شهد الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، حفل انتهاء فترة الإعداد العسكرى لطلبة الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية للدفعة 122 حربية، وما يعادلها من الكليات العسكرية، والتى تضم عددًا من الدارسين الوافدين من الدول الشقيقة والصديقة، وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من قادة القوات المسلحة.
شهد حفل ختام فترة الإعداد العسكري، والتى تمتد لنحو ثلاثة أشهر داخل الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية، حضورًا عائليًا واسعًا، حيث حرصت أسر الطلبة على التواجد لمشاركة أبنائهم فرحة اجتياز أولى مراحل التأهيل بنجاح، وبدت الأجواء مشحونة بمشاعر الفخر والاعتزاز، إذ اختلطت دموع الفرح بابتسامات الإنجاز فى لحظة إنسانية جسدت ثمرة الجهد والتحدي، ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة احتفالية، بل محطة مؤثرة أعادت لمّ الشمل بعد غياب طويل، لتؤكد أن ما تحقق هو نتاج صبر مشترك بين الطلبة وأسرهم فى سبيل إعداد كوادر عسكرية قادرة على تحمل المسؤولية والدفاع عن الوطن.
وفى مشهد إنسانى لافت، عبّر عدد كبير من أولياء الأمور عن سعادتهم البالغة وهم يشاهدون أبناءهم يشاركون فى العروض العسكرية والرياضية التى احتضنتها ساحة الأكاديمية، مؤكدين أن هذه اللحظات تمثل تتويجًا لمرحلة شاقة من الإعداد والتأهيل.
وفى الختام، بدت أجواء الاحتفال مفعمة بمشاعر الاعتزاز والاطمئنان، حيث عبرت أسر الطلبة عن فخرها بما حققه أبناؤهم خلال فترة الإعداد، مؤكدين أن ما واجهوه من تحديات فى بدايتها كان له بالغ الأثر فى تشكيل شخصياتهم وتعزيز قدراتهم البدنية والذهنية، بينما أكدت الأمهات تطلعهن إلى استمرار هذا التميز، وأن يواصل أبناؤهن مسيرتهم العسكرية بروح من الانضباط والالتزام، ليصبحوا نماذج يُحتذى بها فى خدمة الوطن، فيما شدد الآباء على وقوفهم الدائم إلى جانب أبنائهم، وأن ما يبذلونه من تضحيات يظل واجبًا وطنيًا فى سبيل رفعة مصر وصون أمنها واستقرارها.
ويقضى طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية 90 يومًا ليست كغيرها من الأيام. إنها رحلة تحول لا تُقاس بالتقويم فقط، بل بمنعطفات النفس البشرية حين تواجه أول اختباراتها مع الانضباط الشامل: من طابور الفجر إلى طابور العشاء، ومن المحاضرات إلى «طابور اللياقة»، كل شيء يُحسب بتوقيت دقيق، ولا مكان فيها للعشوائية التى ألفها الطالب فى حياته المدنية.
اللواء أركان حرب وائل ربيع، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية المصرية للدراسات العليا والاستراتيجية، وهو أحد خريجى مصنع الرجال، تحدث لـ«المصور» عن تفاصيل المرحلة الفارقة، كاشفًا كيف تُصنع الشخصية العسكرية من رحم الالتزام، وكيف يتحول الشاب المدنى إلى مقاتل يملك زمام وقته وقراره تحت الضغط، فضلًا عن آراء بعض أسر الطلبة من الدفعة التى انتهت إعدادها العسكرى مؤخرًا.
فى البداية، أكد «د. وائل» أن «النظام المتبع فى الكليات العسكرية كافة هو نظام موحد. فبمجرد الالتحاق بهذه الكليات، يكون الطلاب فى البداية مدنيين بالكامل، غير معتادين على الحياة المنظمة، وتعتمد الفترة الأولى على الالتزام بجدول زمنى صارم: حيث الاستيقاظ فى الخامسة والنصف صباحًا لأداء طابور اللياقة، ثم تناول الطعام فى مواعيد محددة، ومن ثم حضور المحاضرات فى أوقاتها، بل إن الدراسة المسائية تكون عبر «طابور مذاكرة» فى وقت محدد. لا مجال للعشوائية؛ كل شيء له توقيت محدد».
وعن عملية تحويل الطالب المدنى إلى شخص عسكرى منضبط خلال هذه الفترة، أوضح «ربيع» أن «التحول يبدأ من خلال إدخال الطالب فى منظومة الانضباط الشامل، حيث يتم انتقاء الطالب من الحياة المدنية التى قد تتسم بنوع من المرونة أو العشوائية فى المواعيد، ويتم دمجه فى الحياة العسكرية القائمة على الانضباط فى كل تفاصيلها، حيث الانضباط فى المواعيد، وفى اللبس، حيث يرتدى جميع الطلبة الزى الموحد لكل مناسبة، وفى التعامل مع القادة والزملاء واحترام الأقدمية، وفى السلوك العام. حتى الطعام يكون محسوبًا بعدد سعرات حرارية محددة، لضمان قدرة الطالب على أداء مهامه البدنية والذهنية».
وأضاف: «لترسيخ هذا الانضباط، فإن كافة الإجراءات تتم عبر نظام الطوابير، لدينا طابور الفطور، طابور الغداء، طابور العشاء، وطابور المذاكرة، وكلمة «طابور» ذاتها تعنى صفًا والتزامًا، والطالب يستلم خطة زمنية يومية تحدد موعد استيقاظه، طابور اللياقة، الاستحمام، ارتداء الزي، الوجبات، المحاضرات، والمذاكرة، وهذه التوقيتات إلزامية للجميع، فلا يمكن لأى طالب التخلف عن طابور الغداء بحجة أنه غير جائع، فهذا ليس خيارًا شخصيًا، بل جزء من النظام، وأى مخالفة تعنى أن الطالب سيتحمل المسؤولية».
وشدد «د. وائل» على أن «الطلاب يختلفون فى طباعهم وعاداتهم الأسرية، لكن التحدى الحقيقى هو أن يتخلى كل طالب عما اعتاد عليه فى حياته المدنية، وينخرط فى النظام العسكري، وليس هناك مجال للاستثناء أو المزاجية، فالنظام يفرض نفسه عبر القيود اليومية على النوم، والطعام، والمذاكرة، وحتى الكلام، وهكذا يتحول الطالب تدريجيًا من إنسان مدنى إلى شخص عسكرى يلتزم بضوابط الكلية مهما كانت مختلفة عن عاداته السابقة، ويُعاد تشكيل شخصيته لتصبح أكثر انضباطًا».
«د. وائل» انتقل بعد ذلك للحديث عن كيفية توجيه الطلاب لاختيار التخصص المناسب (السلاح)، مشيرًا إلى أن «عملية توزيع الطلاب على الأسلحة المختلفة تعتمد على الكفاءة والمؤهلات. كل سلاح يتطلب تفوقًا فى مواد محددة، فمثلًا، سلاح الاستطلاع يتطلب إجادة اللغة العبرية (لغة العدو) ومهارات فى التعامل مع الأجهزة الإلكترونية، وسلاح المدفعية يحتاج إلى تفوق فى الفيزياء والرياضيات والميكانيكا، والطالب منذ البداية يعرف أن الالتحاق بالسلاح الذى يطمح إليه مرهون بتفوقه فى المواد المؤهلة له، فيبدأ ببذل الجهد فى هذا الاتجاه».
«ربيع» أوضح أن «أبرز ما يميز الحياة العسكرية المصرية، والتى تجعل الأكاديمية العسكرية وجهة عالمية للدراسة، هو الانضباط، والانضباط ليس مجرد نظام عسكري، بل هو أساس النجاح فى أى مجال. فحين تنظر إلى الناجحين فى الحياة المدنية، سواء رجال أعمال أو غيرهم، ستجد أنهم يمتلكون نظامًا صارمًا فى حياتهم. الانضباط فى الأكل، فى المواعيد، فى العمل، هو الذى يؤهل الإنسان للنجاح. نحن فى المجال العسكري»، وأضاف قائلًا: «نغرس هذا المبدأ بشكل متكامل، ليخرج الطالب قادرًا على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار تحت الضغط، جاهزًا لخدمة وطنه».
«د. وائل» اختتم حديثه بقوله: «فترة الـ90 يومًا ليست مجرد تدريب بدني، بل هى مرحلة تأسيسية تعيد تشكيل شخصية الطالب، تنقله من فضاء الحياة المدنية الذى قد يعتريه بعض العشوائية إلى عالم الانضباط والالتزام العسكري، ليكون لبنة صلبة فى منظومة الدفاع عن الوطن».