ومجددًا.. عادت مصر لتكرر دعوتها إلى ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمستقبلية التى قد تهدد الدول العربية، محذّرة من مخاطر اتساع رقعة الصراع فى المنطقة واحتمالات الانزلاق نحو فوضى شاملة، وأكدت القاهرة تضامنها مع دول الخليج، ورفضها فرض أى ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية من قبل دول إقليمية غير عربية أو أطراف خارج الإقليم.
وجاءت هذه التأكيدات خلال مشاركة وزير الخارجية بدر عبدالعاطى فى الاجتماع الوزارى المشترك الرابع بين مجلس التعاون لدول الخليج العربى ومصر، الذى عُقد افتراضياً مساء الخميس، برئاسة وزير الخارجية البحرينى عبداللطيف بن راشد الزيانى، رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزارى، وبحضور الأمين العام للمجلس جاسم محمد البديوى.
وقد رحّبت دولة فلسطين بدعوة مصر لتفعيل قوة عربية مشتركة، قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التى تواجه الدول العربية، وقال حسين الشيخ، نائب رئيس دولة فلسطين، فى منشور له عبر حسابه على منصة «إكس»: «ترحب دولة فلسطين بتفعيل معاهدة الدفاع العربى المشترك والتعاون الاقتصادى لعام 1950، باعتبارها إطارًا مهمًا لتعزيز التضامن العربى، وصون الأمن القومى العربى، فى مواجهة التحديات التى تهدد استقرار المنطقة، وبما ينسجم مع مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة».

وقال اللواء أركان حرب د.سمير فرج، المفكر الاستراتيجى، إن «فكرة القوة العربية المشتركة ليست جديدة، بل تستند إلى معاهدة الدفاع العربى المشترك التى وقعتها دول جامعة الدول العربية عام 1950 فى الإسكندرية، وتنص المعاهدة على أن أى اعتداء مسلح على دولة عربية يُعد اعتداءً على الجميع، مما يلزم الدول الأعضاء بالتدخل العسكرى المشترك للدفاع عن الدولة المعتدى عليها، ومع ذلك، لم تُفعَّل هذه المعاهدة عملياً منذ صدورها قبل أكثر من سبعة عقود، والرئيس السيسى أعاد إحياء هذه الرؤية عام 2015، حين دعا إلى تشكيل جيش عربى موحد يشبه حلف الناتو، بهدف الدفاع عن الأمن القومى العربى فى مواجهة التهديدات المتزايدة، خاصة بعد أحداث أظهرت عدم قدرة بعض الدول على الدفاع عن نفسها دون تدخل خارجى».
«د. فرج»، أضاف: مصر باعتبارها تمتلك أكبر وأقوى جيش عربى من حيث العدد والتدريب والخبرة، فهى المرشح الطبيعى لقيادة هذه القوة، ومن المتوقع أن يتولى القيادة ضابط مصرى برتبة رفيعة مثل رئيس الأركان أو فريق، مع نائب سعودى، ومجلس قيادة يضم ممثلين عن الدول المشاركة، وستشمل القوة جميع الأسلحة برية وبحرية وجوية، وتُشكَّل وفقاً لحجم كل دولة وإمكانياتها، مع مساهمة مصرية تقدر بحد أدنى(بفرقة) نحو 20 ألف مقاتل».
أما عن الجاهزية، فأوضح «فرج»، أن «الأساس القانونى موجود فى معاهدة 1950، والخطوة التالية تتطلب إنشاء قيادة موحدة، ووضع خطط عملياتية، ودستور للقوة يحدد مهامها، وآليات انتقالها إلى مناطق الصراع، بالإضافة إلى تعزيز التصنيع العسكرى المشترك بين الدول العربية لضمان الاكتفاء الذاتى عبر إعادة تفعيل دور الهيئة العربية للتصنيع».
«فرج»، انتقل بعد ذلك للحديث عن التحديات المتوقع أن تواجهها فكرة «القوة المشتركة» على أرض الواقع، وقال: أبرز العقبات تتمثل فى اختلاف الاتجاهات الاستراتيجية بين الدول العربية، وبعض البنى التحتية العسكرية فى دول أخرى التى تحتاج إلى تطوير لتتناسب مع متطلبات قوة مشتركة فعالة، هذا إلى جانب احتمالية وجود معارضة محتملة من الولايات المتحدة، التى تفضل الاحتفاظ بدورها كحامية للأمن فى المنطقة مقابل دعم مالى، بدلاً من ظهور قوة عربية مستقلة، مع الأخذ فى الاعتبار أن تشكيل هذه القوة سيخلق معادلة ردع حقيقية فى المنطقة، خاصة بعد دروس الأحداث الأخيرة التى أظهرت عدم كفاية الاعتماد على الحلفاء الخارجيين فى حماية الدول العربية من التهديدات».
وتابع: أما الدعم العربى، فأوضح أنه موجود جزئياً، لكنه يحتاج إلى تعزيز حقيقى من خلال التزام مالى وعسكرى مشترك، بدلاً من الاعتماد على مساهمات فردية أو خارجية، وشدد على أن الدرس المستفاد من التجارب السابقة يفرض على الدول العربية التعلم والتوحد لمواجهة أى اعتداء على أى دولة منها.
«فرج»، فى ختام حديثه شدد على أن «الوقت قد حان لتحويل الحلم العربى القديم إلى واقع، بشرط الإرادة السياسية المشتركة والتخطيط الدقيق، ليصبح العالم العربى قادراً على حماية أمنه بنفسه، بعيداً عن التبعية الخارجية».


بدوره، أكد اللواء طيار د.هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن «مصر اليوم تتبنى مبادرات استراتيجية تهدف إلى تشكيل قوة عربية مشتركة، وقد أكد ذلك أيضاً تصريح وزير الخارجية الذى أشار إلى السعى لتشكيل قوة عربية مشتركة لحماية الأمن القومى العربى».
وأضاف: القوة المشتركة، حلم مصرى عربى قديم، تم الحديث عنه منذ نشأة جامعة الدول العربية، لكنه لم يتحقق بسبب ظروف وأسباب كثيرة مرت بها المنطقة العربية. وبعد ثورة 30 يونيو، تجدد هذا الحلم مرة أخرى من خلال رؤية الدولة المصرية، التى ترى أن الأمن القومى لبعض الدول فى المنطقة لا يمكن مواجهته بمفردها، باستثناء مصر التى تمتلك قوات مسلحة قوية ومحترفة ومحدثة، ولديها خبرات قتالية عالية تمكنها من صون أمنها القومى بشكل كامل، أما بعض الدول العربية الأخرى فلا تتوفر لديها القدرة الكافية لمواجهة التهديدات المتوقعة بالشكل المطلوب.
وشدد «الحلبى» على أن «الرؤية المصرية - آنذاك - كانت تقوم على ضرورة إنشاء قوة عربية مشتركة تستطيع الدفاع عن الدول المشاركة فيها، خاصة تلك التى لا تمتلك القدرة العالية على مواجهة التهديدات بشكل مستقل، ورغم أن هذا الطرح لم يجد التجاوب الكافى من بعض الدول العربية آنذاك لأسباب عديدة، إلا أن مصر كانت من أقل المتضررين، إذ تمتلك قوات مسلحة قوية ومحترفة، فواجهت التهديدات وانتصرت عليها بحمد الله، واليوم تثبت الرؤية المصرية صحتها مع مرور الزمن، حيث واجهت بعض الدول العربية تهديدات كبيرة لأمنها القومى فى الجانب العسكرى».
وتابع: لذلك، يتجدد الموضوع الآن بقوة، وأصبح أمراً ضرورياً وملحاً، وليس رفاهية. وأعتقد أن مصر طرحت الفكرة مجدداً، وهى فكرة تتجدد باستمرار لأنها تمثل جزءاً أصيلاً من الخبرات العالمية، مثل حلف شمال الأطلسى الذى حافظ على أمن أوروبا لفترات طويلة، وخفض التكاليف العسكرية على الدول الأعضاء، هناك تجارب عالمية يمكن الاسترشاد بها.
وعن الدور المصرى فى هذه القوة أشار «الحلبى»، إلى أن «مصر تمتلك خبرات عالية جداً فى التدريبات المشتركة، التى تمكن المقاتل المصرى على كل المستويات القيادية وحتى فى ميدان المعركة من التعامل مع قوات مسلحة من ثقافات وعقائد قتالية مختلفة، ومن أبرز الأمثلة مناورة «النجم الساطع» التى شاركت فيها أكثر من 44 دولة وأكثر من 8500 مقاتل من جنسيات وعقائد متنوعة، ونجحت القوات المسلحة المصرية فى إدارتها بكفاءة عالية، وهذه الخبرة متعددة يمكن استثمارها فى بناء القوة العربية المشتركة، خاصة أن الدول العربية تتمتع بركيزة قوية: لغة واحدة، ثقافات متقاربة جداً، وتهديدات مشتركة تقريباً، كما أن التدريبات المشتركة التى تجريها مصر – وبعضها مع دول عربية – يمكن أن تشكل أساساً وركيزة متينة لهذا المشروع».
«د. الحلبى» أكد أن «مصر تؤمن دائماً بأن أمنها القومى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى العربى كما أن الدول العربية داعمة لهذا المبدأ والدعم ليس معنوياً فقط، بل له أشكال متعددة، فقد وقفت الدول العربية مع مصر فى أوقات صعبة، وساعدتها فى مجالات مختلفة، كالطاقة وغيرها، والعلاقات التاريخية بين مصر والدول العربية قوية، وهناك دعم متبادل، لكننى أرى أن الوقت قد حان لنقل هذا الدعم إلى الجانب العسكرى فى إطار قوة عربية مشتركة رسمية».
وأضاف أن «هناك تعاونا عسكريا حالياً، لكنه ثنائى أو محدود (مثل مجلس التعاون الخليجى أو قوات درع الجزيرة)، وأنظر إلى الرؤية الأشمل قوة عربية مشتركة تجمع كل القدرات العسكرية العربية تحت مظلة واحدة رسمية»، مشيرًا إلى أن «مصر تتعامل مع أشقائها بروح الأخوة والاحترام الشديد، وعندما تطرح مصر مثل هذه الفكرة، فإنها تستند إلى وقائع حالية أثبتت ضرورة التعاون المشترك، وإذا توافرت الإرادة لدى الدول، يمكن أن يبدأ تنفيذ المشروع، علماً أنه يحتاج وقتاً للتجهيز، كما حدث مع حلف شمال الأطلسى الذى بدأ فى الأربعينيات واستغرق وقتاً طويلاً، وأرى أن هذا المشروع يمثل أملاً للشارع العربى وللمواطن العربى».
كذلك، شدد «الحلبى» على أن «القوة العربية المشتركة ستشكل ردعاً حقيقياً فى المنطقة فى ظل التدخلات الدولية خاصة على المدى المتوسط وليس القريب، لأن مرحلة التجهيز والإعداد تحتاج وقتاً، بعض الدول تحتاج إلى مزيد من التدريب والتأهيل والتسليح، بينما دول أخرى جاهزة، وكما بدأ حلف شمال الأطلسى بعدد محدود من الدول ثم توسع، فيمكن أن يبدأ المشروع بعدد من الدول الراغبة والجاهزة، وهذا أفضل من الانتظار، وقد تكون هناك دول لا ترغب حالياً أو ترى الموضوع مؤجلاً، ونحن نحترم الإرادة السياسية لكل دولة تماماً، ولا نضغط على أحد، لكن إذا كانت هناك دول راغبة وجاهزة، يمكن البدء بها، ثم التوسع تدريجياً».