رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

" متولي وشفيقة " .. قراءة جديدة للتراث

22-4-2026 | 14:09

العرض المسرحي متولي وشفيقة

طباعة
هيثم الهواري
حين أذهب لمشاهدة عرض مسرحي يكون مسؤولًا عنه المخرج سامح بسيوني، فإنني أذهب وفي ذهني قدر من الاطمئنان الفني، نابع من إيمان واضح بأن هذا المخرج لا يسعى إلا لتقديم عروض جادة، قائمة على احترام المتلقي، ومراهنة حقيقية على اكتشاف وتقديم الطاقات الشابة في أي مسرح يتولى مسؤوليته، من هنا، جاء توجهي إلى المسرح لمشاهدة عرض " متولي وشفيقة" ، وأنا مدرك مسبقًا أنني لن أكون أمام إعادة إنتاج كلاسيكي لحكاية استُهلكت بصريًا ودراميًا، بل أمام محاولة جديدة لإعادة قراءتها.
العرض، الذي يحمل رؤية إخراجية جديدة للمخرج الشاب أمير اليماني، وكتبه محمد علي إبراهيم، ينتمي إلى ذلك النوع من المسرح الذي لا يكتفي باستدعاء التراث، بل يسعى إلى مساءلته، فـ " متولي وشفيقة " هنا لا تُقدَّم كحكاية محفوظة في الذاكرة الشعبية، وإنما كنص مفتوح قابل للتفكيك وإعادة التركيب، وهو ما نجح اليماني في تحقيقه عبر معالجة درامية تقوم على المزج بين الأزمنة، مستعينًا بتقنية الفلاش باك كأداة رئيسية لإعادة بناء الحدث. القصة، كما نعرفها، تنتمي إلى الموروث الشعبي، حيث تدور حول شفيقة، الفتاة الريفية البسيطة، وشقيقها متولي، الذي يجسد نموذج الرجل الحارس لقيم الشرف. تسقط شفيقة - قسرًا - في مسار الانحراف، ليجد متولي نفسه أمام لحظة حاسمة تنتهي بقتلها "غسلًا للعار"، هذه الحكاية، التي ترسخت في الوعي الجمعي، شهدت عبر تاريخها المسرحي والسينمائي قراءات متعددة، تراوحت بين التراجيديا الكلاسيكية، والمعالجة السياسية الاجتماعية، والعروض الاستعراضية الغنائية، وهو ما منحها مرونة استثنائية بوصفها نصًا قابلًا لإعادة التأويل. لكن ما يميز هذا العرض تحديدًا هو زاوية النظر التي يتبناها المخرج؛ فهو لا ينحاز بشكل مباشر إلى إدانة أو تبرئة، بل يخلق حالة من التوتر الدرامي، بين شفيقة ومتولي، ليضعهما معًا داخل بنية مأزومة يحكمها المجتمع، هنا لا تعود شفيقة مجرد ضحية، ولا يصبح متولي مجرد قاتل، بل يتحول الاثنان إلى نتاج مباشر لمنظومة قيمية قاسية تفرض أحكامها على الجميع. على مستوى التشكيل البصري، اعتمد العرض على سينوغرافيا تستلهم البيئة الصعيدية، عبر مفردات بصرية واضحة من بيوت الطين والألوان الترابية، وهو ما برع فيه د. محمد سعد من خلال تصميم ديكور العرض، مهتمًا بأدق التفاصيل، إضافة إلى إضاءة إبراهيم الفرن التي عكست قسوة العالم الذي تدور فيه الأحداث، إلا أن اللافت هو توظيف هذه العناصر بشكل ديناميكي، حيث تتحول الجدران من مجرد خلفية إلى كيان درامي حي يشارك في السرد، ويعكس الحالة النفسية للشخصيات، وكأن المكان ذاته شاهد على الجريمة، كما أسهمت ملابس غادة شلبي، التي قدمت الأزياء الصعيدية القديمة بألوانها المبهرة، مع استعراضات أحمد مانو وموسيقى أحمد نبيل، في إثراء الصورة البصرية للعرض. كما نجح العرض في تحقيق توازن دقيق بين الواقعية والتعبيرية، إذ لم يقع في فخ التسجيل المباشر، ولم ينزلق أيضًا إلى التجريد الكامل، بل ظل معلقًا في منطقة وسطى تمنح المتلقي فرصة للتأويل. وقد انعكس هذا التوازن على الأداء التمثيلي، الذي اتسم بطاقة انفعالية عالية دون أن يفقد السيطرة أو يتحول إلى مبالغة، فقد برع أبطال العرض، وهم محمد فريد، يسرا المنسي، منة اليماني، دلال حربي، أحمد عودة، تقى طارق، إسلام مصطفى، صلاح السيسي، عبد الله شوقي، جوزيف مجدي، وطارق هاشم، حيث قدموا أداءً جماعيًا متناغمًا أسهم في ترسيخ البنية الدرامية للعمل وتعميق أثره الفني. ومن أبرز ما لفت الانتباه في العرض اعتماده على الذاكرة كعنصر بنائي أساسي؛ فالأحداث لا تُروى بشكل خطي، بل تُستعاد عبر شظايا زمنية تجعل المتلقي شريكًا في إعادة تركيب الحكاية، وهذا الاشتغال على الذاكرة لا يخدم فقط الشكل، بل يعمّق البعد النفسي للعمل، خصوصًا فيما يتعلق بشخصية متولي، الذي يبدو وكأنه يعيش داخل سجن داخلي لا يقل قسوة عن السجن الواقعي. في المحصلة، يمكن القول إن عرض «متولي وشفيقة» ينجح في تجاوز كونه عملًا تراثيًا معاد تقديمه، ليصبح تجربة مسرحية معاصرة تطرح أسئلة حقيقية حول مفاهيم الشرف والعدالة.. هو عرض يعيد كتابة الحكاية الشعبية، لا ليحفظها، بل ليختبرها ويضعها في مواجهة الحاضر. لذلك، لا يُنظر إلى هذا العمل باعتباره مجرد استعادة لنص معروف، بل بوصفه محاولة جادة لإعادة التفكير في التراث وفتحه على قضايا لا تزال حاضرة وهو ما يمنحه قيمة فنية وفكرية تتجاوز حدود الحكاية ذاتها. والحقيقة أن هذا العرض الرائع يستلزم منا تقديم الشكر لكل العاملين بالمسرح، وعلى رأسهم مهندسة الديكور نهاد السيد، مدير دار العرض، على التنظيم الجيد وحسن إدارتها للأمور.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة