فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية فى منطقة الشرق الأوسط، وما صاحبها من اضطرابات فى حركة الملاحة ببعض الممرات البحرية الحيوية، بدأت خريطة النقل والتجارة العالمية تشهد تحولات متسارعة دفعت شركات الشحن الدولية إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمانا واستقرارا لنقل البضائع، ومع تزايد المخاطر المرتبطة ببعض خطوط الملاحة، خاصة فى مناطق النزاع، برزت مصر كأحد الخيارات اللوجستية المهمة القادرة على استيعاب جزء من حركة التجارة العابرة بين الشرق والغرب.
ومع تهديد تعطيل الملاحة فى «مضيق هرمز» وتصاعد التوترات العسكرية فى المنطقة، ارتفع الاهتمام الدولى باستخدام الترانزيت البرى عبر الأراضى المصرية كبديل عملى لنقل البضائع بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، مستفيداً من الموقع الجغرافى الفريد لمصر وشبكة الطرق والموانئ التى شهدت تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، هذا التحول لم يفتح فقط مسارا جديدا أمام حركة الشحن العالمية، بل أعاد تسليط الضوء على قدرة مصر على لعب دور محورى كمركز إقليمى للنقل والخدمات اللوجستية فى أوقات الأزمات والتحولات الكبرى فى التجارة الدولية.
وفى هذا السياق قال الدكتور حسن مهدى، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، إن «نقل الترانزيت يعد أحد أنماط النقل اللوجستى الدولى، ويقوم على استقبال بضائع موجهة فى الأساس إلى دول أخرى، لكن يتم عبورها وإعادة توجيهها عبر أراضى دولة وسيطة، وهو ما يمكن لمصر القيام به بفضل موقعها الجغرافى وشبكة موانئها المتطورة»، موضحًا أن «منظومة الترانزيت المقترحة تعتمد على استقبال الشحنات فى الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط، وفى مقدمتها ميناء الإسكندرية الكبير الذى يضم موانئ الإسكندرية والدخيلة والمكس، إضافة إلى ميناء دمياط وعدد من الموانئ الأخرى، ثم يتم نقل هذه البضائع عبر الأراضى المصرية باستخدام شبكة النقل البرى أو السكك الحديدية».
وأضاف أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس: شبكة النقل فى مصر مرشحة لتعزيز هذا الدور بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اكتمال مشروع القطار الكهربائى السريع الذى يتضمن خطوطا مخصصة لنقل البضائع، ما سيسهم فى تسهيل حركة الشحن بين البحرين المتوسط والأحمر بسرعة وكفاءة أعلى.
«مهدى»، فى سياق حديثه، أشار إلى أن البضائع يتم نقلها بعد ذلك إلى موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء سفاجا، حيث يعاد شحنها مرة أخرى عبر العبارات أو السفن إلى وجهاتها النهائية، سواء فى دول الخليج أو غيرها من الأسواق الإقليمية، حيث إن هذا المسار اللوجستى يمثل بديلا اقتصاديا مهما مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة، خاصة خيار الالتفاف حول «رأس الرجاء الصالح»، الذى يضيف تكاليف تشغيل مرتفعة تشمل استهلاك الوقود وزيادة زمن الرحلة، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين فى ظل التوترات الجيوسياسية الحالية فى بعض الممرات البحرية، لافتًا إلى أن «نقل الترانزيت» عبر الأراضى المصرية يمثل أيضاً مصدرا مهما للعملة الصعبة، حيث تحصل مصر على رسوم مقابل استقبال هذه البضائع فى الموانئ المصرية ونقلها عبر شبكات النقل المختلفة، ثم إعادة شحنها إلى الدول المقصودة، وهو ما يضيف موردا اقتصاديا جديدا يمكن أن يدعم الاقتصاد الوطنى.
وأضاف «مهدى»: هذا النموذج من النقل يساعد كذلك على تجنب المخاطر الملاحية المرتبطة بالتوترات العسكرية فى المنطقة، خاصة مع تزايد حالات استهداف بعض السفن أو ناقلات الحاويات فى مناطق النزاع، ما يدفع شركات الشحن العالمية إلى البحث عن مسارات أكثر أمان واستقرار، حيث إن تفعيل هذا المسار خلال الفترة الحالية يمكن أن يكون بمثابة تجربة عملية لتوسيع نشاط «الترانزيت» فى مصر، بما يتيح استمراره حتى بعد تهدئة الأوضاع فى المنطقة، ونجاح هذه التجربة يتطلب وجود منظومة متكاملة لإدارة عمليات الترانزيت تشمل التنظيم اللوجستى، وتأمين الشحنات، وتنسيق عمليات النقل وإعادة الشحن بكفاءة عالية. كذلك، أوضح أستاذ هندسة الطرق بجامعة «عين شمس»، أن بناء ثقة الخطوط الملاحية الدولية فى قدرة مصر على إدارة هذا النوع من النقل سيكون عاملا حاسما فى تحويل «الترانزيت» إلى نشاط مستدام، وليس مجرد حل مؤقت للتعامل مع أزمة طارئة، مشيرًا إلى أن مصر بدأت بالفعل فى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز هذا الدور، من بينها تشغيل محطة «تحيا مصر» متعددة الأغراض فى ميناء الإسكندرية، إلى جانب التوسع فى المشروعات اللوجستية فى ميناء دمياط، فضلًا عن إطلاق خط «الرورو» بين مصر وميناء «تريستا» الإيطالى، الذى يسهم فى نقل البضائع والمنتجات الزراعية المصرية إلى الأسواق الأوروبية بسرعة وكفاءة.
واختتم «مهدي» تصريحاته بالتأكيد على أن «التخطيط الجيد وتكامل عناصر المنظومة اللوجستية يمكن أن يحول «نقل الترانزيت» عبر الأراضى المصرية إلى نشاط اقتصادى مستدام، بما يحقق عوائد إيجابية للاقتصاد المصرى، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمى مهم للتجارة والنقل الدولي».
من جانبه قال الدكتور عمرو السمدونى، سكرتير عام شعبة النقل الدولى واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، إن «قطاع النقل والخدمات اللوجستية فى منطقة الشرق الأوسط يشهد خلال الفترة الأخيرة تغيرات واضحة نتيجة التطورات الجيوسياسية والحروب الدائرة فى بعض المناطق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية ومسارات الشحن التقليدية، خاصة فى قطاع النقل البحرى عبر بعض الممرات الحساسة».
وأوضح «السمدوني»، أن «هذه المتغيرات دفعت العديد من شركات الشحن الدولية والمستوردين والمصدرين إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمان واستقرار لنقل البضائع، الأمر الذى ساهم فى زيادة الطلب على خدمات «الترانزيت البرى» عبر الأراضى المصرية خلال الفترة الأخيرة».
كما أشار إلى أن «مصر برزت فى هذا السياق كممر لوجستى مهم لحركة التجارة الدولية، مستفيدة من عدة عوامل رئيسية، فى مقدمتها الاضطرابات التى تشهدها بعض مسارات الشحن البحرى نتيجة التوترات العسكرية فى المنطقة، وهو ما أدى إلى ارتفاع المخاطر والتكاليف التشغيلية على بعض خطوط الملاحة، ودفع الشركات إلى الاعتماد بشكل أكبر على النقل البرى كبديل عملى، حيث إن الموقع الجغرافى الاستراتيجى لمصر يمثل أحد أهم عناصر قوتها فى هذا المجال، حيث تقع فى نقطة اتصال بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، ما يجعلها مركز عبور طبيعيا للبضائع القادمة من موانئ البحر الأحمر والمتجهة إلى موانئ البحر المتوسط أو إلى عدد من الدول العربية المجاورة».
سكرتير عام شعبة النقل الدولى واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، فى سياق حديثه، لفت إلى أن «التطور الكبير فى البنية التحتية للنقل داخل مصر خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الطرق السريعة أو المحاور اللوجستية، ساهم فى رفع كفاءة حركة الشاحنات وتقليل زمن انتقال البضائع بين الموانئ والمنافذ الحدودية، وهو ما عزز قدرة الدولة على استيعاب حركة الترانزيت المتزايدة»، مؤكدًا أن النقل البرى يتمتع بمرونة كبيرة فى التعامل مع التغيرات السياسية والأمنية مقارنة ببعض وسائل النقل الأخرى، وهو ما يجعله خيارا مفضلا لدى شركات الشحن فى أوقات الأزمات والاضطرابات».
وأوضح «السمدوني»، أن «عمليات الترانزيت البرى عبر مصر تعتمد على عدد من المسارات الحيوية، من أبرزها نقل البضائع بين موانئ البحر الأحمر وموانئ البحر المتوسط لنقل الشحنات القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا، إلى جانب الربط البرى بين مصر وعدد من الدول العربية مثل الأردن والسودان، فضلاً عن نقل البضائع من الموانئ المصرية إلى الأسواق الإفريقية عبر شبكات الطرق البرية»، مشيرًا إلى أن زيادة الطلب على خدمات «الترانزيت» انعكست بشكل إيجابى على العديد من القطاعات المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية، مثل شركات النقل البرى والشحن الدولى، وشركات التخليص الجمركى، والمناطق اللوجستية والمخازن، إضافة إلى خدمات النقل متعدد الوسائط، حيث إن هذا النشاط المتزايد يفتح المجال أيضاً أمام فرص استثمارية جديدة فى قطاع اللوجستيات، سواء من خلال التوسع فى أساطيل الشاحنات أو تطوير البنية التحتية والخدمات المرتبطة بحركة نقل البضائع.
ورغم هذا النمو الملحوظ، أكد «السمدوني» أن «القطاع لا يزال يواجه بعض التحديات التى تتطلب العمل على معالجتها، من بينها زيادة الضغط على بعض المعابر والمنافذ الحدودية، والحاجة إلى تسريع الإجراءات الجمركية، وارتفاع تكاليف التشغيل والوقود، فضلاً عن أهمية تعزيز التكامل بين وسائل النقل المختلفة»، متوقعًا أن «يستمر الطلب على خدمات الترانزيت البرى عبر مصر فى النمو خلال الفترة المقبلة، خاصة فى ظل التحولات التى تشهدها خريطة التجارة العالمية»، ومؤكداً أن «خطط الدولة لتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية والممرات التجارية ستعزز مكانة مصر كمركز إقليمى رئيسى للنقل والتجارة الدولية».