تخطو سلطنة عُمان خطوات راسخة نحو استدامة اقتصادية شاملة ترتكز على رؤية عُمان 2040، وقد أثبت الهيكل السيادي نجاحاً ملموساً بتعزيز ربحية الشركات وإعادة تدوير الأصول، مدعوماً بنهضة لوجستية شاملة تستهدف تحويل السلطنة إلى مركز محوري عالمي للتجارة والعبور، وسارت عُمان في اتجاهين، الأول: هيكلة الشركات الحكومية، الثاني: تأسيس بنية تحتية وقطاع لوجستي داعم ومحفز للاستثمارات.
الاتجاه الأول: هيكلة الشركات الحكومية: إذ قطعت عُمان خطوات كبيرة في برنامج هيكلة الشركات في القطاع الحكومي، وتعزيز ربحيتها، إذ تشهد مرحلة اقتصاديَّة تحمل ملامح تحوُّل عميق في طريقة إدارة الأصول والاستثمارات العامَّة، وهو تحوُّل يرتكز على رفع الكفاءة وتعظيم العوائد، وتحويل الشركات الحكوميَّة إلى محركات للنُّمو الاقتصادي .
وجاءت إشادة إحدى المؤسَّسات الاقتصادية العالميَّة لتؤكد نجاح مسار الإصلاح الاقتصادي العُماني، حيث وصفت التجربة العُمانيَّة بأنها نموذج متطور يجمع بين إصلاح الشركات الحكوميَّة، وإعادة الاستثمار، وجذب الشراكات الأجنبيَّة، وتوجيه الأصول نحو تحقيق قيمة اقتصاديَّة أكبر.
تكتسب هذه الإشادة أهميَّة خاصَّة؛ لأنها تستند إلى نتائج فعليَّة تحققت منذ عام 2020، عندما انتقلت الشركات الحكوميَّة إلى مظلة جهاز الاستثمار العُماني، ضمن رؤية تستهدف تعزيز الربحيَّة، ورفع كفاءة التشغيل، وربط الاستثمار بأهداف التنمية الوطنيَّة، وهو ما يُظهر قدرة السلطنة على بناء نموذج اقتصادي يتعامل مع الأصول الحكوميَّة؛ باعتبارها أدوات للنُّمو والتنويع الاقتصادي ودعم الاستدامة الماليَّة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» ويعزز ثقة المستثمرين والمؤسَّسات الدوليَّة في الاقتصاد الوطني .
ولا شك أن التحوُّل الذي شهدته الشركات التابعة لجهاز الاستثمار العُماني يقدِّم صورة واضحة عن النتائج التي يمكن أن تحققها الإدارة الاحترافيَّة للأصول؛ فقد نجحت مجموعة «أوكيو» في خفض مديونيَّتها بنسبة (48) بالمئة، لتتراجع من (5) مليارات ريال عُماني إلى (2.7) مليار ريال، مع تحسين مؤشرات الكفاءة الماليَّة وتعزيز قدرتها على التوسُّع والنُّمو. كما سجَّلت شركة «أوكيو للمصافي والبتروكيماويَّات» أرباحًا تراكميَّة بلغت (474) مليون ريال عُماني خلال الفترة بين 2021 و2025، بالتزامن مع رفع الطَّاقة الإنتاجيَّة من (80) مليون برميل إلى (93) مليون برميل.
ووفقاً لدراسات الجدوى الاقتصادية، تعكس هذه النتائج نجاح خطط إعادة الهيكلة في تحويل الشركات من التركيز على معالجة التحدِّيات الماليَّة إلى بناء قيمة اقتصاديَّة مستدامة، وهو ما يعزز مساهمة المؤسَّسات في الناتج المحلِّي، ويدعم قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نُمو أكثر استقرارًا واستدامة .
إذ تُشكِّل الشراكات الاستثماريَّة التي يقودها جهاز الاستثمار العُماني أحد أهم المحركات للمرحلة الجديدة من النُّمو الاقتصادي، حيث أصبحت هذه الشراكات وسيلة لاستقطاب رؤوس الأموال والخبرات والتقنيَّات الحديثة إلى القطاعات ذات الأولويَّة.
وتؤكد نتائج صندوق عُمان المستقبل نجاح هذا التوجُّه؛ إذ استقبل الصندوق (986) طلبًا استثماريًّا، واعتمد (186) مشروعًا بحجم إجمالي بلغ (1.72) مليار ريال عُماني، يُمثِّل الاستثمار الأجنبي فيها نحو (743) مليون ريال .
تكشف هذه المؤشرات عن جاذبيَّة البيئة الاستثماريَّة العُمانيَّة، وقدرتها على استقطاب المستثمرين والشركاء من مختلف الأسواق. كما تعكس نجاح سلطنة عُمان في توظيف علاقاتها الاقتصاديَّة الدوليَّة لخدمة قطاعات الطاقة والغذاء والتصنيع والتقنيَّة والخدمات اللوجستيَّة، بما يرسِّخ مسار التنويع الاقتصادي، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص جديدة للنُّمو والتشغيل.
وتؤكد نتائج المحتوى المحلِّي أن العوائد الاقتصاديَّة لهذا التحوُّل لا تقتصر على الشركات الكبرى والمشروعات الاستراتيجيَّة، وإنما تمتدُّ إلى المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وسلاسل التوريد الوطنيَّة؛ فقد بلغ الإنفاق على هذه المؤسَّسات خلال عام 2025 نحو (278) مليون ريال عُماني، استحوذ حاملو بطاقة ريادة على (186.4) مليون ريال منها، فيما شكَّلت المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة ما نسبته (19.9) بالمئة من إجمالي الإنفاق على سلاسل التوريد التابعة للجهاز وشركاته .
وتعكس هذه الأرقام نجاح السياسات التي تربط بين النُّمو الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص وتعزيز فرص الأعمال المحليَّة. كما تؤكد أن القفزات التي يشهدها الاقتصاد العُماني اليوم تقوم على قاعدة واسعة تشمل الاستثمار والإنتاج والتشغيل، ونقل المعرفة وتعزيز القيمة المضافة، وهي عناصر ترسم ملامح مرحلة اقتصاديَّة أكثر قوَّة وقدرة على المنافسة، وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، وفي إطار تعزيز النمو الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار، واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى سلطنة عُمان، وتعزيز دور صندوق عُمان المستقبل المملوك لجهاز الاستثمار العُماني كممكّن رئيس ومحفّز للاستثمارات النوعية في القطاعات الاقتصادية المستهدفة، وقّع الصندوق في التاسع من يونيو 2026 على حزمة جديدة من الاستثمارات والمشروعات الاستراتيجية في عدد من القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية منها الطاقة المتجددة، والصناعة والتقنية، والرعاية الصحية، والسياحة والمغامرات، والأمن الغذائي وغيرها، بقيمة إجمالية تتجاوز 570 مليون ريال عُماني .
تتضمن حزمة الاستثمارات الجديدة التي أعلن عنها الصندوق 7 مشروعات واستثمارات مباشرة ضمن محفظته المخصصة للمشروعات المحلية الاستراتيجية، والتي تمثل 90 بالمائة من رأس مال الصندوق، وتغطي عددًا من القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية .
أما الاتجاه الثاني: وهو تأسيس بنية تحتية وقطاع لوجستي داعم ومحفز للاستثمارات: تُشكِّل الخدمات اللوجستيَّة أحد الأعمدة الرئيسة التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة، حيث ترتبط قدرتها على تحقيق النمو بكفاءة حركة البضائع، وسرعة تدفق التجارة وسلاسة سلاسل الإمداد بين الأسواق المحليَّة والعالميَّة. وفي ظل التحولات الاقتصاديَّة المتسارعة واشتداد المنافسة بين المراكز التجاريَّة الدوليَّة، أصبحت جودة الخدمات اللوجستيَّة عاملًا مؤثرًا في جذب الاستثمارات، وتوسيع الأنشطة الإنتاجيَّة، ورفع تنافسيَّة الدول.
ومن هذا المنطلق تواصل سلطنة عُمان بناء منظومة لوجستيَّة متطورة تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على أهم خطوط التجارة البحريَّة العالميَّة، وتعمل على تطوير الموانئ والخدمات البحريَّة والبريديَّة والبنية الأساسيَّة المرتبطة بالنقل والتجارة .
وتؤكد النتائج التي حققتها عُمان في تقرير مؤشر أداء الخدمات اللوجستيَّة لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي نجاح هذا التوجُّه، حيث تعكس الأرقام مستوى متقدمًا من الكفاءة التشغيليَّة والجاهزيَّة التي تدعم حركة التجارة، وتُسهم في تعزيز دور القطاع اللوجستي كأحد المحركات المهمة للتنويع الاقتصادي.
إنَّ حصول سلطنة عُمان على المركز الأول عالميًّا في مؤشر بدء سلسلة إمداد التصدير بزمن قياسي بلغ (0.8) يوم يُمثِّل إنجازًا يعكس سرعة الإجراءات التجاريَّة وكفاءة الموانئ، وقدرتها على التعامل مع حركة الحاويات بكفاءة عالية. كما أن تحقيق المركز التاسع عالميًّا من بين (165) دولة في مؤشر انتهاء سلسلة إمداد الاستيراد يؤكد جودة العمليَّات التشغيليَّة المرتبطة بحركة البضائع، وسرعة تداولها داخل المنظومة التجاريَّة .
وتكتسب هذه النتائج أهميَّة اقتصاديَّة كبيرة؛ لأنها تُسهم في خفض الزمن والتكاليف المرتبطة بالتجارة الدوليَّة، وهو ما تبحث عنه الشركات والمستثمرون عند اختيار مواقع أعمالهم ومراكز توزيع منتجاتهم. وكلما ارتفعت كفاءة الخدمات اللوجستيَّة ازدادت قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات الصناعيَّة والتجاريَّة، واتسعت الفرص أمام المؤسَّسات الوطنيَّة للاندماج في سلاسل القيمة العالميَّة، والاستفادة من حركة التجارة المتنامية بين القارَّات.
ولعلَّ ما يميِّز التجربة العُمانيَّة في القطاع اللوجستي هو نجاحها في بناء شبكة اتصال بحريَّة متنامية مع الأسواق العالميَّة، حيث جاءت السلطنة في المرتبة الثانية خليجيًّا في مؤشر زمن بقاء حاويات التصدير في الميناء. كما حققت المرتبة الثالثة خليجيًّا في مؤشر خدمات الخطوط الملاحيَّة المباشرة، وأحرزت المركز الخامس والعشرين عالميًّا والثاني خليجيًّا في عدد التحالفات الملاحيَّة، إضافة إلى المرتبة التاسعة والثلاثين عالميًّا في عدد شركاء الاتصال البحري المباشر.
.
وتعكس هذه المؤشرات قدرة الموانئ العُمانيَّة على الاندماج في شبكات التجارة الدوليَّة، وتوفير خيارات أوسع لحركة الشحن والنقل البحري. كما تُسهم هذه المكانة في تعزيز دور السلطنة كمركز إقليمي لإعادة التصدير والخدمات اللوجستيَّة، وتفتح آفاقًا أكبر أمام القطاعات الاقتصاديَّة المختلفة للاستفادة من شبكة النقل العالميَّة التي ترتبط بالموانئ العُمانيَّة.
إنَّ هذه الإنجازات تنسجم بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والاستثمار والإنتاج، ويعزز الأداء المتقدم في قطاع الخدمات البريديَّة، من خلال تحقيق المرتبة السادسة عشرة عالميًّا والأولى خليجيًّا في مؤشر زمن تسليم البريد بين الشركات، من كفاءة بيئة الأعمال وقدرتها على مواكبة متطلبات الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونيَّة .
كما أن استمرار تطوير البنية الأساسيَّة اللوجستيَّة، ورفع كفاءة العمليَّات التشغيليَّة يرسخ مكانة السلطنة كمركز لوجستي عالمي قادر على خدمة الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة بكفاءة عالية. وتُمثِّل هذه النجاحات رسالة واضحة تؤكد أن الاستثمار في اللوجستيَّات أصبح استثمارًا مباشرًا في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، وتعزيز القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطني في عالم تتحرك فيه الفرص بسرعة السلع والمعلومات.