جاءت اعترافات الإرهابى على محمود عبدالونيس، أحد قادة حركة «حسم» الإخوانية، لتكشف بلا مواربة عن إصرار الأشرار على تخريب وتقويض الدولة المصرية عبر موجات من الإرهاب والعنف المنظم، لقد بات واضحًا أن الإخوان جماعة إرهابية غارقة فى العنف وإراقة الدماء حتى أذنيها، وأيدى عناصرها ملطخة بدماء الأبرياء.
الاعترافات تؤكد أكذوبة أن بالإخوان جناحًا دعويًا سلميًا وآخر مسلحًا عنيفًا، والحقيقة أنهم كيان واحد تتوزع فيه أدوارهم، فمنهم من يقوم بالتخطيط، ومنهم من يجمع التمويل، ومنهم من يقوم بتنفيذ العمليات الإرهابية، ومنهم من يقوم بتبرير تلك الجرائم على مواقع التواصل وعلى قنواتهم الإعلامية،جميعهم يعملون وفق منظومة متكاملة، وليس عبر جماعات منفصلة أو حركات مختلفة، وعلى كل من يروج لفكرة أن الجماعة ضلت الطريق ومارس بعض أفرادها العنف أن يراجع نفسه، لأنه يضلل المجتمع ويساعد الإرهابيين على التخريب، وكل من كان يؤمن أنهم دعويون فقط عليه أن يراجع اعترافات عبدالونيس وهو أهم قيادات «حسم».
الإخوان لن تتوقف عن ممارسة الإرهاب
إن حركة «حسم» الإرهابية، التى نشأت كأحد تنظيمات الإخوان المسلحة لممارسة العنف، سواء بالاغتيال المباشر لشخصيات تنفيذية أو أمنية أو تنفيذ عمليات إرهابية، لن تتوقف عن ممارسة ما أُنشئت من أجله، وإن توقفها عن نشاطها الإرهابى يعود بالأساس إلى إعادة هيكلة الحركة بعد تلقيها ضربات أمنية مفصلية، إضافة إلى وضع إطار فكرى للحركة ومسارات عمل جديدة.
هذه الكيانات لا تموت؛ إنها تعيد تشكيل نفسها وفق ضغط الواقع، وتبدّل أدواتها، وتبدع فى التكيّف، فتتخفى لتبقى وتستبدل الظهور بالتمويه لتطيل عمرها، واستئناف عملياتها التخريبية متى سنحت الفرصة، الحقيقة أننا أمام عدو يعيد إنتاج ذاته باستمرار، ويتقن فن التخفى والتحول، وينفذ جرائمه ضد المصريين بإصرار.
حكاية عبدالونيس
ولكى يدرك القارئ أهمية اعترافات عبدالونيس ودلالات بكائه فى نهاية اعترافه، وقيمة نصيحته لزوجته بألا تنضم، لا هى ولا ابنه، لأى تنظيمات، يجب عرض قصته بشكل سريع، ولد على عبدالونيس فى زاوية البقلى، مركز الشهداء، محافظة المنوفية، وقد عقد والداه عليه آمالًا كبيرة، وانتظرا له مستقبلًا واعدًا، وعند انتقاله إلى القاهرة والالتحاق بكلية الزراعة بجامعة الأزهر، تلقفته أيدى الجماعة، ودعوه للانضمام إليهم، وتحت زيف الشعارات وتقديم الإسلام بصورة مغلوطة، التحق بالجماعة وبقسم الطلبة.
وعندما صعد الإخوان إلى سدة الحكم فى 2012، لم يكن الفتى قد تجاوز العشرين عامًا، فوجد نفسه مساقًا مع الحشود الإخوانية، وبعد ثورة 30 يونيو 2013، كان لا يزال طالبًا فى الجامعة، فشارك فى العديد من المظاهرات، متأثرًا بما أقنعه به الإخوان من أن ما جرى انقلاب وأن الإسلام فى خطر، صدّق المسكين هذه الدعاوى، فانزلق معهم فى غضون عام 2014 وورّط نفسه فى تدريبات خارج مصر على أسلحة ثقيلة ومضادات للصواريخ، وغيرها من صناعة المتفجرات، ومن عملية إلى أخرى، ومن جريمة إلى أخرى، وجد نفسه متورطًا حتى أذنيه، استغل الإخوان المقيمون فى تركيا وقطر وأوروبا سذاجة واندفاع الشباب، ودفعوهم إلى مزيد من العمليات الإرهابية لقتل الأبرياء تحت مزاعم نصرة الدين، ثم اكتشف المغرر بهم أن الأمر لا يتجاوز صراعًا على المصالح والمناصب وكرسى الحكم.
لم يكن عبدالونيس مجرد عضو فى حركة «حسم» الإرهابية المسلحة، بل كان من القادة الميدانيين الذين خططوا ونفذوا عمليات إرهابية واسعة، وارتبط اسمه بقضايا بارزة، منها القضية رقم (4459) لعام 2015 جنايات حلوان، المعروفة باسم «كتائب حلوان»، وحُكم عليه بالسجن (15) عامًا، والقضية رقم (123) لعام 2018 جنايات عسكرية شرق القاهرة، الخاصة بمحاولة استهداف شخصيات عامة، وحُكم عليه بالسجن (10) أعوام، والقضية رقم (120) لعام 2022 جنايات عسكرية شرق القاهرة، والمتعلقة بمحاولة استهداف الطائرة الرئاسية واغتيال الشهيد المقدم ماجد عبدالرازق، وحُكم عليه بالسجن المؤبد.
لم تكن تحركات «حسم» وغيرها بعيدة عن أعين الأجهزة الأمنية، التى رصدت نشاطًا مكثفًا لعناصر الحركة، ومحاولاتهم التسلل عبر الحدود بطرق غير شرعية، تمهيدًا لتنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية. وعلى وجه الخصوص العقل المدبر يحيى موسى، المشرف على هيكلها العسكرى، والقيادى علاء السماحى، والإرهابى محمد عبدالحفيظ عبدالله عبدالحفيظ.
مشهد النهاية
ومع محاولة الجماعة إعادة إحياء نشاط حركة «حسم» الإخوانية، جرى تكليف عبدالونيس بالعودة مرة أخرى إلى مصر لإحياء الخلايا المسلحة والاستعداد لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة، عبر دولة إفريقية لهم فيها نفوذ، غير أن الأجهزة الأمنية كانت قد سبقتهم، واستعدت لاستقبال عبدالونيس، حيث تم ترحيله من نيجيريا – بحسب زوجته زينب عبدالسلام – فى أغسطس 2025، وهو ما يعكس أن أجهزة الأمن المصرية تتابع ملف «حسم» بدقة، وترصد تحركات العناصر المطلوبة دون غفلة، وقد جاءت هذه الضربة الأمنية لإجهاض محاولات إعادة إحياء النشاط الإرهابي، نتيجة لجهود رجال الأمن الأوفياء، ومتابعتهم لإصدار النشرة الحمراء للإنتربول الدولى لملاحقة من تلطخت أيديهم بدماء المصريين.
واعترف عبدالونيس اعترافًا مملوءًا بالندم والحسرة ومرارة النهاية وشعور الحزن والخذلان، لم يكتفِ بالاعتراف، بل بكى ندمًا، وبكاؤه – وإن بدا صادقًا – جاء بعد فوات الأوان، فى لحظة لا ينفع فيها الندم. ندمٌ على عمرٍ أُهدر هباءً، وعلى دماء أبرياء أُزهقت دون ذنب، كانت نتيجة مباشرة لتخطيطه ومشاركته، بكى لأنه أدرك أن ابنه قد يحمل نفس الفكرة يومًا، فيسير إلى المصير ذاته. المطلوب اليوم هو استمرار المواجهة الشاملة الكاملة؛ يقظة أمنية لا تهدأ، وتجفيف حقيقى لمصادر التمويل، وفضح متواصل لخطاب التحريض، نحن بحاجة ماسة إلى برامج توعية تستهدف المدارس والجامعات والفضاء الرقمى، برامج تُرسخ قيم المسئولية وتحصّن العقول ضد التضليل، بهذا التوازن يمكن تقليص مساحة تأثير تلك الشبكات، وحماية المجتمع من دوامات العنف، وحتى لا يخرج علينا عبدالونيس آخر.