رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بين الومضة والحكاية.. معركة نقدية حول القصة «القصيرة جدًا»


21-3-2026 | 11:19

.

طباعة
تقرير: تسنيم يونس

لم يثر جنس أدبى من الجدل ما أثارته «القصة القصيرة جدًا». البعض اعتبرها «ثورة ثقافية» ضد ترهل الرواية، والبعض الآخر رآها مجرد «ومضات» تفتقر لعمق الأدب الحقيقي. ما بين مؤيد يرى فيها ذروة التكثيف الإبداعى ومعارض يخشى ضياع ملامح السرد فى زحام الاختصار، يبقى السؤال المعلق: لماذا يهرع الكتاب والقراء اليوم نحو هذا النوع من (المنمنمات) اللغوية؟

 

يقف الناقد والقاص سيد الوكيل ضد ما يسمى بالومضة، فهو يرى أنه لا معنى لأن تكون هناك قصة تتكون من جملة أو سطر، فهذا من وجهة نظره يخرج عن سياق الأدب، لكنه فى المقابل يرى أن القصة بدأت منذ نشأتها ظاهرة أو ثورة ثقافية أكثر من كونها فنًا أدبيًا جديدًا، وعلى هذا النحو تتجدد هويتها بوصفها فضاء للتجريب واستشراقا لآفاق سردية جديدة غير تلك التى كانت مطروقة، فاستشرفت لنفسها جمهورًا من الكتاب والقراء طليعيا ومختلفا عن جمهوره على نحو ما كان يطلق وقتها على أنماط السرد الروائى المتشابهة.

يوضح الوكيل قائلا إن «الرواية فى السنوات الأخيرة بدأت فى الاستسلام لأنماط متكررة أو متشابهة، ويتأكد هذا فى انحسارها داخل تصنيفات نوعية قبيل الرواية التاريخية والسياسية والبوليسية والخيال العلمى والألغاز ورواية الرعب وغيرها». ويضيف أن النوع السردى قد تحول إلى نمط يعاد تدويره مرات ومرات، ولكن مثل هذه التصنيفات الحاكمة لموضوع الرواية لا نجدها فى القصة القصير، فالقصة ذات طبيعة قلقة تتمرد على نفسها فترتاد آفاقًا جديدة للتجريب، أى أنها لا تستسلم للموضوعات والقوالب الجاهزة، هذه الطبيعة تدعوها للبحث عن تجديد نفسها، مشيرا إلى أن ثمة قصصاً يمكنها أن تتحول إلى روايات بجهد يسير عبر تتبع حياة الشخصية.

ويتابع: إذا كانت القصة القصيرة قد تراجعت حقا، فهذا يجعلنا نطرح تساؤلا: هل هو تراجع كمى أم كيفي؟ وهل هذا التراجع يعنى أن المبدعين ما عادوا يرون القصة نوعا قادرا على إشباع طموحاتهم وأسئلتهم فى حين تمنحهم الرواية هذه المساحة الأنسب للتعبير؟ وهل يرتبط بالخصائص الفنية للنوعين؟ وهل يعنى هذا أن القصة القصيرة بوصفها أحدث فنون الأدب استنفدت طاقتها سريعا؟

فن موغل فى القدم

من جهه أخرى يرى الشاعر والقاص محمد الحدينى (الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى القصة القصيرة جدًا عام 2018)، أن هذا الجنس الأدبى ليس وليد الصدفة، بل هو جنس موغل فى القدم. ويستعرض هذه الجذور قائلًا: «إن القصة القصيرة جدًا جنس أدبى موجود منذ زمن طويل، وقد تجلى ذلك بوضوح فى تراثنا العربى من خلال (المقامات) و(أدب التوقيعات)، كما أن له جذورًا راسخة فى الأدب الغربى والآسيوى تمثلت فى (الإبيجراما) و(حكايات الزن). ومع مرور السنين، بدأ هذا الفن يثبت وجوده تدريجيًا على منحنى الإبداع، حتى وصل إلى مكانته الراسخة مؤخرًا بفضل انتشار منصات التواصل الاجتماعى وتسارع وتيرة الحياة وتحديثاتها، مما استلزم وجود نص موجز، سريع، ووامض كفلاش الكاميرا الكاشف والراصد».

وحول التكوين الفنى لهذا النص، يوضح «الحديني» أن القصة القصيرة جدًا تحمل فى طياتها كل عناصر الحكى الموجودة فى الأجناس السردية الأخرى ولكن بشكل مكثف ومختصر؛ فهناك حدث يتصاعد، وشخصية أو أكثر تتفاعل معه، وصولًا إلى نهاية صادمة وغير متوقعة. كل هذا يتشكل عبر إيقاع سردى لاهث يعتمد تقنيات الحذف، الإضمار، الاختزال، الإحالات، والتلميحات. ويشبهها الحدينى بعمل فنى دقيق: «الأمر أشبه بصانع يشكل فنه على (حبة مسبحة)، أو مجموعة من قطع (البازل) والمنمنمات التى تتراص لتنتج عملًا إبداعيًا متكامل الأركان».

ولم يغفل «الحدينى» الدور المصرى الرائد، مستشهدًا بأسماء لامعة أثرت هذا الفن مثل: سناءالبيسي، محمد المخزنجي، ابتهال سالم، محمد حافظ صالح، علاء الديب، رضا إمام، السيد نجم، عبدالفتاح الجمل، هيام صالح، منير عتيبة، شريف عابدين، شيرين طلعت، ريم أبوالمفضل، مصطفى عوض، هناء عبدالهادي، طارق جابر، ومحمد الحدينى وغيرهم. كما أشار إلى أن الأديب العالمى نجيب محفوظ قد توّج مسيرته بنصوص فى قالب القصة القصيرة جدًا فى عمله الأخير «أحلام فترة النقاهة».

ويختتم «الحدينى» شهادته بالتأكيد على أن القصة القصيرة جدًا باتت جنسًا أدبيًا مستقلًا وقائمًا بذاته، تُخصص له الأمسيات والندوات والدراسات النقدية والرسائل العلمية حول العالم. أما فى مصر، فقد نال هذا الفن اعترافًا رسميًا عبر تخصيص دورتين من جائزة الدولة التشجيعية فى الآداب له؛ فاز بالأولى الأديب منير عتيبة عام 2015 عن مجموعته (روح الحكايا)، وفاز «الحديني» بالثانية عام 2018 عن مجموعته (لا أحد هناك).

فن الرشاقة

يعتبر الروائى فؤاد مرسى أن «القصة القصيرة جدًا» واحدة من أصعب وأدق أشكال الكتابة الأدبية، مفندًا التصور الخاطئ لدى البعض حول سهولة كتابتها. ويصفها بأنها: «فن الرشاقة والرهافة والوجازة، حيث تُحسب كل لفظة فيها بدقة بالغة، فهى ليست مجرد اختصار، بل هى ممارسة لقول المتصوف النفري: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)».

ويرى أن هذا الفن هو بمثابة ساحة تستقطر العالم فى بلورات صغيرة، وتكتنزه فى أقصر الجمل، دون أن تتخلى عن «الحكاية» التى هى عماد السرد، ولكنها الحكاية فى صورتها المصفّاة والناضجة. ويشدد على الفوارق الجوهرية بين الفن الحقيقى والمحاولات العابرة، موضحًا أن القصة القصيرة جدًا تعتمد على بنية المفارق بوصفها تجاور الأضداد فى اللحظة ذاتها وتداخلها معا بصورة معقدة، وليست «صناعة نكتة ممجوجة» كما يظهر فى بعض النماذج المدّعية.

ويشير إلى أن القصة ترتكز على «المسكوت عنه» أكثر من الظاهر، وعلى كتابة «الفجوات» بدلًا من النتوءات الواضحة، لافتا إلى أن الدرس الأساسى هنا هو التخلص من الزوائد؛ فما تحتمله جملة لا داعى لكتابته فى فقرة، وما تحتمله فقرة لا داعى له فى فصل كامل.

من جانبها، ترى الكاتبة والناقدة الدكتورة عزة بدر أن القصة القصيرة أصبحت أكثر قدرة على تلبية احتياجات القارئ فى الوقت الراهن، نظرًا لما تتميز به من تكثيف وتركيز يناسبان إيقاع الحياة السريع وكثرة مشاغل القارئ، خاصة فى ظل صعوبة التفرغ لقراءة الروايات الطويلة.

وتوضح أن القصة القصيرة تركز غالبًا على لحظة إنسانية فارقة فى حياة الشخصية، وهو ما يجعلها قريبة من وجدان القارئ وقادرة على التعبير عن تجارب إنسانية متعددة فى زمن قصير، كما تقدم شكلًا فنيًا محكمًا وبسيطًا ومكثفًا يحمل معانى كثيرة فى عدد محدود من الكلمات.

مستقبل القصة القصيرة

الدكتورة عزة ترى أن مستقبل القصة القصيرة واعد، خاصة مع انتشار الكتابة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح كثير من الناس يكتبون لحظات وتجارب شخصية فى شكل منشورات يمكن أن تصبح نواة لقصص قصيرة إذا صيغت فنيًا.

وتشير إلى أن القصة القصيرة قد تكون بداية لعمل روائى أكبر، إذ يمكن أن تنمو الحكاية الصغيرة وتتطور حتى تصبح رواية متكاملة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة