رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إنسانية النبى مع زوجاته رحمة ومودة


19-3-2026 | 23:07

.

طباعة
بقلـم: د. محمد عبدالرحيم البيومى

بين جلال النبوة ورقّة البشرية، تتجلى شخصية المصطفى كبحرٍ من السكينة لا تكدّره الأنواء، وكشمسٍ تشرق بالرحمة لتستقر فى زوايا البيت الدافئة. لم تكن النبوة يوماً حجاباً بينه وبين إنسانيته، بل كانت صقلاً لها وتتمة، حيث امتزج نور الوحى بفيض الوجدان، ليصوغ نموذجاً فريداً فى القرب والمؤانسة. فى عتبات بيوته، لم نكن أمام قائد يملى الأوامر، بل أمام روحٍ تحيا المحبة عبادة، وترى فى اللطف مع الأهل طريقاً موصلاً إلى مرضاة الله، فكان بيته واحةً يهدأ فيها صخب العالم، وتزهر فيها معانى المودة فى أبهى صورها الروحانية.

كان يدخل بيته فيخلع عند الباب أعباء الرسالة الجسيمة وهموم الأمة الثقيلة، ليكون لأهله كما يحبون، يشاركهم تفاصيل عيشهم البسيطة بروحٍ حاضرة ونفسٍ راضية. تراه فى مهنة أهله، يخصف نعله ويرقع ثوبه بيده الشريفة، فى رسالةٍ صامتة بليغة تقول إن الحب هو عونٌ ومشاركة، لا استعلاء فيه ولا جفاء. وفى لحظات الصفاء، كان يفيض على زوجاته من رقيق قوله ما يجبر الخواطر ويطيب النفوس؛ فتارةً يسابق السيدة عائشة فى فيافى الصحراء فيسبقها وتسبقه فى مشهد يملؤه الود والبشر، وتارةً يواسى السيدة صفية حين تبكي، فيمسح دموعها بيده الحانية، وكأن تلك الأنامل التى صافحت ملك الوحى هى ذاتها التى تلمس جراح الروح لتبرأ بسكينة حنانه الفياض.

لم تكن علاقاته مجرد واجبات تُؤدى أو حقوق تُقضى، بل كانت ترتيلاً شعورياً لآيات المودة والسكينة. كان يُحسن الإصغاء حين يتحدثن، فيمنحهنّ كليته وحضوره، ويشعرهنّ بأن حديثهنّ هو أهم شئون الساعة وأغلاها على قلبه. وفى حديث «أم زرع» الطويل، نلمس كيف كان يقف مستمعاً متأملاً، يشارك السيدة عائشة تفاصيل الحكاية وتعرجاتها، ثم يعقب بكلمةٍ تطمئن بها نفسها حين قال لها: «كنت لك كأبى زرع لأم زرع»، موثقاً ميثاق الوفاء الذى لا يبليه الزمن ولا تغيره الأحوال. إنها الإنسانية التى لا ترى فى الرقّة نقصاً، بل تراها كمالاً فى الرجولة وصفاءً فى النبوة، حيث يمتزج العشق الروحى بالرحمة الفطرية، فيغدو البيت محراباً للسكينة ومدرسةً للحب العذرى الراقى الذى يتجاوز المادة إلى جوهر الروح.

وفى تلك اللحظات التى قد يعلو فيها كدر الغيرة الإنسانية الفطرية، كان يقابل العاصفة بهدوء البحر الذى لا تدرك قعره الأعاصير، بابتسامةٍ حانية تستوعب الضعف البشرى وتداويه، وبكلمة «غارت أمكم» التى تذيب الجليد وتُعيد للروح توازنها المفقود. لقد علمنا أن القداسة لا تتنافى مع الضحك والمزاح، وأن العظمة الحقيقية تكمن فى القدرة على جعل الآخر يشعر بالأمان التام فى كنفك. كانت أنفاسه فى بيته تراتيل رحمة، وكان قربه من زوجاته معراجاً أخلاقياً يثبت أن رقى الإنسان يُقاس بمدى رقة قلبه مع منْ يحب، وبقدرته على تحويل تفاصيل الحياة اليومية الرتيبة إلى رحلة وجدانية تتنفس الطهر وتفيض بالجمال.

وتظل هذه الإنسانية النبوية نموذجاً خالداً، تتوارثه القلوب المحبة جيلًا بعد جيل، لتؤكد أن الطريق إلى الله يمر عبر القلوب التى نُسكنها بيوتنا ونستأمنها على أرواحنا. لقد ترك لنا فى ظلال بيوته إرثاً من النور، يُعلمنا أن السعادة ليست فى وفرة المتاع ولا فى عظم الجاه، بل فى لمسة حانية، وكلمة طيبة، ونفسٍ مطمئنة تجد فى شريك حياتها الملاذ والسكينة والستر. إنها دعوة دائمة لاستحضار تلك الروح المحمدية فى واقعنا المعاصر، لنبنى بيوتاً لا تسكنها الجدران الصماء، بل تسكنها المودة الحية، وتستظل بظلال الرحمة التى فاضت من قلبٍ اتسع للعالمين فكان فى بيته أرقّ الناس وأوفى العباد، محققاً بذلك الغاية من الوجود الإنسانى فى أسمى تجلياتها الأخلاقية والروحية.

 

    كلمات البحث
  • النبي
  • زوجاته
  • مودة
  • رحمة
  • انسانية

أخبار الساعة

الاكثر قراءة