رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مدرسة القضاء الشرعى..منارة تعليمية ثقافية قضائية


21-3-2026 | 11:19

.

طباعة
تقرير: نورا محمد

صدر حديثا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب «مدرسة القضاء الشرعى» للدكتور عمر مصطفى لطف، وفيه يوثق فترة مهمة من فترات التاريخ القضائى فى مصر وهى فترة بدايات القرن العشرين وتحديدا الفترة الممتدة من عام 1907 وحتى عام 1930، وهى الأعوام التى شهدت تأسيس وعمل مدرسة القضاء الشرعى. وهى المدرسة التى كانت بمثابة مشروع فكرى وتنويرى متكامل يجمع بين أصالة الفقه الإسلامى وبين متطلبات الدولة الحديثة والفكر الحداثى.

يمكن القول إن الكتاب ينقسم إلى قسمين يضم الجزء الأول منه قصة إنشاء المدرسة ودورها فى المجالات المختلفة والقسم الآخر هو القسم الذى يضم الوثائق المصورة.

ففى القسم الأول من الكتاب يفصل الكاتب الحديث عن الأسباب التى أدت إلى نشأة المدرسة، حيث يعود بالزمن إلى عام 1839 وقت إصدار السلطان العثمانى عبدالمجيد فرمانا يقضى بتنظيم الدولة العثمانية على وفق النظم الغربية، وهو الأمر الذى أدى إلى مسالب عديدة فى النظام القضائى آنذاك، حيث توسعت كثافة الامتيازات الغربية فى المجال القانونى والتشريعى وعرفت مصر ثلاثة أنواع من المحاكم هى المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية والقضاء الشرعى، واقتطعت المحاكم المختلطة الكثير من اختصاصات القضاء الشرعى ومن ثم إحلال القضاء الأوروبى بديلا عنها، وشيئا فشيئا حدث خلل فى نظام المحاكم الشرعية ذاتها نتيجه لنقص الخبرات وعدم التأهيل وتسلل الفساد إليها، مما دفع العلامة على باشا مبارك إلى إنشاء قسم للقضاء والإفتاء داخل مدرسة دار العلوم عام 1888 وهو القسم الذى تم إلغاؤه بعد ذلك بقرار من مجلس النظار فى عام 1895، وهو ما أدى إلى طرح فكرة إنشاء مدرسة للقضاء من قبل مجلس شورى القوانين وهى الفكرة التى لاقت تأييدا من قبل الشيخ محمد عبده، وفى عام 1899 عهدت نظارة الحقانية للشيخ بمهمة البحث عن طرق لإصلاح المحاكم الشرعية، ومن ثم قدم الشيخ تقريرا مفصلا إلى ناظر الحقانية عما توصل إليه بعد رحلاته الميدانية لتلك المحاكم فى ريف مصر، وعرض فيه تردى الأوضاع الشديد وضعف مستوى القضاء فى هذه المحاكم، وانتهى إلى ضرورة إنشاء مدرسة لتخريج القضاة الشرعيين يتعلم بها الدارسون العلوم العصرية بجانب العلوم الدينية. واجتمع على أثر هذه التوصية مجلس شورى القوانين ودعا إلى إنشاء مدرسة للقضاء للتأهيل لوظائف القضاة والمحامين والكتبة وبعد أن تقرر إنشاء المدرسة، توفى الشيخ محمد عبده عام 1905، إلا أن الزعيم سعد زغلول ساهم فى الإسراع فى تنفيذ هذا المشروع وأسند مهمة التدريس بالمدرسة إلى نخبة من أكفأ خريجى الأزهر وخريجى الجامعات الغربية. وصارت المدرسة تتبع من الناحية الاسمية الأزهر الشريف ومن الناحية الفعلية نظارة المعارف. ثم يفصّل الكاتب الحديث حول كمية الضغوط التى حاولت النيل من القضاء الشرعى واستقلاليته من جانب الخديو عباس الثانى وسلطات الاحتلال الإنجليزى.

ثم يتطرق الكاتب إلى الحديث عن فضل عاطف بركات باشا وهو أول نظار المدرسة وكيف كان دوره على المستويين الفكرى التوجيهى، والمؤسسى التنفيذى. وفى هذا السياق أورد الكاتب إشادة العلامة القانونى عبدالرزاق السنهورى ببركات وبمدرسة القضاء الشرعى.

وتحت عنوان نظام الدراسة يفصّل الكاتب الحديث حول كيف كانت هذه المدرسة مثلا لنظام التعليم الهجين وهو النظام التعليمى الذى يجمع بين العلوم الدينية والأدبية الموروثة وألوان الثقافات الوافدة وهو النظام الذى تحقق عن طريق اختيار نخبة من الأساتذة مختلفى التكوين العلمى والفكرى، وكيف كان لهؤلاء الأساتذه حرية اختيار طرقهم فى التدريس شريطة المحافظة على ما هو مقرر بفهرس مواد الدروس.

ثم يتناول الكاتب العديد من النقاط الخاصة بنظام المدرسة نحو طبيعة ملابس الطلاب والتقارير الصحية لهم وكيفية بداية اليوم الدراسى وطبيعية المناهج الدراسية فى المدرسة وهى المناهج التى تنوعت بين العلوم الحديثة والدينية واللغوية والثقافية، بالإضافة إلى الحديث عن الامتحانات ومواقيتها، كما عرض الكاتب تقريرا بنسبة الإقبال على ارتياد المدرسة منذ افتتاحها، ويختتم الكاتب حديثه فى هذا السياق بعرض رأى الشيخ حسنين مخلوف عن نظام الدراسة فى مدرسة القضاء الشرعى باعتباره أحد طلابها.

وتحت عنوان دور المدرسة العلمى والثقافى والاجتماعى يستفيض الكاتب فى ذكر الدور الضخم الذى لعبته المدرسة فى هذه المجالات الثلاثة وكيف قدمت المدرسة للمجتمع قضاة وكتبة محاكم وخريجين من الطراز الرفيع، وكيف كان لأساتذة هذه المدرسة دور بارز فى تخريج كوادر مميزة لعبت دورا مؤثرا فى المجتمع المصرى المعاصر أمثال شاعر البادية محمد عبدالمطلب والكاتب المعروف أحمد أمين والشيخ محمد أبوزهرة والشيخ المجدد أمين الخولى، كما تطرق إلى الدور الذى لعبته المدرسة فى شد أزر الجامعة المصرية وقت نشأتها، حيث أمدها بأعضاء هيئة التدريس اللازمين للتدريس بها. وكيف كان للمدرسة الفضل فى تشجيع الأزهريين على إعادة النظر فى مناهجهم، مما أسهم فى تدريس بعض العلوم بطرق جديدة.

ويتطرق الكتاب للدور السياسى الذى لعبته المدرسة، فعلى الرغم من أن المدرسة لم تكن تجيز لطلابها الاشتغال بالسياسة إلا أن الطلاب كثيرا ما كان لهم العديد من المواقف السياسية تبعا لما تعرضت له مصر من محن وأحداث سياسية عاصفة، مثل وفاة الزعيم الوطنى مصطفى كامل وثورة 1919.

كما يتحدث الكاتب فى نهاية هذا القسم من الكتاب عن التدهور الذى لحق بالمدرسة بعد ترك سعد زغلول وزارة المعارف وتولى أحمد حشمت باشا الوزارة، حيث نزعت الحكومة إدارة المدرسة من الوزارة وألحقتها بالأزهر، واستمر هذا الوضع حتى تم عزل عباس الثانى من الخديوية وتولى السلطان حسين كامل الحكم وقرر فصل المدرسة عن الأزهر وألحقها بنظارة الحقانية حتى تقرر فى عام 1927 عودتها إلى نظارة المعارف.

وفى عام 1929 تولى الشيخ الأحمدى الظاهرى مشيخة الأزهر وأعلن عن وضع قانون إعادة تنظيم الجامع الأزهر وتقسيم كلياته إلى كلية الشريعة وكلية أصول الدين وكلية اللغة العربية وحدد الغرض من كلية الشريعة وهو تخريج علماء يتولون الإفتاء والقضاء الشرعى والمحاماة وتوثيق عقود الزواج، وقرر أن يقتصر اختيار طلاب القضاء على خريجى كلية الشريعة، وبذلك تم إلغاء مدرسة القضاء الشرعى اكتفاء بكلية الشريعة فأغلقت وامتلك الأزهر أبنيتها.

يضم القسم الثانى من الكتاب وهو القسم الخاص بالوثائق المصورة مجموعة من الوثائق المهمة والتى تضم اللائحة الداخلية لمدرسة القضاء الشرعى والمواد المنظمة لها والتى تشتمل على تسعة أبواب الأول فى شروط القبول، الثانى فى الطلبة، الثالث فى الدراسة والرابع فى الامتحانات والخامس فى المدرسين والموظفين والسادس فى التعيين والتأديب والسابع فى مجلس الإدارة والباب الثامن فى أحكام عمومية والباب التاسع فى أحكام وقتية، كما يشتمل القسم الثانى فى الكتاب على وثائق مصورة لمجموعة محاضر وقرارات مجلس الأزهر الأعلى الصادرة فى سنة 1332 هجريًا 1914 ميلاديًا.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة