رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بابا الفاتيكان وحرب إيران أبرز الأسباب.. نهاية شهر العسل بين «ميلونى» و«ترامب»


22-4-2026 | 11:12

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

لسنوات، تمتعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى بنفوذ كبير بصفتها زعيمة اليمين القادرة على رأب الصدع بين أوروبا والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لكن صداقتهما تبدو الآن فى خطر، فبعدما انتقد «ترامب» البابا ليو الرابع عشر، وجه غضبه ناحية «ميلونى» التى لطالما كانت من أقرب حلفائه الأوروبيين، بسبب وصفها لتصريحاته بأنها «غير مقبولة» إلى جانب عدم تأييدها للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، ويأتى هذا الخلاف فى ظل قرار روما تعليق تجديد اتفاقية التعاون الدفاعى مع إسرائيل، ما زاد من حدة التوترات.

 

«ميلونى»، كانت الزعيمة الأوروبية الوحيدة التى حضرت حفل تنصيب «ترامب» عام 2025، وكانت تأمل أن تعزز صداقتهما مكانتها محليًا ودوليًا، غير أن علاقتها بالبيت الأبيض كانت من بين العوامل التى أسهمت فى هزيمتها الشهر الماضى فى استفتاء على الإصلاح القضائى، ما أضعف صورتها كـ«زعيمة لا تُهزم» وأنعش آمال المعارضة فى الإطاحة بها فى انتخابات 2027. ووفقًا لعدد من المحللين، لم تكن النتيجة رفضًا للاقتراح نفسه بقدر ما كانت تصويتًا أوسع نطاقًا على سحب الثقة من قيادة ميلونى.

وقد واجهت رئيسة الوزراء الإيطالية انتقادات متزايدة، حتى من بعض ناخبيها، بسبب تحالفها مع «ترامب» وترددها فى إدانة تصرفات إسرائيل علنًا، وذلك فى الوقت الذى تشير فيه استطلاعات الرأى إلى أن نحو 66 فى المائة من الإيطاليين يحملون نظرة سلبية تجاه الرئيس الأمريكى، لذلك عندما شنّ «ترامب» هجومًا لاذعًا على البابا ليو الرابع عشر بعد أن ندد بالحرب فى الشرق الأوسط، وجدت رئيسة الوزراء الإيطالية نفسها فى موقف صعب بين الولاء للرئيس الأمريكى والمخاطرة برصيدها السياسى لدى الناخبين الكاثوليك المحافظين. لكن، وتحت ضغط من المعارضة التى اتهمتها بالافتقار إلى الشجاعة فى مواجهة «ترامب»، أدانت «ميلونى» علنًا انتقاداته لبابا الفاتيكان، واصفة إياها بأنها «غير مقبولة»، وقالت فى بيان لها: «البابا هو رأس الكنيسة الكاثوليكية، ومن حقه وطبيعى أن يدعو إلى السلام وأن يدين جميع أشكال الحرب»، فى تحول دبلوماسى نادر لاستعادة صورتها وكسب التأييد الشعبى.

ويرى الخبرء أن خسارة حليفها اليمينى المتطرف، فيكتور أوربان، للانتخابات المجرية، قد لعبت دورًا فى رد فعل «ميلونى»، لا سيما بعد زيارة نائب الرئيس الأمريكى، جيه دى فانس، إلى بودابست فى محاولة لتعزيز فرص أوربان، وانتقد «ترامب»، الذى بدا عليه الاستياء الشديد، «ميلونى» بشدة، مصرحًا فى مقابلة مع صحيفة «كورييرى ديلا سيرا» الإيطالية، بأنه لم يتحدث معها «منذ فترة طويلة»، وأنه مستاء من عدم مشاركتها فى الحرب على إيران، وأنه «مصدوم منها»، مضيفًا: «كنت أظنها شجاعة، لكننى كنت مخطئًا».

جاء هجوم «ترامب» فى الوقت الذى صرحت فيه «ميلونى» بأن حكومتها اليمينية المتطرفة ستُعلق التجديد التلقائى لاتفاقية التعاون الدفاعى مع إسرائيل، والتى تتضمن تبادل المعدات العسكرية وأبحاث التكنولوجيا، «فى ضوء الوضع الراهن»، وقد تصاعدت التوترات بين الجانبين بعد أن اتهمت الحكومة الإيطالية القوات الإسرائيلية بإطلاق طلقات تحذيرية على قافلة تابعة لقوات حفظ السلام الإيطالية التابعة للأمم المتحدة فى لبنان، واستدعت إيطاليا سفير إسرائيل احتجاجًا على الحادث الذى ألحق أضرارًا بمركبة واحدة على الأقل، دون وقوع إصابات، بينما استدعت إسرائيل السفير الإيطالى عقب تصريحات وزير الخارجية الإيطالى أنطونيو تاجانى التى أدان فيها «الاعتداءات غير المقبولة» التى شنتها القوات الإسرائيلية على المدنيين اللبنانيين.

وقد مارس الرئيس الأمريكى، طوال فترة ولايته الثانية، ضغوطًا متزايدة على رئيسة الوزراء الإيطالية، إلى جانب حلفاء أوروبيين آخرين، لزيادة الإنفاق العسكرى الإيطالى وقبول شروط تجارية غير مواتية. ثم بدأت الأمور تزداد توترًا، عندما بدأ «ترامب» يطرح فكرة ضم جرينلاند بشكل متزايد قبل أن يتراجع، وفى الوقت الذى قرر فيه مهاجمة إيران، لم يُبلغ ميلونى مسبقًا. ومما زاد الطين بلة، أن وزير دفاعها كان يقضى إجازته فى دبى، الإمارات العربية المتحدة، فى ذلك الوقت، واضطرت السلطات إلى إجلائه على متن طائرة عسكرية، وفقًا لما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».

وتشعر روما بالفعل بالآثار الاقتصادية لسياسات «ترامب»؛ إذ تسببت الحرب الإيرانية فى ارتفاع حاد فى أسعار الغاز والكهرباء، وقد أكدت «ميلونى» مرارًا وتكرارًا أن «إيطاليا ليست فى حالة حرب، ولا ترغب فى خوض حرب»، ورفضت منح قاذفات أمريكية تصريحًا بالهبوط فى قاعدة جوية محورية فى صقلية، كما قامت بجولة منفردة مكثفة لمدة يومين شملت ثلاث دول خليجية لتعزيز إمدادات إيطاليا من الغاز والنفط من المنطقة خلال أزمة الطاقة المتفاقمة، لكنها عادت إلى بلادها دون أى اتفاقيات رسمية.

فى هذا السياق، قال الدكتور يسرى عبيد، خبير العلاقات الدولية: إن «الأسباب الرئيسية وراء هذا التحول الجذرى فى موقف رئيسة وزراء إيطاليا تكمن فى التغيرات الجيوسياسية والضغوط الانتخابية التى تواجهها جورجيا ميلونى للموازنة بين هويتها اليمينية ومسئولياتها كدولة فاعلة فى الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو، فميلونى تدرك أن التحالف الصريح مع نهج ترامب التصادمى تجاه إيران أو الفاتيكان قد يعزل إيطاليا داخل أوروبا، ويضعف مكانتها القيادية التى سعت لبنائها منذ توليها السلطة.

على الصعيد الدخلى، أوضح «عبيد» أن «هزيمة الاستفتاء فى مارس الماضى قد شكلت جرس إنذار لميلونى بأن قاعدتها الشعبية ليست محصّنة ضد التقلبات، ما جعلها أكثر حساسية تجاه مطالب الرأى العام الإيطالى الذى يميل تاريخيًا لدعم الوساطة وتجنب التورط فى نزاعات عسكرية مباشرة خاصة فى منطقة الشرق الأوسط، ولذلك جاء قرارها بتعليق التعاون العسكرى مع إسرائيل ورفض المشاركة فى الحرب على إيران كخطوة دفاعية لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة التى تتهمها بالتبعية المطلقة لواشنطن وتستغل هذه الملفات لحشد الناخبين لانتخابات 2027».

وعن الصدام بين البابا و«ترامب»، أكد «د. يسرى» أن «ترامب يرى فى مواقف البابا الليبرالية عائقًا أمام أجندته السياسية، مما خلق هذا الشرخ بينهما، حيث انتقلت العلاقة من التحالف الأيديولوجى إلى مرحلة تضارب المصالح القومية والسيادية»، مشددًا على أن «الصدام بين البابا وترامب ليس مجرد خلاف سياسى بل هو صراع على الشرعية الأخلاقية بين نهج ترامب القومى المتشدد ورؤية الفاتيكان التى ترفض الحروب الاستباقية».

وختم «عبيد»، حديثه، قائلًا: إنه «رغم الانتقادات المتبادلة يظل من المستبعد انهيار العلاقات الإيطالية الأمريكية بشكل كامل نظرًا للروابط الاقتصادية والأمنية العميقة؛ لكننا نشهد الآن مرحلة من البرود والندية تحاول فيها ميلونى إثبات استقلاليتها وحماية مستقبلها السياسى من رياح التغيير التى قد تأتى بها المعارضة أو الضغوط الخارجية المرتبطة بترامب وتوجهاته التى قد لا تتوافق مع مصالح إيطاليا داخل المنظومة الأوروبية».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة