رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«التجــرد».. البداية الحقيقية لاكتشاف الموهوبين


2-4-2026 | 15:20

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

القوة الناعمة المصرية ليست مجرد كلمة نرددها للتباهى والتفاخر، وليست جزءا من الماضى كما يتخيل البعض أنها انهارت واختفت ولم يعد لها وجود الآن، وكما كتبت فى مقالى الأسبوع الماضى أن قوة مصر الناعمة ما زالت مستمرة حتى لو شهدت تراجعا، وقلت إن هناك أسبابا خارجية وأخرى داخلية، وأن علينا أن نهتم بمعالجة الأسباب الداخلية من خلال التمسك بالشخصية والهوية المصرية المحفورة بأرواحنا، كما كتبت من قبل مقالات كثيرة عن قوة مصر الناعمة فى مختلف المجالات وأهميتها.

 

مصر تحمل تاريخا طويلا من المواهب التى شكلت وأثرت فى الشعب المصرى والعربى، والبعض كان له تأثير عالمى، وعلى سبيل المثال سيد درويش، فهو ليس مجرد مطرب، ولكنه استطاع تحرير الموسيقى من القوالب التركية، وجدد الموسيقى المصرية والعربية، وكان رائدا لمنْ جاء من بعده، ولا يمكن أن نقول إن أمثال أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ قد ماتوا، فما زالت أصواتهم تشجى وتطرب آذان وأرواح الشعب العربى بأكمله، مثلهم مثل الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ رفعت والحصرى والمنشاوى وحتى الشيخ النقشبندى ونصر الدين طوبار وغيرهم الكثيرون، والذين يحتاجون إلى مجلدات لسرد أسمائهم فقط.

وعلى نفس الخطى فنانون عظماء مثل الريحانى وإسماعيل ياسين وعادل إمام وفؤاد المهندس وشادية وفاتن حمامة وسعاد حسنى وعمر الشريف وشكرى سرحان ورشدى أباظة وأجيال كثيرة متعاقبة على مدار أكثر من مائة عام، منهم كتاب سيناريو ومخرجون ومصورون عظماء، وفى مجال الأدب والثقافة والصحافة ورسامى الكاركاتير فحدّث ولا حرج عن عمالقة يصعب أن يجود بهم الزمان مرة أخرى أمثال طه حسين والعقاد وإحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والسباعى وأحمد شوقى ورامى، وآخرون لا تكفيهم صفحات المجلة لحصرهم، وحتى فى الرياضة كان السيد نصير الرباع رافع الأثقال أول مصرى وعربى يحصد ميدالية ذهبية فى الدورات الأولمبية، ولم يكن من العجيب أن يقوم أمير الشعراء أحمد شوقى بتمجيده فى قصيدة خاصة «شرفا نصير ارفع جبينك عاليا .. وتلق من أوطانك الإكليلا»، وإن كان نادى الإسماعيلى هو أول من حقق بطولة إفريقيا، مثلما كان المنتخب المصرى أول بطل لإفريقيا؛ ليأتى الأهلى والزمالك ليسا فريقين يلعبان كرة القدم فقط، ولكنهما من ضمن عناصر القوة الناعمة المصرية، وتستمر هذه القوة بفخر العرب بالعالمى محمد صلاح.

وفى كل المجالات نستطيع أن نسرد أسماء كنماذج، ولكن هذا يقلل من ملايين المواهب الأكفاء المجهولين الذين كانوا يعملون فى صمت، ولكنهم كانوا جنودا فى القوة الناعمة المصرية على الأشقاء العرب ودليلا على قوة الشخصية المصرية، فعندما احتاج الأشقاء العرب إلى البناء، كانت الشخصية المصرية هى حجر البناء لكل الأشقاء سواء من مدرسين أو أطباء أو مهندسين أو محاسبين، حتى عمال بناء فى كل المجالات كان المصرى مؤهلا للقيام بدوره بكل تفانٍ وإتقان وحب على مدار عقود من الزمان وما زالت مستمرة.

ولعلاج الأسباب الداخلية لتراجع دور القوة الناعمة نجد الرئيس السيسى خلال لقاء المرأة المصرية والأم المثالية يطالب باكتشاف المواهب فى كافة المجالات، بما فى ذلك مجالا الرياضة والفنون، ويوجه بإطلاق برنامج دولة الفنون والإبداع على غرار برنامج «دولة التلاوة».

مطلب الرئيس هو تأكيد على مدى عمق رؤيته وإيمانه بأهمية القوة الناعمة المصرية فى مختلف المجالات، وللحق لم تكن المرة الأولى التى تؤكد أن الرئيس السيسى مهتم بإعادة القوة الناعمة المصرية لمكانتها كما كانت فى السابق، فمنذ بداية قيادته للبلاد وهو حريص على دعم القوة الناعمة المصرية؛ سواء من خلال اللقاءات المختلفة أو تكريم الأبطال الرياضيين فى مختلف المجالات سواء كبارا أو ناشئين، كما التقى من قبل بمواهب برنامج كابيتانو ودائم التواصل مع ذوى الهمم للتأكيد على اندماجهم بالمجتمع بشكل سليم واكتشاف المواهب منهم فى كل المجالات الممكنة، كما أنه يلتقى مع الفنانين، وطالب أكثر من مرة أن تكون الدراما فى رمضان معبرة عن الهوية المصرية، كما كرم مثلا الفنان سامح حسين العام الماضى على برنامجة قطايف المُذاع على وسائل التواصل الاجتماعى.

هذه مجرد نماذج بسيطة من اهتمام الرئيس السيسى بالقوة الناعمة المصرية من خلال بناء الإنسان المصرى، وأحب أن أتوقف عند كلمة هامة جدا قالها الرئيس وهى اكتشاف المواهب (بشكل متجرد)، وأعتقد أن التجرد هو أساس المشكلة؛ لأننا نعلم جميعا أن مصر مليئة بالمواهب فى كل المجالات، ليس الفن والأدب والشعر والرياضات المختلفة فقط، ولكن أيضا فى مختلف المجالات وحتى المهن، فنحن نطلق على الصنايعى الشاطر لقب دكتور وما أكثرهم فى حياتنا.

المشكلة الحقيقية تكمن فى التجرد، فمثلا كان فى الماضى نادى المقاولون العرب يضم أقوى ناشئين فى مصر، ويهتمون بهم وذلك لأن كل الناشئين يذهبون إلى حلمهم فى الأهلى أو الزمالك، ولكن الواسطة والمحسوبية والعلاقات كانت تقضى على أحلام كثير من الناشئين الذين لا يجدون أمامهم إلا نادى المقاولين العرب، والذى كان يُحسن اختيارهم بتجرد، ولم نعد نملك فى مصر عبده البقال كشاف النجوم، الذى كان يجوب المحافظات لاكتشاف المواهب.

واليوم أصبحنا نعانى من وزراء يؤدون دورهم الوظيفى وليس دورا إبداعيا، وخاصة فى الوزارات التى يمكنها اكتشاف ودعم المواهب، والذين يكتفون ببيانات للأنشطة مع بعض الصور للتأكيد على أنهم يعملون، وبعد انتهاء الزيارة والنشاط يتم تجميع العهدة لإعادتها المخازن مرة أخرى؛ رغم أن العملية ليست بالصعوبة أو باهظة الثمن، فمثلا عندما أقدم الفنان أشرف عبدالباقى على إنشاء فكرة مسرح مصر، ذهب لاكتشاف عدد من المواهب التى لا يعرفها أحد، وبخبرته الفنية استطاع عمل فرقة، وبعد سنوات قليلة جدا أصبحوا نجوما يعرفهم الجمهور، فالقصة ليست صعبة، كما يتخيل البعض خاصة أن هناك أماكن تعمل بجد وتنتظر منْ يلقى الضوء على عملها مثل بعض قصور الثقافة مثلا، ولكنها لا تستطيع أن تصل إلى كل الجمهور مثلها مثل دار الأوبرا المصرية التى تحوى مواهب كثيرة يكتشفها القائمون، بجانب الدور الكبير الذى يقوم به الفنان المبدع سليم سحاب وغيره، وهنا البعض يلقى باللوم على الإعلام أو قنوات التليفزيون بالأخص، والبعض يقول إن هناك قنوات متخصصة مثل القناة الثقافية، فأين هى؟

الإجابة لها أكثر من شق، فالإعلام يحمل جزءا من المسئولية؛ لأنه لا يهتم بالجانب الثقافى أو اكتشاف المواهب لحساب برامج النميمة، والأسئلة الساخنة للبحث عن التريند على السوشيال ميديا على حساب جودة المحتوى، وللحق ما زالت هناك جرائد ومجلات تهتم بالثقافة، ولكنها تحتاج إلى تطوير أسلوبها؛ لكى تستطيع أن تصل إلى الأجيال الجديدة، وبالنسبة لقناة النيل الثقافية فهى تحتاج إلى مثقف مبدع يملك فكرا لتطوير ذلك الصرح الهام جدا، وبصحبته مجموعة مختارة بعناية من محبى الثقافة على الأقل، وليس من نوعية الموظفين، وهو نفس الأمر الذى ينطبق على وزارة الثقافة، والصورة ليست قاتمة كما يتخيل البعض، فهناك محاولات ونماذج مختلفة يقدمها البعض، ويكفى أن معرض الكتاب السنوى يجذب الملايين من الشعب وليس معرضا مهجورا، وبالنسبة للإعلام أيضا هناك محاولات جادة، وإن كان أغلبها على الإذاعات، وهى بداية جيدة لإعادة تطوير المحتوى الإعلامى من الإذاعة، فمثلا برنامج حكايات العم والخال الذى قدمه الكاتب الصحفى محمد توفيق فى الإذاعة المصرية كان برامجا خفيفا ورائعا وغنيا بالقصص والحكايات عن العم صلاح جاهين والخال عبدالرحمن الأبنودى، والحلقات متاحة على موقع الإذاعة على يوتيوب لكى تسمعها، وبها جرعة ثقافية بشكل يصل بسهولة للمستمع، وهنا يجب أن نركز على نقطة غاية فى الأهمية وهى العمل للوصول للجمهور وليس الاكتفاء بالعمل نفسه فقط، بمعنى أننى قد لا أستطيع سماع البرنامج على الهواء، ولكنى أستطيع المتابعة على السوشيال ميديا، وهو ما تحقق بشكل جيد للبرنامج على مواقع التواصل الاجتماعى بدون لجان أو دعاية، والأمر نفسه مع برنامج «كلم ربنا» للكاتب الصحفى أحمد الخطيب على راديو 9090 وهذا البرنامج يحمل حالة روحانية جميلة ولحظات صدق ومواقف إيمانية المجتمع فى أشد الاحتياج لمعرفتها؛ لتجدد الروح داخلنا، فمنْ منا لا يكلم الله؟ فما بالك عندما تسمع حكايات حقيقية عن قدرة الله وعظمته ورحمته بنا من أصحاب المعاناة أنفسهم، ولا تتعجب أن تجد البابا تواضروس كان أحد ضيوف البرنامج منذ سنوات، وهذا البرنامج بالأخص (يعمل حالة)على السوشيال ميديا طوال الشهر الكريم، مثلما حدث العام الماضى مع الفنان سامح حسين فى برنامج «قطايف».

وهنا أتوقف لحظة خاصة بعد إشادة الرئيس السيسى بالبرنامج العام الماضى، فكانت المفاجأة أن يتحرك حزب «مستقبل وطن» لتطوير الفكرة والاستفادة من شعبية الفنان وبرنامجه بعمل برنامج «بركة رمضان» من خلال جولات ميدانية، يقوم بها الفنان سامح حسين بين كل المحافظات والقرى والمناطق الشعبية لتقديم الدعم المباشر للمواطنين ورصد احتياجاتهم والعمل على تلبيتها من خلال المبادرات، التى يقدمها الحزب، وبرنامج «بركة رمضان» نموذج مختلف يحتذى به، وتم توفير كل الإمكانيات الفنية له؛ ليخرج بشكل متكامل ومحبب للجميع، وللحق كل الشكر لقيادات وشباب حزب مستقبل وطن على المجهود الذى تم التجهيز للبرنامج قبل رمضان بشهور والمتابعة الدائمة من النائب أحمد عبدالجواد أمين عام الحزب.

نماذج البرامج التى تحمل مضمونا جادا وتنمى الثقافة كثيرة ومتعددة، ولكنى توقفت مع برنامج يوسف الحسينى على إذاعة نجوم إف إم بعنوان «مشاهد غيّرت التاريخ»، والذى تضمن حكايات هامة جدا عن شخصيات مختلفة، وللأمانة الحلقات التى كتبها الكاتب الصحفى مصطفى الكيلانى مكتوبة بتركيز وبشكل سريع ومختصر، وزد عليها أسلوب يوسف المميز فى الأداء.

الخلاصة أن مصر مليئة بالمواهب فى كل المجالات، وأن البضاعة الجيدة تلقى الإشادة والمتابعة حتى لو كانت إذاعة أو على السوشيال ميديا، ولا تحتاج إلى لجان على مواقع التواصل الاجتماعى للحصول على تريند، ولا تحتاج إلى ملايين تُصرف، وكل ما نحتاجه حقا التجرد فى الاختيار والتحرر من فكرة المشاهد «عايز كده»، وأكبر دليل أن مسلسل نرجس بواقعيته الشديدة والبساطة فى الديكور أو الأزياء أو المكياج برهن على وهم فكرة المشاهد «عايز كده»، وضاعت ملايين الجنيهات التى صرفها البعض على عمليات تجميل وإكسسوار ومكياج وأزياء عالمية وتصوير فى أماكن فخمة وسيارات فارهة؛ لأن كل هذه الكماليات لا تنتمى إلى الهوية المصرية الحقيقية، ولكنها تقليد لعادات غربية يلفظها المجتمع مهما أعجب به البعض؛ لتظل الشخصية المصرية بكل ما تحمله من جينات هى السائدة وليست المتنحية؛ ولنعمل جميعا بتجرد لاكتشاف المواهب الحقيقية فى كل المجالات لإعادة القوة الناعمة المصرية لمكانتها داخليا وخارجيا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة