كان من التقصير أن تتراجع الأعمال الدرامية، خاصة مسلسلات شهر رمضان، عن تقديم الموضوعات والقضايا ذات البعد التاريخى والوطنى، فقد ثبت أن هذه الأعمال تثرى الوعى العام بالعديد من الأمور، خاصة أننا فى مجتمع به نسبة ليست قليلة من الأمية الأبجدية، فضلًا عن الأمية الثقافية لدى آخرين، وهكذا تصبح هذه الأعمال، بالإضافة إلى الأعمال الوثائقية مصدرًا ثقافيا وربما تعليمى لكثيرين.
لكن فى السنوات العشر الأخيرة انتبه القائمون على الأعمال الدرامية والشركة المتحدة تحديدًا إلى ضرورة تقديم بعض الأعمال التاريخية والوطنية، وهكذا تابعنا مسلسل «الاختيار» بأجزائه الثلاثة، ومسلسل «هجمة مرتدة» وغيرهما من الأعمال، هذا العام تابعنا عملاً من هذا النوع هو «عملية رأس الأفعى»، والمقصود هنا د، محمود عزت القائم بعمل المرشد العام منذ يوليو 2013 وحتى سنة 2020، لحظة إلقاء القبض عليه وتقديمه للمحاكمة.
العمل تابعه ملايين المشاهدين فى مصر وخارجها، ولن نعاود التذكير بأحداثه، لكن سمينا هنا عدة أمور، نجح العمل فى إبرازها، تتعلق بما كانت تقوم به جماعة إخوان البنا، عبر عقود، وتتعلق أيضًا بأولئك الذين كانوا يبررون جرائمها أو يحاولون التماس الأعذار لها.
المعنى الأول أنه منذ قضية سنة 1965، التى حوكم فيها محمد بديع و محمود عزت، جعلت الجماعة تقرر عدم الزج باسمها مباشرة فى جرائم العنف، كان سجل الجماعة العنف ومحاولات الاغتيال فى سنة 48 وفى سنة 1954، وفى سنة 1965 وهكذا قرروا إنشاء مجموعات من داخلهم، تحمل بعض الأسماء ويتم تكليفهم بتنفيذ العمليات، فإذا فشلوا تبرأوا منهم وإن نجحوا صار المكسب والحصاد لهم، وهكذا كانت جماعة شكرى مصطفى التى عرفت باسم، التكفير والهجرة، وهم مَن اختطفوا أو اغتالوا وزير الأوقاف الأسبق الشيخ محمد حسين الذهبى، وقبلها جماعة صالح سرية التى قامت بعملية الفنية العسكرية سنة 1974، وقال طلال الأنصارى أحد المحكوم عليهم بالإعدام، ثم خفف الرئيس السادات الحكم السابق، فى مذكراته إنهم قبل التفكير فى العملية حصلوا على إذن ومباركة من المرشد الثانى حسن الهضيبى، ونفذت العملية بعد وفاته، وقال إن المباركة جاءتهم عبر الحاجة زينب الغزالى.
وبعد ثورة 30 يونيو 2013 وقرارات 2 يوليو، سارت الجماعة على نفس المنوال، مارست العنف والإرهاب، كما حلموا به سنة 1965، ولكن قامت بالعنف مجموعة محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، وأطلق عليها جماعة «حسم الثورة».، «لواء الثورة» العقاب الثورى، وهكذا مجموعات إرهابية بأموال إخوانية وأعضاء من الجماعة ولكن تحت لافتات مختلفة، حتى تخرج الجماعة فى العلن وتعلن أنها جماعة سلمية، وأنها ضد العنف على طريقة حسن البنا سنة 1948 بعد اغتيال النقراشى.، «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين» هكذا كانوا من البداية وهم كذلك إلى اليوم.
ورغم أن الجماعة توشك أن تتم عامها المائة (بعد عامين) إلا أنها ترتكب نفس الجرائم، وتحمل نفس الأفكار، فقط تتغير أسماء من ينفذون ويقومون بالعمليات.، ذلك أنهم إلى اليوم يعيشون على أفكار حسن البنا فى رسائله وسيد قطب فى كتاباته المليئة بالتكفير والدعوة إلى العنف.
ومن أخطر ما انطوت عليه الجماعة هو أنها لم تكن يومًا «جماعة وطنية» ولا هى جزء من الجماعة الوطنية، حين كانت القوى الوطنية منذ ثورة 1919 تنادى بالاستقلال التام وبناء دولة وطنية مدنية، مستقلة، كان حسن البنا يحارب الدولة الوطنية وينادى بدولة الخلافة، ويرفض فكرة الحدود الجغرافية، كان يتحدث عما أسماه دار الإسلام، وكان ضد الدولة المدنية بدستورها وقوانينها، ومن ثم لم يكن الاحتلال البريطانى والجلاء عن مصر من بين عموم الجماعة ولا هو ضمن أولوياتها، لذا كانت معاركهم فى الأربعينيات مع الوفد والأحزاب المصرية والملك ولم تكن مع الإنجليز، وقد تكشف ذلك بوضوح فى بؤرة رابعة العدوية، حين أرادوا تأسيس دولة موازية داخل الدولة، تتمتع بحماية أو وصاية دولية، علميا كانوا يسعون إلى حماية دولية، أى احتلال جديد، وما كان واضحا فى منصة رابعة وأحاديثهم، ذكره بوضوح تام د، محمود عزت فى التحقيقات معه، بعد إلقاء القبض عليه، صيف سنة 2020.
وطوال السبعينيات وما بعدها، حتى يناير سنة 2011، خلط بعض المعارضين لسياسات الرئيس السادات، بين الموقف من تلك السياسات وحضانته لهذه الجماعة، والحاصل أنه ربما بمنطق .، «عدو عدوى صديقى» احتضنت بعض الرموز السياسية تلك الجماعة وراحت تبرر لها بعض ممارساتها، مثل أن التطرف والتشدد يعود إلى الفقر والأزمة الاقتصادية وليس لأن هناك أفكارًا متطرفة، وأن السبب فى انتشار الجماعة هو ضعف التعليم وانتشار الأمية والجهل، وهكذا.، ثم راحوا يقولون إن الجماعة فصيل وطنى، لذا تعاونوا معها، وساندوها، فى انتخابات النقابات المهنية والسيطرة عليها وفى البرلمان.
وقد حاولنا تفنيد تلك المقولات ومواقف أصحابها، غير أن العمل الدرامى الذى تابعناه طوال شهر رمضان عن «رأس الأفعى»، وضعنا أمام بعض الحقائق، أهمها أن محمود عزت لم يكن فقيرا، هو ابن حى مصر الجديدة فى الخمسينيات، حيث كان مستقر الشريحة العليا من «أبناء الطبقة الوسطى»، لم تكن منطقة الفقراء ولا محدودى الدخل، وهو من الناحية التعليمية، كان طالبا وأستاذا فى كلية الطب – جامعة عين شمس.، ويمتلك منشأة طبية كانت فى عمارات الميرلاند بمصر الجديدة، أى أننا بإزاء رجل ثرى، وعلى مستوى علمى وأكاديمى رفيع، ليس هو وحده، معظم قيادات الجماعة كانوا على هذا المستوى، عصام العريان وعبدالمنعم أبوالفتوح طبيبان، محمدالبلتاجى أستاذ فى كلية الطب، محمد بديع أستاذ فى الطب البيطرى، محمد مرسى كان أستاذًا بكلية الهندسة، خيرت الشاطر كان معيدًا بكلية الهندسة ونال الماجستير، محمد كمال الإرهابى الأكبر بعد سنة 2013، كان طبيبًا.، وهكذا أعداد كبيرة منهم.
باختصار مقولات بعض اليساريين عن مفهوم الرئيس السادات فى تبرير ظهور الجماعة على هذا النحو أو محاولة التعاطف معها، تقوم على مبررات واهية.، وهناك دراسة مهمة للخارجية الأمريكية بعد 11 سبتمبر 2011 عن رموز التطرف والإرهاب، مثل د، أيمن الظواهرى وهؤلاء جميعا، تبين أن أكثر من 90 فى المائة منهم من ذوى التعليم العالى والمتميز فى تخصصات علمية، تحديدا الطب والهندسة، وأنهم من أبناء الشريحة العليا فى الطبقة الوسطى بين مجتمعاتهم، ومن ثم فإن مقولة الفقر والجهل وضعف الديمقراطية كسبب لانتشار هذه الجماعات، مرفوضة أو غير دقيقة.
وفى حالة محمود عزت فقد كان لديه دائما فائض من الأموال، تحت تصرفه، ينفق منها بلا حساب، يمنح هذا ويعطى ذلك، أموال تقدر عند البعض بمئات الملايين من الدولارات، فضلا عن عملات أخرى مثل اليورو – مشاريعهم فى مصر كانت تقدر بمليارات الجنيهات، قرى سياحية كاملة، ومزارع منتشرة فى أنحاء مصر، شقق سكنية وفيلات، فى السنوات الأخيرة، قدرت ثرواتهم بمليارات الدولارات، هم أنفسهم فى فترة الدعاية لمرشحهم الرئاسى محمد مرسى، ذكروا فى لافتات بالشوارع، أن لديهم بالخارج 300 مليار دولار، وأنهم لو نجحوا فى الانتخابات سوف يعيدونها أو يدخلونها إلى مصر، ولما نجحوا عملوا على إخراج الأموال من مصر إلى الخارج، وبعد ثورة 30 يونيو، حاولوا تهريب العملات الصعبة إلى الخارج وحاولوا حصار مصر اقتصاديًا بمنع المصريين فى الخارج من إرسال التحويلات إلى الداخل، وعرضوا شراءها منهم بأسعار تفوق الأسعار العادية والموجودة فى البنوك، ولكن فشلوا فى ذلك بفضل وعى المواطنين بمخاطر هذه الجماعة وما تقوم به.
الأعمال الدرامية والكتابات الفكرية عن الجماعة، ليست فقط لتنشيط الذاكرة، ولا هى كما يشيع أبواق الجماعة محاولة تشويه لهم، رغم أن الجماعة فى حكم المنتهية.
بالطبع تنشيط الذاكرة الوطنية رسالة مهمة، واجب وطنى وإنسانى، لأن خطر الجماعة لا يزال قائمًا، وأمامنا ما يجرى فى السودان هم طرف فى قلقلة الأمور داخل السودان الشقيق، كما كانوا من قبل سببًا رئيسًا فى انفصال الجنوب بممارساتهم التى دفعت العالم إلى تبنى انقسام الجنوب، وهم الآن ما زالوا يعيثون فسادًا، هم كذلك فى جنوب اليمن، وبالنسبة لنا نحن فى مصر.
نعم نجحنا فى القضاء على إرهاب الجماعة، لكن لا تزال أفكارهم قائمة، فى كتب سيد قطب ورسائل حسن البنا، ولا تزال تنظيماتهم خارج مصر تنشط.، هم كذلك ما زالوا فى بعض البلاد الأجنبية يتربصون بالبلاد، ولديهم نفس الرهانات القديمة، أن ينسى الناس ما جرى منهم من خلال السنة التى حكموا فيها البلاد وعمليات الإرهاب التى قاموا بها ضد أفراد الشعب ومؤسسات الدولة.
الذين يتخذون موقفًا رافضًا للحكومة أو معاديًا للدولة بسبب مطالب اجتماعية أو اقتصادية يمكن لموقفهم أن يتحول ويتغير مع النظر إلى تلك المطالب والتعامل معها بجدية من الدولة، وهذا ما حدث فى مصر سنة 1964 بين المجموعات اليسارية أو الماركسية والدولة زمن عبدالناصر، فقد وجدوا أن الدولة تكافح الفقر وتهتم بالتنمية، وتعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، لذا تمت المصالحة مع الدولة وصاروا جزءا منها، ويمكن القول إن ذلك حال معظم الحركات الاجتماعية فى كثير من دول العالم، يرفعون مطالبهم ويمتد صوتهم، ثم يحدث التفاوض والوصول إلى حلول.
لكن حين تكون المشكلة متعلقة بالفكرة أو الأيديولوجيا فإن الأمر مختلف، الأفكار لا تموت، يمكن أن تضعف أو تخبو ويمكن أن يقل عدد أنصارها والمؤمنين بها، لكنها تظل موجودة، النموذج فى أوروبا الآن، الأفكار النازية، ما زالت هناك مجموعات تتبنى النازية فى بعض الدول الأوروبية، العام قبل الماضى اكتشف فى ألمانيا تنظيم يتبنى تلك الأفكار كان يسعى إلى إسقاط الدولة الألمانية، رغم أن ألمانيا تمثل أقوى اقتصاد فى أوروبا، ولديها حقوق اجتماعية للمواطنين، وأيضًا عندهم أفضل جامعات ومستوى تعليم جيد جدًا، ولا تنقصهم الديمقراطية والحريات السياسية، لكن الفكرة المتطرفة لا تعترف بكل ذلك ولا تضع فى اعتبارها، هكذا جماعة إخوان البنا فى مصر.
لاحظ أنهم إلى اليوم يعملون على بناء مظلومية بين الأجيال الجديدة، وإلى اليوم يتدارسون أفكار سيد قطب وأعماله، ثم إنهم على عهدهم فى بناء وتكوين خلايا نائمة، وما زالوا ينشرون الشائعات ويترصدون الدولة المصرية، هذا يعنى أنهم مازالوا خطرًا قائمًا، لذا لا يجب ولا يجوز الصمت عنهم.
نحتاج المزيد من الأعمال الدرامية والوثائقية عنهم.