رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تحركات مصرية مكثفة ودعم شامل للأشقاء فى دول الخليج


21-3-2026 | 11:14

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المشهد السياسى فى الشرق الأوسط عقب العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد النظام الإيرانى، وما أعقبها من رد إيرانى طال عددًا من دول الخليج العربى والأردن، برز الموقف المصرى واضحًا وثابتًا فى دعمه للأشقاء العرب، فلطالما أكدت القاهرة أن أمن الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمنها القومى لتجدد موقفها الرافض لأى اعتداء يمس سيادة الدول العربية، وبين إدانات حاسمة للتصعيد الإيرانى وتأكيد التضامن مع دول الجوار، تواصل مصر ترسيخ دورها التاريخى كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمى وصوت داعم لوحدة الصف العربى فى مواجهة التحديات الراهنة.

 

 

فمنذ انطلاق شرارة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على طهران فى 28 فبراير الماضى وبدء الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربى، أعلنت مصر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن المصرى، وجاءت التحركات المصرية بسلسلة اتصالات هاتفية بقادة السعودية وقطر والأردن والإمارات والعراق والكويت أكدت فيها أن أى مساس بسيادة الدول العربية يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمى، ويزيد من خطورة الأوضاع فى المنطقة، وأن تضامن مصر الكامل مع الدول العربية الشقيقة التى تعرضت لاعتداءات إيرانية.

وأعلنت مصر رفضها القاطع لأى تهديد يمس أمن وسيادة واستقرار الدول العربية، مشددة على أن الحلول السياسية والدبلوماسية تظل الطريق الأمثل لتجاوز الأزمات الإقليمية، كما حذر الرئيس عبدالفتاح السيسى من أن استمرار التصعيد العسكرى لن يؤدى إلا إلى تعميق معاناة شعوب المنطقة وتقويض فرص التنمية والاستقرار.

وأوضح الرئيس أن دول الخليج والأردن والعراق لم تدعم الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل لعبت دورًا فى تهدئة الأوضاع من خلال دعم جهود خفض التصعيد وتشجيع المفاوضات بين طهران وواشنطن سعياً للوصول إلى تسوية دبلوماسية للأزمة، وفى الوقت ذاته جددت مصر إدانتها القاطعة ورفضها التام لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق، وذلك خلال اتصال هاتفى تلقاه الرئيس السيسى من نظيره الإيرانى مسعود بزشكيان، كما تتواصل اتصالات وجولات د. بدر عبدالعاطى وزير الخارجية والمصريين فى الخارج لخفض التصعيد، ووقف الحرب بتوجيهات رئاسية.

وعلى المستوى الاقتصادى فى خضم التوترات التى تشهدها ممرات الطاقة العالمية فى ظل الحرب برزت القاهرة كلاعب لضمان تدفق الإمدادات لا سيما بعد تصريحات وزير البترول كريم بدوى، الذى أكد قدرة مصر على تسهيل نقل النفط الخام عبر خط أنابيب «سوميد» من البحر الأحمر وصولاً إلى البحر المتوسط، وهو ما تحدث عنه الدكتور أحمد قنديل، خبير العلاقات الدولية ودراسات الطاقة بمركز الأهرام للدراسات، موضحًا الأهمية الكبرى للدور المصرى فى دعم تجاوز أى اضطرابات حادة قد تطال صادرات دول الخليج من النفط، خاصة فى ظل سيناريوهات إغلاق مضيق هرمز، واصفًا هذا التعاون بأنه مستوى متقدم من التنسيق الاستراتيجى لمواجهة التحديات الطارئة.

وأكد أن استعداد القاهرة لتسهيل نقل النفط عبر «سوميد» يساهم مباشرة فى استقرار الأسعار العالمية واحتواء مخاوف أمن الإمدادات، خاصة بالنسبة للمستهلكين فى أوروبا، فهذه الخطوة تبرز كفاءة البنية التحتية المصرية وقدرتها على التكيف مع التحولات المفاجئة فى خريطة الطاقة الدولية، وهذه التطورات تخدم هدف مصر الاستراتيجى بالتحول إلى مركز إقليمى لتداول الطاقة، مستفيدة من شبكة الخطوط ومرافق التخزين ومحطات الإسالة، بالإضافة إلى قناة السويس، فخط «سوميد» هو بديل عملى وفعال لجزء حيوى من الصادرات الخليجية التى يتم تحميلها من موانئ البحر الأحمر، مما يجنبها مخاطر المرور عبر البؤر المتوترة.

وأضاف «قنديل» أن التحرك المصرى فى هذا التوقيت الحرج يعكس مسؤولية دولية، ويوطد مكانة القاهرة كشريك موثوق يساهم بفاعلية فى استقرار النظام الاقتصادى العالمى وأمن الطاقة فى أحلك الظروف، فالدور المصرى فى هذه الأزمة واضح وتقدم القاهرة كل ما بوسعها لدعم الأشقاء ورأينا مشاهد تخزين الطائرات فى الاراضى المصرية ونقل العالقين من وإلى دول الخليج لكل الوجهات العالمية ما يؤكد اضطلاع مصر بدورها الإقليمى لوقوفها إلى جوار أشقائها.

وأشار السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى أن أمن وسلامة المنطقة يمثلان إحدى ركائز مساعى مصر، فاتصالات الرئيس السيسى بقادة دول الخليج، والاتصالات التى يجريها وزير الخارجية بدر عبدالعاطى لمحاولة التوصل لمخرج من الأزمة الراهنة، والعودة إلى مائدة التفاوض تؤكد مساعى مصر وجهودها لدعم الأشقاء فى الخليج على كافة المستويات.

وأضاف أن مصر تأمل وتعمل على احتواء المشهد عند الحدود التى نراها الآن وعدم تجاوزه، بحيث لا يصبح صراعاً إقليمياً شاملاً يضر بمصالح الجميع وأمن واستقرار المنطقة، فموقف مصر كان ثابتاً منذ البداية بإعمال أدوات الدبلوماسية والوصول لنتائج عبر طاولة التفاوض، والتى حَققت فى جولات التفاوض الأولى نتائج بدت لكل المراقبين إيجابية، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل اختارتا التوجه نحو خيار عسكرى يفتح الأفق أمام كل المخاطر، موضحًا أن دور مصر يتجلى فى محيطها العربي، لا سيّما مع دول مجلس التعاون الخليجى بوصفه دورًا محوريًا وممتدًا عبر التاريخ، إذ تعد القاهرة إحدى الركائز الأساسية فى إدارة توازنات الشرق الأوسط، وفى ظل التصعيد الأخير الذى استهدف بعض دول الخليج تنظر هذه الدول إلى مصر باعتبارها شريكًا أساسيًا يمكنه المساهمة فى احتواء التوترات، خصوصًا أن ما تتعرض له تلك الدول يُمثل تحديًا مباشرًا للأمن العربى.

ونوه الى أنه خلال هذه المرحلة تسعى مصر إلى التحرك على أكثر من مستوى، إذ تُكثف من نشاطها الدبلوماسى فى محاولة لاحتواء الأزمة، وتؤكد القيادة السياسية المصرية فى مختلف المناسبات على ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية والعودة إلى طاولة المفاوضات باعتبارها السبيل الأمثل لتجنب اتساع دائرة الصراع، وهذه الفترة تشهد اتصالات دبلوماسية مكثفة بين القيادة السياسية المصرية وعدد من الدول الأوروبية، إذ تتواصل القاهرة بشكل مستمر مع عواصم أوروبية عدة، كان آخرها اتصال مع قبرص، إلى جانب اتصالات متواصلة مع شركاء أوروبيين لمحاولة فتح الباب على المسار الدبلوماسى، وفى ضوء هذه التحركات، تركز القاهرة على هدف رئيسى يتمثل فى منع اتساع نطاق الصراع، والعمل على إعادة ضبط المسار الإقليمى بما يعيد الأطراف المختلفة إلى المسار السياسى والدبلوماسى باعتباره الطريق الأكثر أمانًا لتجنب مزيد من التصعيد فى المنطقة.

وبين«حجازى» أن محددات الموقف المصرى فى التعامل مع التصعيد العسكرى فى المنطقة، فى ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية فى السعى هو احتواء التصعيد والعمل على تهدئة التوتر بين الأطراف المتصارعة والدعوة إلى خفض حدة التوتر، والتأكيد على ضرورة الوصول إلى حل عبر المفاوضات والحوار الدبلوماسي، فكل هذه الجهود تحظى بدعم وتأييد عدد من الدول فى المنطقة، وكذلك من بعض الدول الأوروبية، كما يبدو أن الجانب الروسى يسير فى الاتجاه نفسه، بما يعزز فرص التهدئة وتقليل احتمالات التصعيد.

وأشار «حجازى» إلى أن مصر تعمل بالتنسيق مع الدول العربية على دعم المواقف والإجراءات التى تتخذها أى دولة عربية، سواء فى دول الخليج أو الأردن أو العراق، وذلك فى إطار الحفاظ على الأمن القومى الإقليمى والأمن القومى العربي، وكذلك بلورة رؤية عربية مشتركة تقوم على التضامن والدعم المتبادل فى مواجهة أى اعتداء أو تحرك قد يمس سيادة أى دولة عربية، لافتا إلى أنه بشأن مستقبل التصعيد فى ظل التطورات المتلاحقة، يبدو من خلال التصريحات والمعلومات المتداولة أن الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل، قد تميلان إلى تهدئة العمليات العسكرية أو على الأقل خفض حدتها، ويرتبط ذلك بحجم الاستنزاف العسكرى والإمكانات التى تتطلبها مثل هذه العمليات، فهذا الوضع قد يدعم جهود الوساطة وعلى رأسها الجهود المصرية، إضافة إلى جهود بعض الدول الإقليمية والأوروبية، وقد يفتح ذلك المجال أمام قدر من التفاؤل الحذر بإمكانية خفض التصعيد، وربما التوصل إلى وقف لإطلاق النار، أو العودة إلى مسار المفاوضات وفتح قنوات للحوار، ولو بشكل غير مباشر فى المرحلة الأولى.

ومن جانبه، أوضح السفير على الحفنى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الدبلوماسية المصرية وسياستها الخارجية تتسم بالتوازن، فالسياسة المصرية سباقة وصاحبة رؤية واضحة ومحددة وصائبة، وأثبت التاريخ أنها كانت على المسار الصحيح دائما، ويمكن القول إن كثيرين ممن اختلفوا مع توجهات السياسة المصرية عادوا بعد سنوات طويلة ليتبنوا الرؤية نفسها، بعدما أدركوا صوابها.

وأضاف أن مصر بحكم تاريخها العريق، وموقعها الجغرافى فى قلب العالم تقريبًا يفرض عليها مسؤوليات كبيرة، إضافة إلى ذلك، تربطها علاقات طيبة مع مختلف دول العالم دون استثناء، الأمر الذى يمنحها القدرة على التواصل مع جميع الأطراف، وهو ما يتأكد فى الأزمات حيث تبذل مصر فى ظل الأزمة والتصعيد العسكرى الحالى فى الشرق الأوسط جهدًا كبيرًا لاحتواء الموقف ومنع التصعيد الخطير.

وأكد أن القيادة المصرية قادرة على التواصل المباشر مع مختلف القادة والمسؤولين فى العالم، سواء من خلال الاتصالات الهاتفية أو اللقاءات المباشرة أو الزيارات المتبادلة، فموقع مصر الجغرافى وطبيعة سياستها الخارجية يجعلها مؤهلة للقيام بدور الوسيط فى العديد من الأزمات، وفى الصراع الحالى فى المنطقة اتسمت مصر بسياسة وموقف هادئ ومتوازن يعمل على التواصل مع كل الأطراف ومحاولة احتواء أى تصعيد وكذلك عدم الانجرار إلى أى مواجهة تضر بالأمن القومى المصرى والإقليمى، فمصر تحافظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، فى الوقت الحالى، بل وتعد هذه العلاقة فى إطار الشراكة الاستراتيجية، وهذا ما يسمح لمصر بأن تتحدث مع جميع الأطراف وأن يستمعوا إلى رؤيتها.

وأشار «الحفنى» الى أنه من هنا يبرز الدور المصرى الذى يسعى إلى الوصول إلى لحظة يتفق فيها الجميع على وقف التصعيد، بحيث يتم تحديد وقت معين يتوقف فيه القتال وتبدأ مرحلة التهدئة، وهذا الأمر يواجه عدة تحديات، أبرزها يتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وهو مجرم حرب، ويواجه اتهامات وقرارات قضائية من محاكم داخل الاحتلال وكذلك المحاكم الدولية، ما يجعله فى وضع سياسى وقانونى معقد، وبالتالى يرى أن استمرار الحرب يمنحه مخرجًا سياسيًا من هذه الضغوط.

بدوره شدد اللواء الدكتور رضا فرحات، الخبير الاستراتيجى وأستاذ العلوم السياسية، على أن الاتصال الهاتفى الذى تلقاه الرئيس عبدالفتاح السيسى من الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان يمثل رسالة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، تعكس مكانة مصر كقوة إقليمية قادرة على إدارة التوازنات المعقدة فى الشرق الأوسط، فى توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة مع تصاعد التوترات واحتمالات اتساع دائرة الصراع، فالرسائل التى حملها الموقف المصرى جاءت واضحة وحاسمة، أكدت ثوابت السياسة الخارجية المصرية القائمة على احترام سيادة الدول ورفض المساس بأمنها واستقرارها، وأن أمن دول الخليج يمثل جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى العربي، وأى تهديد أو استهداف لهذه الدول يمثل خطا أحمر بالنسبة لمصر.

وأضاف أن تحرك القيادة المصرية فى هذا التوقيت يعكس قراءة استراتيجية دقيقة لمشهد إقليمى شديد التعقيد، حيث تتشابك الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بما يفرض ضرورة وجود قوة إقليمية قادرة على منع الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله وتمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية، والقاهرة تتحرك وفق رؤية سياسية متوازنة ترفض منطق التصعيد العسكرى وتدعم فى الوقت ذاته مسار الحلول السياسية والدبلوماسية، فمصر تملك من الخبرة الدبلوماسية والثقل السياسى ما يؤهلها للقيام بدور الوسيط الموثوق القادر على التواصل مع مختلف الأطراف وتهدئة بؤر التوتر قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.

وأكد «فرحات» أن تقدير الجانب الإيرانى للدور المصرى فى خفض التصعيد يعكس إدراكا إقليميا متزايدا بأن القاهرة أصبحت تمثل نقطة ارتكاز رئيسية فى معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن تحركاتها الدبلوماسية تسعى إلى الحفاظ على توازنات المنطقة ومنع أى محاولات لجرها إلى دوائر صراع جديدة، فمصر بقيادة الرئيس السيسى تتحرك بمنهج واضح يقوم على حماية الأمن القومى العربى ودعم استقرار الدول العربية، ومنع اتساع رقعة النزاعات، إلى جانب الدفع نحو إعادة إحياء المسارات السياسية والتفاوضية كخيار أساسى لتسوية الأزمات، بما فى ذلك القضايا المرتبطة بالملف النووى الإيرانى وتداعياته الإقليمية، فالمرحلة الراهنة تتطلب تغليب منطق الحكمة والدبلوماسية على حساب منطق المواجهة والتصعيد، والدور المصرى سيظل أحد أهم عوامل التوازن فى منطقة تعانى من أزمات متشابكة وتحديات متصاعدة، وأن القاهرة ستواصل جهودها لمنع اتساع الصراعات والحفاظ على استقرار الشرق الأوسط.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة