رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الكتاتيب وسؤال التجديد التربوي قراءة في التعليم الديني الأولي وأثره في الهوية


8-6-2026 | 00:44

.

طباعة
بقلم: د. عمرو عبد العزيز منير

تعود قضية الكتاتيب القرآنية في مصر إلى النقاش العام من زاوية تتصل بمستقبل التعليم الديني الأولي، وبإمكان استعادة الوظيفة الحضارية للكُتّاب في صيغة تربوية جديدة، آمنة، رحيمة، منضبطة، قادرة على وصل الطفل بالقرآن والعربية والوجدان الديني، وسط عالم سريع التحول تتنازع فيه الشاشات والمنصات وعي الأجيال الجديدة.

وقد شغلت الكتاتيب، عبر تاريخ طويل، موقعًا عميقًا في بنية المجتمع المصري والإسلامي. نشأت في صلة وثيقة بالمسجد والتعليم الأهلي، وأسهمت في تعليم القراءة والكتابة ومبادئ الدين، وخرج منها حفظة وقراء وعلماء وأدباء وشخصيات عامة تركت أثرًا واضحًا في الحياة المصرية. ومن ثم يصعب اختزالها في صورة الشيخ واللوح والعصا؛ فهي إحدى المؤسسات الصغيرة التي صنعت أثرًا واسعًا في اللغة والذاكرة والانتماء.

وكان للكُتّاب في صورته القديمة طابع أهلي واضح. فقد عاش شيخه غالبًا على ما يقدمه الأهالي من مال أو طعام أو كسوة أو هدايا موسمية، وتحولت مناسبة ختم القرآن في أحيان كثيرة إلى احتفال أسري واجتماعي يشارك فيه البيت والشيخ والجماعة المحلية. هذه التفاصيل تكشف أن الكُتّاب كان جزءًا من نسيج الحياة اليومية، يقوم على الثقة والعرف والتقليد، ويؤدي وظيفة تعليمية وروحية خارج الجهاز الرسمي للدولة. ومن هذه الزاوية تظهر الحاجة إلى صيغة جديدة تجمع دفء القرب الأهلي والانضباط المؤسسي، حتى يبقى التعليم القرآني قريبًا من الناس، منظمًا، واضح الحدود، آمنًا للطفل والأسرة.

وقد حفظت الذاكرة الأدبية، وفي مقدمتها "الأياملطه حسين، ملامح دقيقة من عالم الكُتّاب: المكان الضيق، والشيخ الصارم، والطفل الخائف، والحفظ المتكرر، والعقاب البدني، ومطالب الشيخ عند ختم القرآن. هذه الصورة خرجت من خبرة حقيقية في جانب منها، وعكست ممارسات قديمة تستحق النقد والمراجعة. والاكتفاء بها يحجب تاريخًا أوسع لهذه المؤسسة، تاريخًا فيه صون للنص القرآني، وتقوية للعربية، وتكوين وجداني، وفتح أولي لباب المعرفة أمام طبقات واسعة من المجتمع.

من هنا تبرز أهمية الرسالة العلمية التي تناولت "الكتاتيب القرآنية وأثرها على الهوية الإسلامية: مصر نموذجًا ١٨٨٢م ـ ٢٠٢٣م"، وقد نوقشت في معهد الدراسات الأفروآسيوية للدراسات العليا بجامعة قناة السويس، في سياق أكاديمي يلائم طبيعة الموضوع. فالمعهد مساحة للدراسات البينية التي تتقاطع فيها اللغة، والدين، والتاريخ، والثقافة، والهوية، وجاءت الرسالة معبرة عن هذا الأفق؛ لأنها تنظر إلى الكُتّاب داخل التحولات الكبرى التي عرفتها مصر منذ الاحتلال البريطاني سنة ١٨٨٢م إلى الزمن الراهن، حيث تبدلت بنية التعليم، وتغيرت علاقة المجتمع بالمؤسسة الدينية، واتسع أثر الإعلام، ثم جاء الفضاء الرقمي ليضع الطفل أمام عالم مفتوح يتدفق إليه من خارج الأسرة والمدرسة والمسجد.

وتعاملت الرسالة مع الكتاتيب بوصفها موضوعًا بحثيًا متصلًا بتاريخ المجتمع، وتفتح بابًا للنظر في أثر التعليم القرآني الأولي في تشكيل الوجدان، وفي دور العربية في حفظ الانتماء، وفي صلة التعليم الأهلي بتاريخ المصريين، وفي العلاقة الدقيقة بين المؤسسة الدينية الشعبية والدولة الحديثة. ومن هذه الزاوية يصبح البحث في الكتاتيب بحثًا في تاريخ الهوية نفسها، وفي الوسائل الهادئة التي صنعت أثرًا عميقًا في وجدان الناس.

وقد عاد الجدل حول الكتاتيب بقوة مع مبادرات إحيائها، سواء في صورة مشروعات أزهرية مثل رواق الطفل لتحفيظ القرآن الكريم، أو من خلال توجهات وزارة الأوقاف نحو إعادة تنظيم التعليم القرآني الأولي. استند المؤيدون إلى مكانتها التاريخية وإلى دورها في تخريج عدد كبير من القراء والعلماء والمثقفين، وركز المعترضون على مخاوف تتعلق بالتلقين، والعقاب، والانغلاق، واحتمال تسلل خطاب متشدد إلى عقول الأطفال عبر مساحات ضعيفة الرقابة. كما ظهر سؤال اجتماعي مهم حول تركيز بعض المبادرات على القرى، وما قد يثيره ذلك من حساسية في توزيع فرص التعليم الديني بين الريف والمدينة.

وقيمة هذا الجدل أنه يدفعنا إلى إعادة تعريف الكُتّاب من جديد. فالخلل التاريخي في بعض صوره ارتبط بضعف إعداد المعلم، وغياب الوعي النفسي بالطفولة، وشيوع العقاب البدني، وانفصال الحفظ عن الفهم، وترك بعض الحلقات الشعبية من دون متابعة علمية ومؤسسية. ومن ثم يبدأ الطريق الصحيح من إعادة بناء المؤسسة داخل تصور تربوي واضح، يستفيد من رصيدها التاريخي، ويغادر ممارساتها الخشنة، ويضع الطفل في مركز العملية كلها.

والكُتّاب الذي يحتاج إليه المجتمع اليوم ينبغي أن يكون مركزًا قرآنيًا تربويًا صغيرًا، قريبًا من الناس، واضح المنهج، مؤهل المعلمين، خاضعًا للمتابعة، يجمع بين حفظ القرآن، وتذوق العربية، وتعليم الخط العربي بوصفه مدخلًا إلى تهذيب الذوق، وتقويم اليد، وتعميق الصلة بجمال الحرف القرآني، وتعليم الآداب الإسلامية، والقصص النبوي، والقيم الإنسانية الجامعة، واحترام الوطن، وحماية الطفل نفسيًا ومعرفيًا. ومن المهم أن ينفتح هذا النموذج على العلوم الحديثة، ووسائل التربية المعاصرة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية الآمنة، وكل أداة تساعد على تقريب المعنى، وتحفيز الفهم، وتنمية الخيال، وجعل الطفل شريكًا في التعلم لا متلقيًا صامتًا. وبهذا يصبح الكُتّاب فضاءً حيًا للتكوين، قائمًا على المحبة والفهم والرحمة والتربية المتوازنة.

ويفرض هذا التصور نفسه بقوة في زمن أصبحت فيه شاشة الهاتف منافسًا حقيقيًا للأسرة والمدرسة والمسجد. فالطفل اليوم يتلقى الصور والعبارات والرموز من فضاء واسع، وقد تتشكل لغته وذائقته ومزاجه من مقاطع سريعة عابرة، ثم يبحث لاحقًا عمّن يرشده إلى معنى أو قيمة أو أصل. وهنا يصبح التعليم الديني الأولي ضرورة ثقافية وتربوية، لأن القرآن مصدر لبناء الوجدان، والعربية وعاء للهوية، والحفظ بداية صلة تحتاج إلى فهم، وتذوق، وسلوك، وقدوة رحيمة.

ومن المهم أن يأخذ الكُتّاب موقعه الطبيعي إلى جوار المدرسة. فدوره مساند تربوي وروحي ولغوي، يتكامل مع الأسرة والمدرسة والمسجد ومراكز الثقافة، ويعالج جانبًا من هشاشة التكوين اللغوي والديني لدى الصغار، مع بقاء المدرسة مجالها الأصلي للمعرفة النظامية والمهارات الحديثة. وهذا التكامل يمنع تحويل الكُتّاب إلى تعليم موازٍ، ويجعله رافدًا نافعًا في بناء الشخصية.

وفي هذا الموضع تبدو مسؤولية وزارة الأوقاف محورية. فالإحياء الجاد يحتاج إلى مشروع مؤسسي واضح: معايير دقيقة لاختيار المحفظين، تدريب تربوي ونفسي لمن يتعاملون مع الأطفال، مناهج متدرجة تربط الحفظ بالمعنى، متابعة منتظمة، منع صارم لأي إهانة أو عقاب بدني، مشاركة الأسرة، أنشطة لغوية وثقافية، ومحتوى ديني منضبط يحمي الطفل من التشدد ومن التفاهة في الوقت نفسه. فالمسألة أعمق من افتتاح مقار جديدة أو إعلان أرقام كبيرة؛ إنها تتعلق بفلسفة تكوين، وبسؤال: أي طفل نريد أن يخرج من هذه التجربة؟

ومن هنا يمكن فهم الدور الذي ينهض به الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، في دفع هذا الملف إلى دائرة الاهتمام المؤسسي. فقيمة حضوره مناقشة رسالة علمية عن الكتاتيب تحمل دلالة على انتقال الموضوع من الهامش إلى ساحة التفكير العام. والدور الأهم هنا أن تتحول الفكرة من خطاب عن التراث إلى نموذج عملي قابل للقياس والمراجعة، قائم على معلم رحيم، ومنهج واضح، وبيئة آمنة، ورقابة واعية، ورؤية تجعل القرآن مدخلًا إلى الرحمة والمعنى والجمال.

ويحتاج تجديد الكتاتيب كذلك إلى تحصينها من الاستخدام الأيديولوجي. فالمشروع الناجح يقطع الطريق على صراع المؤسسات الدينية، وعلى جماعات الإسلام السياسي، وعلى صناعة تدين شكلي خائف. الكُتّاب العصري يربّي طفلًا يعرف دينه في رحابة، ويحسن لغته، ويحترم وطنه، ويتعامل مع المختلف عنه بوعي، ويرى في القرآن مصدر هداية وسكينة، ويبتعد عن الانعزال والتعصب والخصومة مع العالم.

ويكشف الخلاف حول الكتاتيب في جوهره خلافًا أعمق حول معنى الهوية. فبعض التصورات تجعل الهوية رجوعًا كاملًا إلى الماضي، وبعضها يدفع نحو قطيعة معه. والرؤية الأهدأ ترى الهوية قدرة على الاستمرار والتجدد معًا. فالطفل الذي يحفظ القرآن، ويتعلم العربية، ويقرأ القصص النبوي، ويفهم قيم الرحمة والعدل والصدق، يستطيع في الوقت نفسه أن يتعلم العلوم الحديثة، ويتقن اللغات، ويستخدم التكنولوجيا، ويفكر بعقل مفتوح. الجذر والنافذة كلاهما ضروري؛ فالطفل يحتاج إلى أصل يحميه، وأفق يفتحه على العالم.

ومن هذه الزاوية، تصبح العودة إلى "الأيام" لطه حسين عودة نقدية مفيدة. فالنص شهادة على تجربة تاريخية واجتماعية قاسية، وفيه كشف عميق عن ضعف بعض طرائق التعليم القديم وعن هشاشة الطفل أمام سلطة الشيخ والأسرة والمجتمع. وهذه الشهادة تمثل وجهًا من تاريخ الكتاتيب، وإلى جوارها وجه آخر يضم آلاف الأطفال الذين تعلموا القراءة والقرآن، وقرى حفظت صلتها بالعربية، وقراء خرجوا من حلقات بسيطة إلى رحاب العلم. القراءة المنصفة ترى الوجهين معًا: وجه القسوة الذي يحتاج إلى تجاوز، ووجه التكوين الذي يستحق التطوير.

ولعل أهمية الرسالة التي نوقشت في معهد الدراسات الأفروآسيوية بجامعة قناة السويس أنها جاءت في هذا التوقيت الحساس، حيث يلتقي البحث العلمي بسؤال المجتمع، ويلتقي التراث بمطلب التجديد، وتصبح الكتاتيب موضوعًا للتفكير الجاد. فهي تذكّرنا بأن المؤسسات الصغيرة قد تترك أثرًا عميقًا في تشكيل الإنسان، وأن الحرف الأول، والآية الأولى، والمعلم الأول، قد يصنعون في الذاكرة ما تعجز عنه مؤسسات كبرى.

ولعل أفضل ما يمكن أن تقدمه الكتاتيب في صورتها الجديدة أن تعيد إلى الطفل صلته الهادئة بالقرآن؛ صلة تقوم على المحبة والفهم والجمال والخلق، فإذا تحقق ذلك صارت الكتاتيب خطوة في تكوين إنسان يعرف لسانه، ويحسن قراءة حرفه وكتابته، ويطمئن إلى جذره، ويدخل العصر بثقة، ويملك من داخله ما يحميه من الذوبان والتطرف والفراغ.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة