يحل علينا عيد الأم من كل عام، حيث تحتفل الأسر المصرية بأمهاتهم تقديرًا لتضحياتهن وجهودهن في تنشئة الأجيال، إلا أن هذا اليوم يمر على أم الشهيد وهي تفتقد فيه ابنها الذي ضحى بروحه في سبيل الوطن؛ فبين مشاعر الاشتياق والفقد من جهة، والفخر والاعتزاز من جهة أخرى، تتحدث أمهات الشهداء عن أبنائهن في يوم الأم.
رضا وسكينة.. أم الشهيد تروي قصة بطل صائم مصلي الفجر
في مناسبة عيد الأم، الذي يتزامن مع ذكرى عيد الشهيد، تظل قصص أمهات وأبناء الشهداء شاهدًا حيًا على التضحية والصمود، يتجاوز تأثيرها كل الحدود ليصل إلى قلوبنا جميعًا، مجسدة معاني التضحية والصبر والإيمان.
ومن بين تلك القصص، قصة والدة الشهيد البطل محمود سامي، أحد أبطال القوات المسلحة المصرية الذين ارتقوا دفاعًا عن الوطن في سيناء.

وُلد الشهيد محمود سامي في مكة المكرمة، حيث قضت أسرته نحو سبع سنوات خارج الوطن، ثم عادت إلى القاهرة. نشأ في أسرة مكونة من أربعة أبناء ذكور، وكان الثالث في الترتيب. وتصف والدته شخصيته بأنه كان هادئًا، خدومًا، ملتزمًا بالصلاة والأخلاق الحميدة، متأثرًا بتربية والده، وبقيم الوطنية والإيمان التي غرستها الأم في أبنائها منذ الصغر، رغم الغربة، مؤكدة أنها كانت تزرع فيهم حب الوطن والعودة إليه مهما طال الاغتراب.
كان يحلم محمود منذ صغره بالانضمام إلى الجيش والالتحاق بالخدمة العسكرية، وبعد تخرجه من الجامعة تقدم فورًا للخدمة العسكرية في عام 2016، رغم خوف والدته عليه من الظروف الأمنية الصعبة آنذاك. إلا أنه أصر قائلًا: "أنا حابب أخدم وطني"، فوافقت الأم ودعت له بالتوفيق والحفظ.
قضى الشهيد فترة تدريبه في دهشور، ثم في الإسماعيلية، حيث كانت والدته تزوره كل جمعة، وكان زملائه يصفونه بأنه حنون، وصاحب مخلص، وملتزم بالصلاة في المسجد بانتظام.
في إجازته الأخيرة قبل انتقاله إلى شمال سيناء، طلب محمود من أسرته الالتقاء جميعًا لتناول الغداء، وكأنه يودعهم، وقال لوالدته صراحة: "أنا رايح عشان أستشهد". فردت عليه الأم بإيمان: "ربنا هو اللي بيختار، وربنا معاك يا حبيبي"، مؤكدة أن دور الأم هو دعم أبنها وتعزيز شجاعته لا إخافته.
وفي آخر مكالماته، أكد أنهم "صاحيين للعناصر التكفيرية" ويحمون أرضهم. وفي ليلة استشهاده، شعرت والدته بثقل على قلبها، فانصرفت إلى الصلاة وقراءة القرآن حتى الفجر. وفي لحظة غريبة، تخيلت رؤيته واقفًا أمامها مرتديًا البدلة العسكرية مبتسمًا، ثم صعد إلى الأعلى.
وتقول والدته إنه عندما يحل موعد عيد الأم، تتذكر تلك اللحظات الدافئة والأيام السعيدة، فتحاصرها الدموع على عزيز غالٍ فقدته في عمر الزهور. وفي هذه اللحظات، تقرأ له القرآن الكريم، وتكثر من الدعاء، وتزور قبره جزاء ما قدم، حتى يجمعها الله به في مستقر رحمته، مؤكدة أن الحياة بدونه صعبة وشبه مستحيلة.
استشهد الشهيد محمود سامي في هجوم على كمين بشمال سيناء، وهو صائم في يوم 21 رمضان، مصلي الفجر، مدافعًا عن زملائه وعن أرض الوطن.
ويروى زملاؤه أنه حتى اللحظة الأخيرة كان يحاول إنقاذ زميلًا مصابًا من أيدي الإرهابيين، حتى أصيب هو بطلقات نارية متعددة.
وعند وصول خبر الاستشهاد، سجدت والدته شاكرة لله، وصلت ركعتين طالبة الصبر والثبات. وفي الجنازة العسكرية المهيبة، قال لها قائده: "ابنك بطل، كان صائمًا، مصليًا الفجر، مدافعًا عن أرضه وعرضه، وربنا اصطفاه بأربع صفات يتمناها كل مسلم: الصيام، وصلاة الفجر، والدفاع عن الوطن، والشهادة في 21 رمضان. فافرحي يا أم البطل".

وتعرضت الأم لمصيبة أخرى سابقة بوفاة ابنها محمد في حادث عمل قبل سنوات، لكنها تؤكد رضاها بقضاء الله، قائلة إن الله أعطاها اثنين في الجنة أحياء عنده يرزقون، واثنين في الدنيا يعولانها، واثنين أيتام تربيهما مع والدتهما.
وكرمت الدولة المصرية والدة الشهيد محمود سامي عدة مرات؛ كأم مثالية من وزارة التضامن الاجتماعي ومحافظة الجيزة، ومن وزارة الدفاع، وفي مناسبات رسمية بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي. وهي تشكر الشؤون المعنوية للقوات المسلحة على تكريمها وتذكرها دائمًا، مؤكدة وقوف أسر الشهداء خلف القيادة السياسية.
وفي ختام حديثها، تعبر الأم عن رضا كامل وسكينة قلب، قائلة: "أنا مليانة رضا من أول لحظة، وربنا جابر بخاطري ولن يتركني"، وتضيف أن أجمل ما يمكن قوله هو شكر الله على نعمة الشهادة، وأن الوطن يستحق كل تضحية.
فخر أكتوبر يتجدد.. نجلة الشهيد تروي حنانه وإصراره على النصر
وفي السياق الإنساني ذاته، تحدثت داليا الحجف، نجلة الشهيد العقيد السيد أحمد الحجف، أحد أبرز أبطال حرب أكتوبر المجيدة، عن ذكرياتها مع والدها الذي استشهد في 22 أكتوبر 1973، وعن الفخر الذي يغمر الأسرة بتكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي لأسر الشهداء ومصابي الحروب.
كانت داليا في الخامسة من عمرها تقريبًا حين استشهد والدها، الذي قضى معظم حياته العائلية على الجبهة. شارك الشهيد في حروب 1956 و1967، وحرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر 1973، حيث تولى قيادة عمليات أحد مجموعات الصاعقه، ورئاسة عمليات في رأس سدر ثم عيون موسى. وكان قائدًا لكتيبة صاعقة، ومعلمًا في مدرسة الصاعقة، ومن أوائل الحاصلين على الفرقة.

"كان والدي حنونًا جدًا"، تقول داليا بصوت يختلط فيه الحنين بالفخر. "كلما نزل إجازة، كان يفسحنا ويحضر لي كل ما أريد، ويحرص على زيارة أهله وجدتي. كان مخلصًا في كل شيء، بارًا بأهله، ويحب الرياضة، خاصة كرة السلة والسباحة". وتضيف أن الذكريات معه قليلة، فلم يكن لديها سوى صورتين أو ثلاث معه، وأكبرها وهي في سن عامين، بينما وُلد شقيقها ولم يره والده إلا قليلًا، واستشهد وهو في عمر عام ونصف.
في البيت، كان الشهيد الأب الحنون، وفي الوحدة العسكرية كان "الأب الروحي" لضباطه وجنوده. "كان صارمًا لكنه طيب جدًا، يطبطب عليهم ويوجههم بحكمة وبعد نظر، ويصر على تنفيذ الأوامر لأنها ضرورية".
ويروي من عملوا معه أنه كان يعامل مرؤوسيه بروح أبوية، رغم شدته في التدريب والعمليات.

أما لحظات استشهاده، فتحمل دلالة عميقة على إصراره وتضحيته. ففي 22 أكتوبر 1973، حذره القادة من التوجه إلى المنطقة بسبب كثافة النيران وإغلاق طريق السويس، لكنه أصر على الذهاب لتأمين وصول الإمدادات إلى الجيش الثالث ومنع تقدم العدو. وكان صائمًا صباح ذلك اليوم، واستشهد إثر إصابته بقنابل من طائرات العدو قبل وصوله إلى مستشفى السويس. وكانت وصيته دائمًا بالاهتمام بأولاده، وهو ما يؤكد إنسانيته حتى في أصعب اللحظات.
وفي الآونة الأخيرة، شهدت داليا تكريمًا شخصيًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي لاسم والدها ضمن احتفالات يوم الشهيد، إلى جانب أسر شهداء ومصابي حرب أكتوبر والحرب على الإرهاب. وقالت: "هذا التكريم جاء من عند الله، تقديرًا لجهود والدي وحبه للوطن. أنا وأولادي فخورون جدًا به، وسيظل محفورًا في قلوبنا إلى الأبد". وأعربت عن سعادتها برؤية مصابي حرب أكتوبر يُكرمون بعد عقود، معتبرة أن اهتمام الرئيس بالشهداء ومصابي الحروب والإرهاب اهتمام حقيقي ومختلف، يبعث على الفخر والاعتزاز، خاصة بعد مرور سنوات طويلة على نصر أكتوبر.
وتؤكد داليا أن والدتها كانت تحكي لها دائمًا عن والدها بأنه "رجل لا يُعوض"، يجمع بين الإنسانية البالغة والأخلاق والإخلاص والحنية تجاه أسرته وزوجته.
قلبي وربي راضيين عليك
بينما يمثل عيد الأم بالنسبة للسيدة أمل يومًا تستعيد فيه الذكريات؛ فهي والدة الشهيد البطل الرقيب أول إبراهيم عبد الشافي الوليلي، الذي استشهد دفاعًا عن الوطن في مواجهة الإرهاب بسيناء، تاركًا إرثًا من التضحية والأخلاق الرفيعة.
بدأت السيدة أمل حديثها، بقلب أم مفعم بالفخر والصبر، قائلة: أشكر الله تعالى على اختيارنا لأن نكون من عائلات الشهداء. وهي تروي تفاصيل تربيتها لابنها الشهيد، الذي كان منذ صغره نموذجًا للنظام والنظافة والأدب. ووصفته بأنه "طفل منظم منذ الحضانة"، لا يعبث بملابسه أو أغراضه، ويتميز بحلاوة الروح والخلق الطيب الذي "خُلق له". ورغم مخاوفها الدائمة عليه، خاصة بعد تعرضها لعملية قلبية وهو في سن الثالثة تقريبًا، فإنها كانت تثق في الله وفي تربيته التي اعتمدت على المبادئ والحرص على سلامته.

وأكدت السيدة أمل أن ابنها كان خدومًا، محبًا للناس، يحب الجميع ويساعدهم دون تمييز، وكان زملاؤه في العمل يشهدون له بالأمانة والطيبة. وروت كيف كان يوصيها دائمًا بالدعاء له، وفي آخر إجازة له قبل استشهاده طلب منها الدعاء بإلحاح، فردت عليه بقلب مطمئن: "قلبي وربي راضيين عليك ليوم الدين".
ولم تتغير معاملتها لزوجة ابنها بعد استشهاده، بل ظلت كما هي، محافظة على العلاقة الطيبة والاحترام، وترى في أحفادها -آسر وآدم- عوضًا وسندًا بعد فقدان ابنها. وأشارت إلى أن الطفل آدم، الذي كان صغيرًا جدًا عند استشهاد والده، يتأثر بغيابه ويبكي كثيرًا متذكرًا "بابا".
وعبرت الأم عن فخرها الكبير بابنها الذي ضحى بروحه من أجل أمن الوطن، وقالت إن مصر "أم الدنيا" تستحق كل تضحية، مشيدة بتكريم الدولة وجهاتها المعنية لأسر الشهداء، وبالرئيس الذي يتذكر أسر الشهداء ويجبر بخاطرهم، معتبرة ذلك مصدر عزاء وفخر.
وفي ختام حديثها، دعت السيدة أمل إلى الصبر والدعاء لأسر الشهداء، مؤكدة أن الشهداء اختارهم الله، وأن حكمته في ذلك لا يعلمها إلا هو.