يعد البخور جزءاً من طقوس قديمة في مصر وبلاد الرافدين والعالم الإغريقي والروماني، وتشير الدراسات على أن مادة البخور لها رائحة عطرة ومع ذلك كانت سبباً في إشعال المنافسات على طرق التجارة القديمة، وفي نشوب نزاعات وحروب في أحيان كثيرة بين إمبراطوريات مترامية الأطراف، وصفت آنذاك بالذهب الأبيض قبل أن يسيطر الذهب الأسود على طرق التجارة العالمية واقتصادياتها.
لم يكن البخور مجرد واحد من أهم أدوات إقامة الطقوس الدينية والشعائرية، بل أيضاً محركاً اقتصادياً وسياسياً. وارتبطت به مصائر ملوك، وولدت على طرق تجارته وأماكن استنباته حضارات مختلفة تبدلت سيطرتها عبر قرون كانت فيها تجارة البخور مؤثرة في حركة التجارة بحراً وبراً وفي الاقتصادات القديمة.
وكانت تجارة البخور من العوامل التي مهدت لقيام شبكات الطرق التجارية القديمة بين البلدان والممالك والإمبراطوريات المتباعدة، قبل اتساع طريق الحرير وطرق التوابل وطرق الرحلات الصيفية والشتوية بين الجزيرة العربية واليمن وشمالاً نحو بلاد الشام ومصر .
ويستخرج اللبان من أشجار بوسويليا النادرة، التي تزدهر حصراً في سلطنة عمان واليمن والصومال وبعض بلدان القرن الأفريقي المحاذية لليمن والجزيرة العربية عند باب المندب على مدخل البحر الأحمر.
وتمنح الظروف المناخية الخاصة بهذه البلدان المتجاورة المواد التي تفرزها تلك الأشجار خصائص فريدة، وهذه الإفرازات هي اللبان أو الراتينج أو الصمغ الذي منه تصنع أجود أنواع البخور، التي باتت حالياً جزءاً من سوق عالمية واسعة تعنى بالعطور وأدوات التجميل والتزيين عبر شبكات تجارية تربط أهم عواصم الموضة العالمية، ضمن سلاسل توريد طويلة ومعقدة.
ولأن مصدره الطبيعي بطيء النمو، فإنه يتراجع تحت ضغط تغير المناخ، والاستنزاف عبر الإفراط في جرح الأشجار لاستخراج الراتنج، وتدهور الموائل بفعل الرعي والأنشطة البشرية.
المر نوع آخر من أنواع البخور، وتفرزه أنواع من الأشجار كصمغ اشتهر بخصائصه المطهرة، واستخدم في الطب وعمليات التحنيط القديمة.
والحصاد التقليدي للبخور يقوم على شقوق صغيرة في القشرة، يخرج سائل لزج شفاف، ثم يتصلب مع الهواء إلى حبيبات تعرف شعبياً باسم "دموع اللبان".
وفي هذا السياق، كانت محطات العبور تمثل نقاطاً حاسمة في الشبكة، لأنها تجمع بين وظائف لوجستية (التزويد بالمؤن والماء، تبديل الدواب، التخزين) ووظائف تنظيمية (تثبيت الأسعار، تنظيم الحماية، فرض الرسوم ).
ويؤدي ذلك إلى استنتاج مهم، السيطرة على هذه المحطات لم تكن مسألة تجارية فقط، بل كانت أداة نفوذ سياسي، تمكن القوى المسيطرة من توجيه حركة التجارة، وفرض أعباء ضريبية، والتحكم النسبي بتوازنات العرض والطلب في المراكز الاستهلاكية الكبرى.
ومن ثم - يتضح أن العلاقة بين التجارة والسلطة لم تكن علاقة خارجية أو طارئة، بل كانت علاقة مؤسسية. فالرسوم والجبايات التي كانت تفرض على القوافل يمكن فهمها بوصفها جزءاً من منظومة "حماية الطريق" أو "اقتصاد الحماية"، إذ تستبدل الأخطار الأمنية بعقود حماية قبلية أو سلطوية.
وعندما تشتد المنافسة على موارد الطريق يصبح النزاع حول البخور نزاعاً على مصادر دخل ثابتة وعلى رمزية السيادة، مما يؤدي إلى إعادة توجيه المسارات، أو استخدام القوة العسكرية لفرض السيطرة على نقاط ارتكاز محددة.
أما على المستوى الديني والاجتماعي، فتشير الشواهد إلى أن استهلاك البخور كان مرتبطاً بوظائف طقسية مركزية في معابد وحواضن دينية متعددة في مصر وبلاد الرافدين وشرق المتوسط والعالم الروماني.
من منظور الاقتصاد التاريخي، يمكن تفسير ارتفاع قيمة البخور بتراكم القيمة عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والمراحل: من المنتج المحلي، إلى الوسيط الإقليمي، إلى مراكز الفرز والتخزين، ثم إلى أسواق الاستهلاك النهائي حيث تضاف قيمة "المعنى" إلى قيمة المادة.
وبالتالي يمكن النظر إلى طرق البخور بوصفها إطاراً مبكراً للعولمة القديمة بمعناها التشغيلي في شبكات ممتدة عبر مسافات واسعة، تقوم على تخصص مناطق في الإنتاج، وعلى مراكز وسيطة للتجميع وإعادة التوزيع، وعلى أنظمة حماية وجباية، وعلى طلب ثابت نسبياً تضمنه وظائف دينية واجتماعية.
وكثيراً ما كان البخور جزءاً من طقوس قديمة في مصر وبلاد الرافدين والعالم الإغريقي والروماني، وذكر في تقاليد دينية متعددة، ولا يزال حاضراً في طقوس مسيحية شرقية وغربية، وفي الاستخدامات الاجتماعية اليومية في الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.
وفي الاستراتيجيات الاقتصادية والتجارية فإن السلعة التي تحمل معنى، تملك قدرة أعلى على الاستمرار والحضور في الأسواق، حتى حين تتغير الأذواق والمتطلبات.