مع حلول عيد الأم من كل عام، تستدعى ذاكرتنا وجوهاً طالما منحتنا الدفء بملامحها، وعلمتنا معنى التضحية بنظراتها.. فنانات قدمن دروساً بليغة فى الحب والصبر، حتى اختفت الفواصل بين الحقيقة والتمثيل، وارتبطن فى أذهاننا بصورة «الأم المثالية»، فلا يمكننا أن نغفل تلك الوجوه التى رسمت لنا ملامح الأمومة بأبهى صورها على الشاشة، فهن فنانات قدمن دروساً في الحب والتضحية والصبر، حتى ارتبطن فى أذهاننا بصورة الأم على مدار عصور مختلفة، بداية من فردوس محمد مرورا بأمينة رزق وعزيزة حلمى وغيرهن، والمفارقة أن عدداً ليس بقليل منهن، لم يرزق بأطفال ولم يذق نعمة الأمومة فى الحياة الواقعية، لذلك تحتفل «الكواكب» بعيد الأم من خلال تكريم هؤلاء النجمات الكبار اللاتي أثرين السينما المصرية بأعمالهن الخالدة إلى الأبد.
فردوس محمد أشهر أم للفنانين
يأتى على رأس القائمة وأشهر فنانات الجيل الذهبى للفن المصرى، الفنانة الكبيرة فردوس محمد، التى تعد رائدة الأمومة فى السينما المصرية فى فترتى الأربعينيات والخمسينيات.. كما كان يلجأ لها كبار النجوم فى جميع أعمالهم الفنية لروح الأمومة التى كانت تحملها وتبرزها من خلال الشاشة حتى فى آخر أيامها عام 1961، حيث توفيت فى هذا العام فى عمر 55 عاماً، فيما كانت دور العرض تستقبل فيلمها «عنتر بن شداد» الذى قدمت فيه دور زبيبة والدة عنتر، لتظل وفية لصورتها كرمز للاحتواء حتى النفس الأخير.
أمينة رزق.. الأم التى لم تلد ولكنها ربت أجيالاً أمام الشاشة
رغم أنها عاشت حياتها فى محراب الفن ولم تتزوج ولم ترزق بطفل، إلا أن الفنانة الكبيرة أمينة رزق أصبحت الأم لكل أبطال السينما المصرية، لقد طوعت ملامحها لتجسد كافة أطياف الأمومة؛ فكانت الأم الصامتة المكلومة التى تحاول حماية بناتها فى فيلم «دعاء الكروان»، والأم الكادحة التى تصارع الحاجة لتربية أبنائها فى«بداية ونهاية»، كما قدمت كبرياء الأم الأرستقراطية فى «الشموع السوداء»، لتثبت أمينة رزق أن الأمومة روحٌ تُجسد، وليست مجرد شهادة ميلاد، حيث نجحت فى تقديم دور الأم الأرستقراطية والحازمة والطيبة فى آن واحد، حيث كانت تحاول حماية ابنها الضرير من اليأس، حتى شفى وعاد له بصره. .
تحية كاريوكا وحكاية أم العروسة
برعت الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا فى السينما فى تقديم دور الأم القوية، ولن ينسى الجمهور دورها فى «أم العروسة»، أو شخصية «نعيمة ألماظية» فى «خلي بالك من زوزو»، حيث مزجت بين خفة الظل وحزم الأمومة.
قدمت «كاريوكا» دور الأم فى أكثر من عمل فنى، ويعتبر أول أدوار الأمومة فى مسيرة تحية كاريوكا، فيلم «شاطئ الحب» من إنتاج عام 1961، وإخراج هنرى بركات.
شادية.. أمومة الشاشة من مرحلة الشباب
رغم أن الفنانة الراحلة شادية لم تنجب من زواجها إلا أنها قدّمت نموذجًا آخر للأم رغم صغر سنها، ويعد دورها فى فيلم «المرأة المجهولة» علامة من علامات السينما المصرية، حيث جسدت مشاهد فراقها لطفلها بإبداع شديد، كأنها أم بالفعل، كما أن أغنيتها «سيد الحبايب» تعد إحدى أشهر أغنيات الأمومة، بالإضافة لأغنيتى «أمي» و«ماما يا حلوة»، كما أدت أيضًا دور الأم فى فيلم «لا تسألنى من أنا»، وكان من أهم الأدوار التى قامت بها فى آخر رحلتها الفنية، حيث جسدت فيه دور أم تضطر إلى التضحية بإحدى بناتها وتعمل كمعاونة لدى من تبنى ابنتها كى تكون على مقربة منها وتستطيع الإنفاق على إخواتها.
عزيزة حلمى .. أمومة منذ العشرينات
بملامحها الهادئة، كانت «عزيزة حلمي» تجسد الأمومة حتى قبل أن تتم العشرين من عمرها فى فيلم «يا أبى» بطولة محمد فوزى ونور الهدى، وذلك بعد أن قدمتها الفنانة زينب صدقى والفنانة فردوس محمد للمخرج أحمد بدرخان، التحول فى حياتها بدأ بعد أن فقدت ابنها الوحيد وهو صغير، لكنها قالت فى لقاء نادر: «عوضنى الله بأبناء كُثر فى الفن»، فكانت «أم إبراهيم» التى أقنعت رأفت الهجان بالبقاء، وهى «أم جمعة الشوان» الطيبة، وهى أيضاً الأم الكوميدية التى تتحدث الفصحى فى «ليالى الحب».
لم تقتصر أدوار «حلمى» على الأم المنكسرة الطيبة، التى تحرص على أولادها بفطرتها، فقد جسدت أدوارا أخرى، اختلفت فى طبيعتها عن تلك الأدوار، فقد ظهرت فى فيلم «ليالى الحب»، بطولة عبد الحليم حافظ وسراج منير وأمال فريد، بشكل كوميدى، فقد كانت تتحدث الفصحى طوال الوقت، والتى لا تجيدها، لتخرج المفارقات والمواقف الكوميدية، كما لعبت أيضًا دور أم حسن فى فيلم «سواق الأتوبيس»، والذي ناقش قضية التفكك الأسرى من خلال قصة شاب يدعى حسن، ويعانى من الأحوال المادية، ما يضطره إلى العمل على أتوبيس، كعمل إضافى، ومع إشهار والده إفلاسه تتعقد الأمور، ليقرر حسن المكافحة بشرف وأمانة، حيث يقرر بيع التاكسي الذي يمتلكه ليحل أزمة والده.
كريمة مختار «ماما نونة» التى أبكت الجميع
ومثلما قدمت فنانات دور الأم لنجوم شباب لا يوجد فارق عمرى كبير بينهم في الواقع، فعلتها أيضا النجمة الكبيرة الراحلة كريمة مختار، فملامحها وطريقة أدائها كانت تفيض بالأمومة، وكأنه كان مقدراً لها أن ترتبط على مدار عقود بهذا الدور فى ذاكرة الجمهور العربى، ورغم أنها قدمت شخصيات متنوعة فى بداياتها الفنية، فإن الأمومة هى التى صنعت اسمها على الشاشة وأصبحت مقترنة بها، فقد تكون أشهر أمهات السينما على الإطلاق، منذ أن كانت فى الثانية والأربعين من عمرها فقط حينما أدت دور زينب فى الفيلم الشهير «الحفيد»، فكانت أماً لشباب وشابات وأطفال، وجدة أيضاً لطفلٍ صغير من ابنتها فى العمل والتى جسدت دورها الفنانة ميرفت أمين.
ومن أشهر أفلام كريمة مختار التى قدمت فيها دور الأم، خصوصاً فى فترتى السبعينيات والثمانينيات، «أميرة حبى أنا»، و«مضى قطار العمر»، و«بالوالدين إحسانا»، و«يارب ولد»، كما تألقت فى تقديم الدور ذاته فى مسلسلات كثيرة أشهرها «يتربى فى عزو» فى دور «ماما نونة» مع الفنان الكبير يحيى الفخرانى، وهو الدور الذي أبكي الجميع مع رحيلها من خلاله.
هدى سلطان الوجه الآخر للأمومة
كما تألقت الفنانة هدى سلطان أيضاً فى مرحلة طويلة من حياتها الفنية في شخصية الأم غير التقليدية، وأبرز أدوارها فى هذا المجال شخصية الأم رتيبة فى فيلم «عودة الابن الضال» ، حيث كان الدور فارقاً وبعيداً عن النمطية كأم مثالية، بل كانت لديها العديد من المشكلات بعيداً عن الشخصية الاعتيادية، وقدمت نفس الدور فى أفلام أخرى، فيما شهدت الدراما التليفزيونية أداءها شخصية الأم بمنتهى الإبداع فى أعمال لا تُنسى، أهمها «أرابيسك»، و«زيزنيا»، و«الوتد»، و«الليل وآخره».
دولت أبيض تجسيد الأم بشكل مختلف
ونأتى هنا للفنانة الكبيرة «دولت أبيض» التى تعد من أبرع الفنانات اللاتى قدمن دور الأم أيضا، وهى إحدى رائدات المسرح وقد حققت نجاحات كبيرة فى أدوارها المسرحية والفنية، ثم اختارها المخرج محمد كريم لأداء دور زوجة الأب المتسلطة فى فيلم «الوردة البيضاء» سنة 1932، ولبراعتها فى تجسيد الدور، حصرها المخرجون فى أداء شخصية الأم القاسية والأرستقراطية، وكان من أشهر أدوارها، دور أم ندا فى فيلم «المراهقات»، لتبدع فى دور الأم القاسية التى تفرق فى المعاملة بين الابنة والابن، وتقهر مشاعر ابنتها وتقسو عليها، ورغم ذلك أجادت الفنانة الكبيرة دور الأم والجدة الحنون فى فيلم «امبراطورية ميم».
علوية جميل أم قاسية
من بين الفنانات اللاتى برعن أيضا فى تقديم أدوار الأم القاسية المستبدة التى تفرض رغبتها على أبنائها الفنانة الكبيرة علوية جميل، ومن بين هذه الأدوار دورها فى فيلم «التلميذة، وليلى بنت الأغنياء والحبيب المجهول».. وفى العديد من الأدوار، ورغم ذلك أجادت علوية جميل فى دور الأم التى تضحى من أجل أسرتها وأبنائها فى فيلم «الأم القاتلة» التى تتورط فى جريمة قتل فنانة تحاول هدم أسرتها.
أمال زايد وإبداع «سى السيد»
من يبن الأيقونات اللاتى جسدن شخصية الأم البسيطة المغلوب على أمرها كانت الفنانة أمال زايد، حيث تعد «أيقونة» الأم المصرية البسيطة، بصبرها الأسطورى فى ثلاثية نجيب محفوظ، حيث جسدت ببراعة دور الأم الحنونة التي تعطي دون مقابل، والتى لا تملك سوى الحب سلاحاً لحماية بيتها، كما برعت فى تجسيد شخصية أم فؤادة فى فيلم «شيء من الخوف» وفى تجسيد دور الأم بشكل كوميدى فى فيلم «عفريت مراتى».