رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الجغرافيا السياسية تصنع فارق القوة


16-4-2026 | 18:20

.

طباعة
بقلـم: د. وفاء على

لا شك أن السؤال الكبير هنا: كيف تلعب الجغرافيا لعبتها المفضلة الأيديولوجية، وتجعل من الدول قوة تصنع الفارق فى المشهد الاقتصادى والسياسى والجيوسياسى العالمي؟

هذا السؤال يدفعنا إلى الواجهة الأولى: لماذا أمريكا قوية؟ أو ما سبب قوة أمريكا؟

دولة عمرها قصير، أقل من 250 عامًا، واستطاعت أن تتحول إلى أقوى دولة فى العالم، وأكبر اقتصاد، وأقوى جيش كما يقولون دومًا، وسواء كان هناك تناقضات فى الرؤى أم لا، فأمريكا دائمًا مستفيدة على حساب العالم كله، وتمد نفوذها لكل دولة فى الكوكب، فما هو سر القوة الحقيقية؟

 

هل هو سر كامن فى التكنولوجيا الحديثة أم النظام السياسى ومنهجه الذى بات هشًا أمام صمت مدوٍ لشراء التهميش العلنى لعراقة كل دول العالم التى كانت قبل أمريكا؟

هل السر الحقيقى أن سكان أمريكا يعملون أكثر من غيرهم؟ بالطبع لا، فالصين تعمل أكثر، واليابان وكوريا والهند تعمل أكثر، فما هو هذا الصدى المكنون فى استعراض القوة؟

إنه ببساطة رمزية خالصة، واقع الجغرافيا السياسية.

إنه هذا المكان من العالم الذى يقبع على الخريطة العالمية، هو أقوى المواقع الجغرافية لأى دولة فى التاريخ.

ولنبدأ بتفكيك الصورة وحلحلة الجغرافيا؛ فهناك شبكة من الأنهار ضخمة، أراضٍ زراعية من أخصب الأراضى الزراعية فى العالم، موارد طبيعية هائلة، ومحيطات عملاقة تحميها من أى غزو خارجى، بمعنى أن الطبيعة تعطيها ببساطة؛ فهى تعطى أمريكا أفضلية قبل أن تبقى دولة بالأصل.

ويبرز هنا سؤال بديهي: هل وكيف صنعت الجغرافيا أمريكا الحالية؟

وهل أى حضارة فى هذا المكان كانت سوف تحظى بنفس القوة كقوة عظمى أم لا؟

نهر المسيسيبى ليس مجرد نهر كبير فى أمريكا، ولكن الحقيقة الواقعة أنه يمثل واحدًا من أهم الأسباب التى جعلت من أمريكا اقتصادًا ضخمًا بسرعة غير طبيعية، فالنهر طوله 3730 كم، مما جعله من أطول أنهار العالم.

ولكن الحقيقة القاطعة الأهم أنه صالح للملاحة لمسافة طويلة من غير عوائق تقريبًا، أى أن السفن تمر داخل النهر آلاف الكيلومترات دون توقف داخل القارة الأمريكية.

هذا النهر الذى يسير من شمال أمريكا حتى خليج المكسيك، وهو ما يسهل التحرك النهرى لأى تجارة من عمق القارة حتى المحيط بمنتهى السهولة.

الميزة النسبية الخاصة أنه ليس نهرًا متفردًا، بل شبكة عنكبوتية من الأنهار تضم نهر ميسورى وأوهايو وتينيسى وإلينوى، وعندما تحاول أن تجمع الممرات تجد مسافة قدرها 25000 ألف كم من الممرات المائية البحرية الصالحة للملاحة.

الأهم أن هذه النهرية كلها داخل أمريكا، عكس أوروبا؛ فنهر الدانوب يتفرع داخل عدة دول، وهنا النقل النهرى أرخص، وتكمن قوة الجغرافيا النهرية الأمريكية كوسيلة ذكية رخيصة طبيعية.

أما ملف الزراعة، فهى تحتوى على أخصب الأراضى الزراعية فى العالم، حوالى 1,7 مليون كيلومتر مربع، ضعف مساحة فرنسا، كما أنها تتمتع بالتربة السوداء، أو ما يسمى بالموليسول، أغنى تربة فى العالم بالمواد العضوية، والنتيجة أنها تنتج 30 فى المائة من إنتاج الذرة العالمى و30 فى المائة من الفول الصويا العالمى وغيرها من الغلال، والسر يكمن فى أن المزارع قريبة من شبكة الأنهار، على عكس قارتى آسيا وإفريقيا.

وجود المحيطات كقوة دفاعية كبرى؛ المحيط الهادئ والمحيط الأطلسى، المسافة بين أمريكا وأوروبا تبلغ 5000 كيلومتر عبر المحيط الأطلسى، وبينها وبين آسيا المحيط الهادئ حاجز طبيعى صامت يبلغ 8000 كيلومتر.

هذا بالإضافة إلى النفط الصخرى المتميز فى عملية معقدة؛ فحوض برميان الصخرى فى ولاية تكساس الأمريكية واحد من أهم مناطق النفط فى العالم بإنتاج يصل إلى أكثر من 5 ملايين برميل يوميًا، وغيره من النفوط الجنوبية، لتصبح أمريكا أكبر منتج للنفط فى العالم بإنتاج يصل إلى 13 مليون برميل يوميًا.

وهنا نقول إن الجغرافيا لعبت دورها فى صنع فارق القوة الأمريكية.

وهناك أثر حادث عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يقول إن جغرافيا إيران أيضًا صنعت فارقًا فى لعبة الحرب، وأن المسارات البرية لا تعوض المسارات البحرية، حتى النقل الجوى لا يلعب فى الحروب نفس دور الجغرافيا البحرية؛ فالثروة الحقيقية للعالم هى وجود منافذ بحرية خلقها المولى لتلعب دورها فى القوة، وترسم عالم ما بعد الحرب، فهل تعلم العالم الدرس، وكل دولة تنظر إلى قوتها الجغرافية الحاكمة لقواعد اللعبة والنفوذ والهيمنة الجديدة فى العالم؟

وإلى حديث آخر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة