سيبدأ «فهمي»، الدبلوماسى المصرى البارز والخبير السياسى المُحنك مهام عمله رسميًا بالأول من يوليو المقبل، وهى فترة فى غاية الحساسية، إذ تمر منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص بعدد من التحديات السياسية والإقليمية والاقتصادية فى ظل الحرب التى شنتها إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران، وما تبعها من ردود فعل غير متزنة من قبل طهران تجاه الدولة العربية. علاوة على ذلك، يواجه فهمى، فى ظل توليه منصب الأمين العام للجامعة العربية العديد من الملفات الساخنة بالمنطقة العربية على رأسها معضلة وقف الحرب فى قطاع غزة والأوضاع المتوترة فى سوريا، بالإضافة إلى النزاعات فى اليمن وليبيا والسودان، فضلًا عن تحديات التنمية المستدامة وتعزيز التعاون الاقتصادى بين الدول الأعضاء.
«فهمى»، استنادًا إلى تاريخه كرجل دبلوماسى تولى وزارة الخارجية بفترة عصيبة بالتاريخ المصرى الحديث، وما شملته سياساته من التركيز على التحديات الخارجية، فإنه جدير بتحمل المسؤولية بتلك الحقبة لما له من خبرة واسعة فى الحقول الدبلوماسية أكسبته سمعة طيبة واحترام العديد من الدول والشعوب العربية، حيث لعب دورًا محوريًا فى بناء جسور التواصل بين دول المنطقة العربية.
يواجه «فهمى»، فى ظل منصبه الجديد عددًا من التحديات منها الانقسامات بين الدول العربية، حيث تتباين مواقف الدول تجاه القضايا الإقليمية الكبرى مثل الحرب فى غزة، والأزمات فى السودان وسوريا واليمن، وهذا التباين لا يقتصر على اختلاف الرؤى السياسية، بل يمتد إلى تضارب الأولويات الاستراتيجية والتحالفات الدولية، ما يُضعف إمكانية التوصل إلى موقف عربى موحد.
كما يعانى الأمين العام للجامعة العربية فى تلك الأوقات العصيبة من قيود هيكلية مرتبطة بطبيعة عمل جامعة الدول العربية، التى تفتقر إلى آليات إلزام حقيقية لتنفيذ قراراتها، فالنظام المؤسسى القائم يعتمد بشكل أساسى على التوافق السياسى وليس على آليات تصويت ملزمة، ما يجعل القرارات أقرب إلى التوصيات منها إلى السياسات التنفيذية، وهذه القيود لا تُجدى نفعًا فى ظل ما تشهده المنطقة العربية من تعقيد الأزمات الإقليمية بدءًا من استمرار الحرب فى غزة، مرورًا بالصراع فى السودان، ووصولًا إلى التحولات الجارية فى سوريا واليمن.
هذه الأزمات تتسم بتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين، ما يُصعب من مهمة الأمين العام فى بلورة مواقف عربية موحدة أو طرح مبادرات فعالة، وهنا يبرز غياب الأدوات التنفيذية لدى «الجامعة» ما يجعل دورها يقتصر غالبًا على الوساطة.
بالإضافة إلى التنافس الدولى على المنطقة وصراع السيادة من الدول الكبرى وهو ما يضع الأمين العام للجامعة أمام معادلة معقدة تتطلب التوازن بين هذه القوى دون الإضرار بالمصالح العربية، فضلاً عن تصاعد قضايا الأمن والتهديدات الأمنية غير التقليدية فى المنطقة مثل الأمن السيبرانى، والإرهاب العابر للحدود، والهجرة غير النظامية، والتغير المناخى، كما يواجه الأمين العام للجامعة ضعف التكامل الاقتصادى العربى. فبالرغم من وجود مبادرات لتعزيز التعاون الاقتصادى، لا يزال مستوى التكامل الاقتصادى بين الدول العربية محدودًا، حيث يعانى التبادل التجارى من ضعف ملحوظ، إلى جانب غياب مشروعات تكاملية كبرى، فيما تسهم الفجوات التنموية والاقتصادية بين الدول فى تعقيد هذا الملف، ما يضع الأمين العام أمام تحدى تحويل الاتفاقيات الاقتصادية إلى واقع عملى داخل إطار جامعة الدول العربية، بما يعزز من الاعتماد المتبادل ويقلل من الهشاشة الاقتصادية.
نبيل فهمى، ليس دبلوماسيًا عاديًا، فهو يتمتع بفطرة سياسية كونه نجل إسماعيل فهمى والذى تقلد منصب وزير الخارجية المصرية إبان حكم الرئيس الراحل محمد أنورالسادات من عام 1973 إلى عام 1977، قبل أن يُقدم استقالته أثناء مفاوضات كامب ديفيد عام 1979. وبينما يكتسب «فهمى»، سمعة طيبة من سيرة والده، فإنه لا يقل عنه فى الاحتراف الدبلوماسى، حيث شغل العديد من المناصب خلال حياته المهنية منها منصب نائب وزير الخارجية، ومنصب مستشار نائب رئيس الجمهورية، وكان سكرتيراً للرئيس لشؤون الاتصالات الخارجية من فبراير 1974 إلى أغسطس 1976.
كذلك، كان له باع كبيرة فى العمل داخل أروقة وزارة الخارجية إذ شغل عددًا من المناصب منها عضو فى البعثة المصرية لدى مكتب الأمم المتحدة فى جنيف ونيويورك، ومستشار سياسى من أغسطس 1993 إلى سبتمبر 1997، علاوة على ذلك قام بتمثيل مصر «سفيرًا» فى عدد من الدول، إذ شغل منصب سفير مصر لدى اليابان من سبتمبر 1997 إلى سبتمبر 1999، وهو العام الذى انضم به إلى أعضاء المجلس الاستشارى للأمين العام للأمم المتحدة المعنى بقضايا نزع السلاح، وعُين رئيسًا للمجلس عام 2001، وحتى عام 2003. وكانت الفترة الأصعب، عندما شغل منصب سفير مصر لدى الولايات المتحدة من أكتوبر 1999 إلى سبتمبر 2008، وبالتالى، شهدت فترة ولايته هجمات 11 سبتمبر.
«فهمي» ليس سياسيًا ناجحًا فقط، بل هو أكاديمى بارع، إذ يحمل شهادة بكالوريوس فى الفيزياء والرياضيات، وشهادة ماجستير فى الإدارة، وكلاهما حصل عليهما من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عامى 1974 و1976 على التوالى، وبعد مشواره الدبلوماسى كـ«سفير مصرى»، انضم إلى الجامعة الأمريكية بالقاهرة كعضو هيئة تدريس، كما أنه العميد المؤسس لكلية الشؤون العامة بالجامعة، بالإضافة إلى ذلك، عمل عميدًا للكلية، وتم تعيينه رئيسًا غير مقيم لمشروع الشرق الأوسط الذى نفّذه مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووى عام 2009، كما كان عضوًا فى مجلس إدارة شركة ماكلارتى أسوشيتس. ينشر «فهمي»، مقالات متنوعة فى مدونته على موقع «هافينجتون بوست»، وهو مؤلف كتاب «دبلوماسية مصر فى الحرب والسلام والانتقال» الذى نشرته دار بالجراف ماكميلان عام 2020، وحصل على درجة الدكتوراه الفخرية من معهد مونتيرى للدراسات الدولية، كلية ميدلبورى، فى مايو 2009.