية فى الشوارع بعد نكسة 1967 رافضين الهزيمة، ومؤكدًا أن الزعيم جمال عبد الناصر رسخ هذه الروح الوطنية عندما أعلن أن «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، ليبدأ بعدها حرب الاستنزاف التى استمرت أكثر من ألف يوم فى قتال مرير، وكان للواء مرزوق شرف المشاركة فيها فى عمليات قصف تجمعات العدو شرق بور فؤاد ليلة 8-9 نوفمبر 1969، وحصل على نوط الشجاعة من الزعيم عبد الناصر. ويؤكد أن تلك الفترة أوقدت الروح الوطنية، حيث صمد الشعب وتحمل، وأعادت القوات المسلحة بناء نفسها من الصفر رغم قلة الإمكانيات التكنولوجية، ليتحقق النصر فى أكتوبر 1973.
ويخصص اللواء مرزوق جزءًا من شهادته لاستعراض بطولات القوات البحرية الباسلة، والتى ربما لم تُغطَّ إعلاميًا بنفس العمق. يروى أن وحدات بحرية خرجت يوم 6 أكتوبر لشن إغارات على مواقع العدو داخل عمق سيناء، على بعد 80 كيلومترًا من قناة السويس. ويشير إلى استخدام «لانشات» صغيرة طورتها القوات المسلحة بحمل صواريخ «بى إم 21» (80 صاروخًا فى اللانش الواحد)، مما شكل مفاجأة كاملة للعدو المتغطرس، وأحدث تأثيرًا كبيرًا بتدمير تكديسات الوقود والإمدادات خلف خطوط الدفاع. كما تعرض موقع شرم الشيخ للقصف فى اليوم نفسه.
كما يتحدث اللواء مرزوق عن إحدى أبرز العمليات البحرية الناجحة، وهى إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن المتجهة إلى إسرائيل لمدة تجاوزت ثلاثة أشهر (من أكتوبر 1973 حتى يناير 1974)، باستخدام مراكب قديمة تعود للحرب العالمية الثانية. وقد تمكنت البحرية المصرية من منع 197 سفينة، فيما وصف بالمفاجأة الكاملة للعدو، وأقر بها شارون نفسه. ويؤكد أن هذه العملية كانت ورقة تفاوض قوية جدًا فى يد المفاوض المصرى، بشهادة الرئيس أنور السادات والمشير الجمسى فى مذكراتهما، مشيدًا بعبقرية منْ فكّر فى هذه العملية وهو اللواء أشرف رفعت، رئيس شعبة العمليات البحرية آنذاك، حيث أدارت القوات المسلحة معركة على بعد 1200 ميل من سيناء لأول مرة فى تاريخها.
والعمليات العسكرية ضرورة حتمية، لكن يجب أن تعقبها جهود دبلوماسية ومفاوضات، كما يوضح اللواء مرزوق، وقد خاضت مصر معركة دبلوماسية معقدة وطويلة لاسترداد آخر شبر من سيناء، مؤكدًا أن كل مفاوض جلس على مائدة المفاوضات يعى تماما أن خلفه قوة عسكرية تمنحه الحق فى المطالبة بتحرير كامل أرضه، مقدما تحية شكر وتقدير للقيادة السياسية الحكيمة التى تحافظ على أمن مصر فى محيط إقليمى مليء بالأزمات.
يرى اللواء مرزوق أن السر وراء انتصارات الجيش المصرى عبر الحروب يتمثل فى عدة عوامل؛ أولًا، الروح الوطنية المصرية المتأصلة من الأسرة إلى المدرسة إلى الوطن، فالمواطن المصرى لا يمكن فصله عن مصر، ولا توجد عشائر أو قبائل تميز بين أبناء الجيش الواحد. ثانيًا، عقيدة القتال المصرية القائمة على «النصر أو الشهادة» وهى عقيدة متغلغلة وليست مجرد شعار، ويشير إلى أن القوات البحرية تقاتل دون خنادق أو تحصينات. ثالثًا، العمل بالمتاح والابتكار، فالجيش المصرى خليط فريد من كل التخصصات منهم مهندسون، أطباء، تجار، عمال، كهربائيون، ميكانيكيون وهو ما لا يوجد فى أى دولة أخرى.
البطل أحمد عبد اللطيف: ساقى فداء للوطن
«رغم بُعد السنوات بين جيلنا وجيل أكتوبر، ولكننا ورثنا عنهم كل صفات الوطنية والشجاعة والبسالة وحب الوطن والاستعداد التام للتضحية بالروح فى سبيله».. هكذا يبدأ البطل أحمد عبد اللطيف حديثه، مؤكدا أن التضحية من أجل الوطن هى صفة تتوارثها الأجيال داخل القوات المسلحة المصرية، فالمصريون جيلًا بعد جيل يظهرون أبطالًا أمام كل التحديات. ففى حرب أكتوبر 1973 وتحرير سيناء، كان البطل الرفاعى يصول ويجول، وخلال الحرب على الإرهاب نجد العديد من الأمثلة كالشهيد منسى. لذا، وبمناسبة ذكرى تحرير سيناء، يقدم لنا البطل أحمد عبد اللطيف، أحد ضباط الصاعقة المصرية والذى فقد ساقه خلال أعمال التمشيط، أروع الأمثلة على أن حب الوطن يتوارثه جيل بعد جيل.
عن اللحظة التى سبقت الإصابة، والمهمة التى كانوا يقومون بها، وآخر ما خطر بباله قبل أن يفقد الوعى، يقول: «عقب تخرجى فى الكلية الحربية انضممت لصفوف قوات الصاعقة المصرية لالتحق بعد ذلك بصفوف القوات الموجودة فى سيناء والتى تشارك فى الحرب على الإرهاب. ومن ضمن المهام التى كنا مكلفين بها هى أعمال التمشيط للمناطق الموجودة بسيناء والتى كانت العناصر الإرهابية تقوم بزراعة عبوات ناسفة فيها. وخلال إحدى مهام التمشيط تعرضت للإصابة إثر انفجار عبوة ناسفة كانت مزروعة لاستهداف منْ يمر بالمنطقة سواء من المدنيين الأبرياء من أهالى سيناء أو من القوات المكلفة بالقضاء على الإرهابيين من الجيش والشرطة المدنية».
وبخصوص سيناء التى كانت مسرحًا لتحرير الأرض ثم الحرب على الإرهاب، وكيف يرى المعركتين من حيث التحديات والظروف، يوضح البطل أحمد أن «هناك فارقا كبيرا جدًا بين المعركتين، ففى حرب أكتوبر كان الجيش المصرى يعى تمامًا منْ هو العدو الذى أمامه، وهو جيش الاحتلال الإسرائيلى، وهنا نسميها «حربًا متكافئة»، فكل طرف يدرك منْ يقاتل. بينما كانت الحرب على الإرهاب حربًا خسيسة، فلم نكن نرى عدونا بشكل ظاهر كما كان فى أكتوبر 1973، فقد كانوا يستترون فى صفوف المدنيين الشرفاء من أهل سيناء، مما كان أمرًا بالغ الصعوبة. ومن المعروف أن أصعب المعارك أمام أى جيش نظامى هى حرب العصابات، والتى يندرج تحتها الحرب التى خاضها الجيش المصرى ضد الإرهاب».
وعن الروح التى تربط بين جيله من الضباط والجنود الذين خاضوا معارك سيناء، وجيل آبائه وأجداده الذين حرروا سيناء، وما إذا كانت لا تزال «الروح المصرية» حاضرة، يؤكد: «رغم المسافات الزمنية بين جيلنا وجيل أكتوبر، فإننا ورثنا عنهم كل معانى الوطنية والشجاعة والبسالة وحب الوطن والاستعداد التام للتضحية بالروح فى سبيله، وهى صفات راسخة فى كل مصرى شريف، مدنيًا كان أو عسكريًا. فقد كانت العزيمة والإصرار على تحرير الأرض لدى أسلافنا من جيل أكتوبر العظيم لا مثيل لهما، وكانت حاضرة بقوة فيما بينهم، كما كانت حاضرة بيننا خلال الحرب على الإرهاب، والرغبة فى تطهير كل شبر من أرض الوطن من تلك العناصر الإرهابية. وستظل روح القوات المسلحة وأبناؤها ثابتة أمام أى عدو مهما تغير شكله، فمنْ كتب له الاستمرار فى صفوف القوات المسلحة يدافع عن أرضه بعزيمة راسخة، ومنْ انتهت خدمته يواصل خدمة المجتمع والدفاع عنه، كل فى موقعه ومجاله».
البطل بهاء فهمى.. الصمود فى الميدان
البطولة والفداء متأصلة فى جينات المصريين، فلا غالى سوى وطنهم ولا ثمين سوى أمن بلادهم، والجندى المصرى شهد له العالم أجمع منذ المصريين القدماء إلى يومنا هذا، فهم أصحاب بطولة وفداء، ومن بين هؤلاء الجنود نجد بهاء فهمى، أحد أبطال القوات المسلحة الذى فقد ذراعه وساقه اليمنى وعينه اليمنى وهو يقاتل أهل الشر من الإرهابيين فى سيناء. واليوم، فى ذكرى احتفالات عيد تحرير سيناء ، نسلط الضوء على التضحيات التى لولاها ما كنا هنا.
يكشف الجندى البطل بهاء فهمى عن تفاصيل مهمته التى كان يؤديها قبل تعرضه لإصابته البليغة، مؤكدًا أنه كان يؤدى خدمته العسكرية فى صفوف قوات الصاعقة، وكانت الوحدة التى ألحق بها مسئولة عن المداهمات فى نطاق رفح بشمال سيناء. لذلك كانت أغلب المهام التى كلفوا بأدائها فى تلك الفترة عبارة عن مداهمة لأوكار العناصر التكفيرية، وقد تعرض للإصابة فى إحدى تلك المداهمات بتاريخ 12 ديسمبر 2016.
يصف البطل كيف كانت الأجواء فى سيناء خلال الفترة التى أدى فيها خدمته العسكرية، موضحًا أنه منذ اليوم الأول الذى وصل فيه إلى سيناء، كانوا يحصلون على تدريبات عسكرية شاقة جدًا، حيث كانوا يتدربون على العديد من السيناريوهات مثل الكمائن والإغارات وغيرها من السيناريوهات الأخرى المحتملة. ويؤكد أن ذلك كان لأهمية التدريب داخل الجيش المصرى، فلولا تلك التدريبات لما كانوا ليستطيعوا تنفيذ أى مهمة مكلفين بها أو مجابهة أى عمل عدائى غادر يتعرضون له. وقد ألحق بسيناء فى عام 2015، وكانت المعركة ضد العناصر الإرهابية فى أوجها فى ذلك الوقت.
ويتحدث الجندى البطل عن كيفية تمكنه من أداء واجبه الوطنى خلال تلك الفترة العصيبة، فيقول إن حاله كحال كل المجندين الذين كانت فترة تجنيدهم فى نفس المدة، فقد كانوا جميعًا يؤمنون بقادتهم، إذ كانوا يشاركونهم التدريب ويعيشون معهم نفس الظروف الصعبة، الأمر الذى كان يشعرهم بمدى المسئولية الملقاة على عاتقهم. ويؤكد قائلًا: «كنا ندافع عن بلدنا ضد تنظيمات إرهابية لا تعرف سوى الغدر والخيانة».
يروى بهاء فهمى أبرز التحديات التى واجهته خلال خدمته، مشيرًا إلى أنه كان يتم التأكيد عليهم دائمًا بعدم تعريض المدنيين من أهالى سيناء الشرفاء لأى خطر، خاصة وأن التكفيريين عادة ما يختبئون فى صفة مدنى أو يتخذون منهم دروعًا بشرية. لذلك كان يتم التأكيد عليهم بضرورة عدم تعريضهم لأى خطر.
ويكشف الجندى البطل عن تفاصيل إصابته، موضحًا أنه أصيب نتيجة انفجار عبوة ناسفة خلال إحدى المداهمات برفح، أدت إلى حدوث بتر فى ذراعه وساقه الأيمن وكذا فقدان العين اليمنى. ومع ذلك، يؤكد أنه راضٍ وفخور بتلك الفترة التى دافع فيها عن مصر فى صفوف خير أجناد الأرض، قائلًا: «منذ اللحظة الأولى التى علمت فيها بأننى ذاهب إلى سيناء كنت أدعو الله بأن أنال الشهادة، وإذا عاد بى الزمن سأختار الخدمة فى سيناء مرة أخرى».
ويتحدث الجندى البطل عن الإرادة المصرية التى تجسدت فى بطولاتهم بشمال سيناء، فيكشف سر تلك الإرادة قائلًا: «إذا تحدثت مع أى فرد سبق له الخدمة فى شمال سيناء سيحكى لك أنه عندما كنا نتلقى أخبارًا بسقوط شهداء ومصابين، كنا نزداد قوة وصلابة ورغبة فى الانتقام واستعادة حق منْ سقطوا أو اللحاق بهم شهداء. وهنا يكمن سر الإرادة المصرية، فالمصريون لا ينكسرون مهما مر الزمان، فهم عازمون على الحفاظ على أرضهم ووطنهم مهما كلفهم ذلك». ويؤكد أن كل منْ نال شرف الخدمة فى سيناء خلال فترة الحرب على الإرهاب فهو بطل ويستحق التحية والتقدير، سواء كان مصابًا أو نال الشهادة أو عاد سليمًا.
فى ختام حديثه، يوجه الجندى البطل بهاء فهمى رسالة إلى الشباب المصرى، قائلًا: «يجب على كل مصرى وخاصة الشباب أن يضع مصلحة وطنه وأمنه فوق كل اعتبار وقبل كل شيء، فيجب أن يصطف الشباب المصرى على قلب رجل واحد فى سبيل الحفاظ على وطنه آمنًا مطمئنًا».