كل سنة وأنتم طيبون، عيد فطر مبارك، أعاده الله علينا وعليكم باليمن والبركات، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال. ما سبق هى تهانى المسلمين لبعضهم البعض بمناسبة عيد الفطر الذى شرعه الله للمسلمين ليفرحوا.
أما الإخوان الإرهابية، فلم تنظر إلى العيد باعتباره فرحة ولا نهاية شهر صيام، بل حدث يجب استغلاله لصالحها، فكانت منذ السبعينيات تنظم صلاة العيد ليس فى المساجد، ولكن فى الشوارع الرئيسية فى كل مدينة.
هنا نرصد كيف حوّل الإخوان المناسبات الدينية، ومنها صلاة العيد، من سنة نبوية وحدث مهم فى حياة المسلمين ولحظة فرح ديني، إلى حدث سياسى يستعرضون فيه قوتهم ويخلقون منه مناسبة للتجنيد وبناء نفوذ اجتماعى والتأثير فى الرأى العام، أكثر من كونها مجرد عبادة جماعية، وكيف احتكروها ووظفوها ضمن مشروعهم التخريبى لمؤسسات الدولة. فى الحكاية التالية شاهد على هذه الحقيقة.
فى أواخر الثمانينيات، وقبل أيام من عيد الفطر، تم عقد لقاء تنظيمى فى منزل أحد القيادات لمناقشة طلب أجهزة الدولة السماح للإخوان بتنظيم صلاة العيد، بشرط أن يكون الإمام من الأوقاف وبحضور قيادات المحافظة، ويُسمح للإخوان بالتنظيم، على أن تتعهد الجهات الرسمية بتوفير السجاد المناسب للمصلين بدلًا من التغطية التى كان الإخوان يستأجرونها.
جلس عددٌ من قيادات العمل الطلابى (بمحافظة غرب الدلتا) يستمعون لطرح السلطات، ليبدأ رأيهم، ثم دخل أحد القيادات التاريخية للجماعة ببطء، فعمّ الصمت، قطعه القيادى التاريخى قائلًا: ما رأيكم؟
ردّ أحد القيادات الشابة: إذا كانت السلطات فى المحافظة وافقت على أن تكون الصلاة فى استاد المدينة بدل الشوارع، حتى لا تتعطل حركة المرور، وأنها ستتكفل بكل شىء، فما فيش مانع، حتى نوفر فلوس تأجير الفراشة.
هنا تبادل الحضور النظرات، فقد كان واضحًا أن الأمر ليس بسيطًا. ابتسم القيادى ابتسامة خفيفة، ثم قال: هل هذا مكسب؟ أم فخ؟
مستكملًا: يا إخوان، الدولة تريد أن تقول للناس إنها هى التى تقيم السنة، وتُحجِّم حضورنا، ونحن لن نسمح لها بذلك.
ردّ آخر: لكن نحن ندعوها أصلًا إلى تطبيق الإسلام بفرائضه وسننه، فإذا استجابت فى أمر مثل صلاة العيد، فلماذا نرفض؟
هنا بدأ النقاش يحتدم، واعترض مسؤول المكتب الإدارى قائلًا: أنت عاوزنا نصلى خلف إمام من الأوقاف وبحضور المحافظ، علشان يقال إننا تبع الدولة! ونضيع مجهود سنوات ونحن نعمل لترسيخ أن صلاة العيد هى ملك الإخوان، حتى إن الناس يسأل بعضهم بعضًا: أين ستصلي؟ فيقول أحدهم: أنا أصلى عند الإخوان اليوم، ماذا سيقول؟ أنت مش فاهم الدعوة صح يا أخ (فلان).
قال القيادى التاريخى بحزم: الإخوة حسموا الأمر، وأننا لن نصلى معهم، لن نسمح للنظام أن يسرق تنظيم الصلاة منا.
رفع أحد الشباب يده معترضًا، لكن القيادى قاطعه فورًا: انتهى النقاش، الأمر للتنفيذ، سنصلى فى الشارع وسنقاطع صلاة الاستاد. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
استعراضات القوة فى صلاة العيد
أدرك الإخوان مبكرًا أن صلاة العيد تمثل أحد أكبر التجمعات الشعبية السنوية، آلاف المواطنين يجتمعون فى وقت واحد وفى مكان واحد، وهو ما جعلها بالنسبة للتنظيم فرصة مثالية لاستعراض الحضور فى الشارع، وهذا ما فعله حسن البنا فى الإسماعيلية، لكن الشغف بتنظيم الصلاة قلَّ بانتقاله إلى القاهرة.
ثم عادت الفكرة مع عودة الإخوان فى السبعينيات، فقد حرصوا على تنظيم صلاة العيد تحديدًا ليشعر المجتمع بعودتهم مرة أخرى، لهذا لم يصلّوا فى الخلاء، بل فى الشوارع الرئيسية للمدن بكافة المحافظات.
كانت الجماعة تعقد خلال الأيام الأخيرة من رمضان وأثناء الاعتكاف لقاءات تنظيمية لترتيب صلاة العيد فى الأحياء، مع توجيه عناصرهم للحضور بكثافة إلى المساجد التى ستنطلق منها مسيرة الصلاة، على أن يحضر العضو أسرته وأهله ودوائر التأثير التابعة له، وكذلك الأفراد الذين فى دائرة التجنيد (الدعوة الفردية).
ينطلق الإخوان وأتباعهم بالخروج فى مسيرات تكبير تجوب المدينة، وهى وإن كانت مسيرات دينية، إلا أنها أشبه بمظاهرات الإخوان ضد الحكومة، وعلى وجه الخصوص إصرار الإخوان أن يكون فى الصفوف الأولى بالمسيرة رموزهم السياسية، وأن تظل ميكروفونات التكبير بيد عناصرهم، وأن تُرفع لافتات مكتوب عليها شعارات الإخوان المعروفة.
وبهذه الطريقة تحوَّل الذهاب للصلاة من تجمع طبيعى للمواطنين إلى مشهد يبدو أنه مظاهرة إخوانية، والرسالة المقصودة كانت واضحة، وهى أن الإخوان هم الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا فى الشارع.
خطبة العيد والهدية
لم تقف المسألة عند حدود الحضور الجماهيري، بل تعدّته إلى محتوى الخطبة نفسها، التى تحولت إلى منبر رسائل سياسية مبطنة، وكانت تتكرر بصيغ مختلفة، مثل الاعتراض على أى حدث عالمى مع الغمز واللمز لدور الدولة السلبى فيه، والتلميح إلى فساد السلطة، والدعوة إلى التغيير. ورغم أن هذه العبارات كانت تُقدَّم بلغة دينية عامة، فإنها كانت تُستخدم عمليًا لتمرير خطاب سياسى إخوانى تحت غطاء دينى.
بعد انتهاء الصلاة تبدأ مرحلة أخرى من العمل غير المرئى. فالتجمعات الكبيرة كانت تمثل فرصة مثالية للتواصل الاجتماعى المنظم، فيقدم الإخوان هدية للموجودين، وتنقسم قسمين: الأولى للرجال، وهى توزيع أعداد مجلة الدعوة أو لواء الإسلام فى مرحلة تالية، وتوزيع هدية للأشبال والزهرات، وكان لا بد مع الهدية من ملصق مكتوب عليه: هدية الإخوان للأشبال.
وقد كان قادة الإخوان ينقلون عن عمر التلمسانى أنه كان يقول لهم: من الضرورى أن تكون الزمارة أو الصفارة من ضمن هدايا الإخوان، حتى إذا استخدمها الأطفال فى الشوارع وأحدثوا أصواتًا مزعجة، فهذا هو جزء من الهدية، وهو أن يتذكر الناس الإخوان، وأن يستمر اسمهم موجودًا، وشعاراتهم تصل إلى كل بيت على شكل هدية العيد.
الرسالة الأعمق من الشعب للإرهابية
تحولت صلاة العيد بعد تدخل الإخوان من شعيرة دينية إلى حدث سياسى واستعراض قوة. حاولت الجماعة من خلالها أن تثبت بأنها الممثل الحقيقى للمجتمع والقائد له، فى مقابل مؤسسات الدولة. ولهذا كانت بعض السلطات تنظر إلى تنظيم الإخوان لصلاة العيد باعتباره عملًا خارجًا عن القانون، لكنها لم تستطع منعه، لأن الإخوان كانوا يشيعون بين الناس أن الدولة ضد الدين والتدين، ولهذا يلقون القبض عليهم.
وبعد ثورة 30 يونيو حضر الإخوان آخر صلاة عيد لهم فى المحافظات، لم يرفعوا فيها شعاراتهم، لكنهم طبعوا بوسترات سياسية وعاطفية تصور المعتصمين فى رابعة وتندد بالمظاهرات ضد مرسي، وكانوا يظنون أن الشعب سيستجيب لهم. فلما اكتشفوا أن الشعب حضر للعبادة وإحياء الشعيرة، وأنه بالفعل ضد الإخوان، قرروا معاداة الشعب.