رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«كورين أميد» و«الأولبد».. فرحة النوبة


20-3-2026 | 09:10

.

طباعة
تقرير: تغريد شعبان

فى قرى النوبة على ضفاف النيل يحتفل النوبيون بعيد الفطر المبارك بطقوس فريدة تعكس التراث العريق والفرحة الجماعية، تبدأ التحضيرات منذ العشر الأواخر من رمضان؛ حيث يقوم الأهالى بتجهيز المخبوزات المعروفة باسم «الأولبد»، وهى عجينة من الدقيق والحبة السوداء تُعجن وتُترك لتختمر قبل خبزها على «الدوكة»، كما يتم تجهيز الترمس والفول السودانى والحلويات، ويطلق عليها فى النوبة اسم «كورين أميد»، أو «ملح العيد»، وهى عادة تعكس الكرم والتحضير لاستقبال المهنئين.

 

تُحضَّر الأطعمة بعناية فائقة، حيث تعد رمزا اجتماعيا يعكس اهتمام النوبيين بضيوفهم وأفراد المجتمع، ويبرز حرصهم على مشاركة الفرحة مع الجميع، الأطفال والشباب يشاركون فى إعداد المخبوزات وتوزيع الحلويات وتحضير المساجد والساحات لصلاة العيد؛ لتظل هذه الطقوس وسيلة لنقل التراث وتعليم الأجيال الجديدة كيفية الحفاظ على هويتهم الثقافي، حيث يمتزج الاحتفال بالروحانية والطعام والفن الشعبي، لتكون تجربة العيد أكثر من مجرد مناسبة دينية بل حدث اجتماعى وثقافى متكامل عند أهالى النوبة.

محمد مسعد، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية المساعد بكلية الدراسات الإفريقية العليا جامعة القاهرة، أوضح أنه يبدأ التجهيز للعيد فى النوبة من العشر الأواخر من رمضان؛ حيث يتم إعداد المخبوزات التقليدية التى تُخبز فى عيد الفطر، ومن أبرزها «الأولبد» وهى مخبوزة تتكون من الدقيق والحبة السوداء تُخلط وتعجن، وتُترك لفترة حتى تتخمر ثم تُخبز على «الدوكة»، بعد ذلك، يقوم الأهالى بتحضير الترمس والفول السوداني، وكل هذه المكونات تُعرف باسم «ملح العيد»، وباللغة النوبية يُطلق عليها «كورين أميد».

وأضاف: يوم العيد يتوجه الرجال والنساء لأداء صلاة العيد فى المساجد أو الساحات بعد الصلاة، يبدأ الرجال والشباب بجولة تهنئة بين منازل القرية؛ حيث يزورون كل بيت ويقدم أهل المنزل المخبوزات والترمس والفول السوداني، وفى تمام الساعة العاشرة صباحًا، يتجه الرجال إلى المضايف لتناول وجبة الإفطار، والتى تشمل عدة أطباق منها وجبة «المديد» وهى العصيدة فى بعض القرى ووجبة «الكابد بالزبادي» وفى بعض القرى أيضًا تُقدم وجبة «الشعرية».

أما السيدات، بعد أداء صلاة العيد، فيتجهن إلى البيوت التى حدثت فيها وفاة ولم يمر عليها الأربعون يومًا؛ حيث يقمن بتحضير هذه الوجبات نفسها ثم يتوجهن إلى بيت المتوفى لتناول وجبة الإفطار مع أهل المتوفى استمرارا لعادات العناية بالروابط الاجتماعية واحترام التقاليد، وتأتى الدلالة الرمزية لتناول وجبة الإفطار من «المديد» أو «الكابد بالزبادي» أو «الشعرية»، حيث يوضح كبار السن فى مجتمع النوبة أن هذه الوجبات تعمل على تمهيد المعدة للعودة إلى نشاطها الطبيعى بعد صيام رمضان مما يساعد على تجنب أى وعكة صحية خلال أيام العيد.

«أحمد» أحد شباب النوبة، قال: يبدأ العيد فى النوبة من ليلة عرفة؛ حيث يجتمع شباب القرية للإفطار الجماعى بنهاية يوم عرفة داخل إحدى المناطق الخالية فى القرية، وعقب الإفطار، يقومون بتجهيز الساحات لصلاة العيد وبعد الصلاة يوزعون الحلويات والألعاب على الأطفال لتشجيعهم على الحضور مع آبائهم وذويهم، ومع بداية اليوم الأول من العيد، يحرص النوبيون على ارتداء الزى الخاص بالعيد؛ ويتبادل الأهالى التهانى باللغة النوبية «كوريج أنجا ناليه»، ويتوجهون من منزل لآخر لتقديم الضيافة التى تشمل الفشار، التمر، العصائر، الفول السوداني، والشاى بالحليب مع الكعك والبسكويت المخبوز فى المنزل، ما يضفى على الزيارات أجواء من الألفة والمحبة.

وأضاف: خلال اليومين التاليين، يحرص بعض الشباب والعائلات على زيارة المعالم التراثية مثل متحف النوبة والجزر النيلية وقرى النوبة فى غرب أسوان وغرب سهيل، لتعريف الشباب بالتراث النوبى الأصيل والحفاظ على الهوية الثقافية للمنطقة.

الجرجار والكحك النوبى

«سعيدة»، إحدى بنات النوبة، أوضحت أن «طقوس عيد الفطر لديهم تختلف بعض الشيء عن باقى المحافظات المصرية، فى بداية أول أيام العيد تتجه النساء للصلاة بالزى النوبى التقليدى المعروف باسم «الجرجار»، بينما يرتدى الرجال الجلباب الأبيض مع الحذاء الجلد، ولا يصح ارتداء أى نوع آخر من الملابس»، مضيفة أن «حلوى الكحك تختلف أيضًا عن المعتاد، حيث تشبه العيش الشمسى فى الحجم والشكل، ويقف الأشخاص فى الشوارع لتوزيعها على المارة وليس الأقارب فقط».

كما أشارت إلى أن طقوس الإفطار تشمل تناول الشعرية الطويلة مع الحليب، بجانب قطع من الـ«شابورة» أو ما يُعرف فى القاهرة باسم «فايش»، ومعها كوب من الشاى بالحليب، موضحة أنه «بعد الانتهاء من صلاة العيد والخروج من المساجد يتجمع الرجال فى ساحات الشوارع للعزف على الدف والغناء وسط أجواء مليئة بالفرحة والبهجة، ويتم تصوير حفل الغناء الصباحى ونشر مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعى لنشر روح السعادة والاحتفال، كما أن النساء لا ينسين نقش الحناء فى ليلة العيد، فهى من الطقوس الأساسية للاحتفال، فضلاً عن إبقاء جميع أبواب المنازل مفتوحة طوال اليوم لجميع الأهالي، ما يعكس شعورًا بالألفة والدفء ويعزز الروابط الاجتماعية خلال الاحتفال».

أخبار الساعة