رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر والحرب الأخيرة.. إدانة كاملة ورفض للهجوم على الدول الشقيقة


19-3-2026 | 13:59

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

فى إفطار الأسرة المصرية، الذى يدعو إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى سنويا، أكد الرئيس مساء السبت الماضى رفض مصر القاطع وإدانتها التامة للهجمات التى تشنها إيران على الدول العربية الشقيقة، فى منطقة الخليج العربى، بالإضافة إلى الأردن والعراق، قبلها بيوم - الجمعة - أكد الرئيس الموقف والرأى نفسه، فى الاتصال الذى تلقاه من الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، ومن اللحظة الأولى للهجمات، يوم السبت 28 فبراير، أعلنت جمهورية مصر إدانة الهجمات الإيرانية على الدول الشقيقة.

 

وأكد الرئيس أيضا فى الإفطار السنوى أن مصر ليست بمنأى عما يجرى حولها فى المنطقة، وأن المنطقة تشهد تغييرات كبيرة..

ربما تكون هذه هى المرة الأولى فى التاريخ العربى المعاصر أن تتم مهاجمة ثمانى دول عربية فى وقت واحد ومن دولة واحدة هى الجمهورية الإسلامية فى إيران.. والحق أن ذلك ليس جديدا ولا يجب أن يكون مفاجئاً، منذ أن تشكلت الجمهورية الإسلامية سنة 1979 مع ثورة آية الله خمينى قررت من اللحظة الأولى تصدير الثورة إلى بلدان المنطقة، ثم دخلت فى حرب طويلة مع العراق انتهت بانتصار العراق، فى أثناء تلك الحرب، شنت إيران هجمات على ناقلات النفط فى الخليج سنة 1986، لمعاقبة دول الخليج بسبب مساندتها للعراق، وحاولت تصدير الثورة وكذلك ميليشيات وجماعات الإرهاب فى المنطقة، كان لنا نحن فى مصر نصيب من تلك المحاولات، زمن الرئيس السادات، حتى إنهم هللوا لاغتيال السادات واعتبروه من نتاج ثورتهم وكرموا اسم قاتل السادات، ثم حاولوا إثارة القلاقل فى الداخل المصرى زمن الرئيس مبارك.

ولما هاجمت الولايات المتحدة العراق سنة 2003 واحتلته، كانت إيران فى الصف الأمريكى، وتدخلت فى شئون العراق ورعت النزعات الطائفية والمذهبية به، ثم تدخلت فى عدد من الدول وخلقت أذرعا من الميليشيات المسلحة لها داخل تلك الدول، حتى أعلن سنة 2017 مسئول إيرانى كبير أن بلاده باتت تسيطر على أربع عواصم عربية، وفى حرب يونيو الماضى التى أعلنتها عليها إسرائيل، شنت إيران غارة على العاصمة القطرية الدوحة.

وفى الحرب الدائرة الآن هاجمت الدول العربية من اللحظة الأولى، رغم أن هذه الدول أكدت مسبقا أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها للهجوم على إيران، لكن الأخيرة لم تعبأ بذلك، ومن اللحظة الأولى هاجمت الدول العربية، الهجمات على الإمارات العربية المتحدة وعلى البحرين وقطر والكويت تفوق هجماتها على إسرائيل، وفى هجماتها على الدول العربية تستهدف المنشآت المدنية، محطة تحلية المياه فى البحرين، مطار الكويت الدولى، الفنادق فى دبى وأبو ظبى والمنامة، الهجوم على شرق السعودية.. الهجوم على ميناء صلالة بسلطنة عمان.

وكما ذكر الرئيس فإن مصر ليست بمنأى عما يجرى فى المنطقة، إذ انعكس علينا بشكل مباشر وفى اليوم نفسه.

حين وقعت حرب روسيا / أوكرانيا فى فبراير سنة 2022، انعكست علينا بالنسبة لوارداتنا من القمح سواء من روسيا أو من أوكرانيا والأسعار العالمية للطاقة وللحبوب وغيرها، رغم أن أوكرانيا ليست فى منطقتنا ولا فى محيطنا، الحرب الأخيرة التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وقامت ايران بالرد بعد ساعتين فقط، لكن بالهجوم على الدول العربية المجاورة، هى فى نفس نطاقنا الجغرافى، هوجمت المملكة العربية السعودية، وهى دولة حدودية لنا، على البحر الأحمر، والمملكة الأردنية وهى على حدودنا مع سيناء أما بقية دول الخليج فهى دول شقيقة، وتستوعب ملايين المصريين يعملون بها ويقيمون هناك، وهذا يعنى أنهم يمكن أن يكونوا فى دائرة الخطر، صحيح أن وزارة الخارجية تتابع باستمرار عبر سفاراتنا، لكن فى النهاية نحن نشعر بالقلق عليهم، فضلا عن الأثار الاقتصادية الأخرى، بالنسبة لحركة الواردات والصادرات، والارتفاع الجنونى للأسعار، على مستوى المحروقات والطاقة أو المواد الغذائية، فضلا عن صعوبة الحركة والتنقل بين بلدان المنطقة، لتعطل حركة الطيران فى بعض الدول التى تعرضت للهجوم.

الأبعد من الاقتصاد هو توازنات القوى فى المنطقة كلها، وهذا يؤثر على الجغرافيا السياسية والأمن القومى العربى كله، وبالضرورة الأمن القومى المصرى، بغض النظر عن المنتصر والمنهزم فى النهاية، وإن كانت المعارك التى تحمل طابعا أيديولوجيا أو رمزيا، لا تنتهى بمنتصر ومهزوم فإن كل طرف يعد نفسه منتصرا، فى معارك حزب الله مع إسرائيل، كانت تنتهى بأن يعلن حزب الله تحقيق “نصر إلهي” وترد الحكومة الإسرائيلية بأنها نجحت فى تحقيق كل أهدافها، وفى حرب الصيف الماضى، بين إيران وإسرائيل ثم الولايات المتحدة، أعلن كل طرف أنه حقق الانتصار.. ومثل هذه العقليات، لا تمل من الحروب، تصبح الحروب عندها وكأنها هدف بذاته.. خوض الحرب، يعنى توحد الجميع خلف الحكم القائم، وتتراجع المعارضة له أو محاولة التخلص منه، النظام الإيرانى يحتاج ذلك تماما، وكذا حكومة بنيامين نتنياهو، الذى تطارده قضايا فساد ومعارضة قوية، يمنع تحركها حالة الحرب، الذى يدفع الثمن هو المنطقة، سياسيا وجغرافيا واقتصاديا.

سياسيا فإن كثرة الحروب على هذا النحو، يؤدى إلى تعاظم دور إسرائيل فى المنطقة لأنها طرف رئيس فى كل هذه الحروب، وبسبب عمليات الاختراق التى قامت بها فى عدد من البلدان مثل إيران ولبنان وسوريا من قبل، فإنها باتت تتحرك وكأن دول المنطقة مستباحة أمامها، وبات الكثيرون يرهبون تلك الاختراقات، ومع انتشار الميليشيات المسلحة فى عدد من الدول، باتت إسرائيل فى الخندق الذى يقاوم تلك الميليشيات، وهكذا تبدو لدى البعض فى الشارع العربى وكأنها فى نفس الخندق مع بعض دول المنطقة، الأمر الذى يكون له مردود معنوى سلبى بالنسبة لدول المنطقة ويفتح الباب أمام شكوك وظنون وشائعات كثيرة.

لقد عاشت إسرائيل منذ أن تأسست سنة 1948 وهى تسعى للتفاوض مع كل دولة عربية بشكل مباشر، ولم تكن كثير من دول المنطقة ترغب بذلك، الأسبوع الماضى وبسبب غارات حزب الله على إسرائيل وتهديد الأخيرة باجتياح لبنان، طلبت الحكومة اللبنانية التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكن الأخيرة رفضت، وتدخلت فرنسا للوساطة كى تقبل إسرائيل التفاوض المباشر!! لا نلوم الحكومة أو الدولة اللبنانية، لكن الظرف الضاغط فى المنطقة والذى انخرط فيه حزب الله، هو الذى قاد إلى ذلك.

وبالنسبة للولايات المتحدة وعلاقتها بدول المنطقة، هناك تطور كبير، من قبل حين كانت تتدخل عسكريا فإن ذلك كان يتم بطلب رسمى من دولة بعينها أو دول المنطقة، كما حدث أيام حرب تحرير الكويت سنة 1990، كان هناك قرار من الأمم المتحدة وكان هناك طلب رسمى من الكويت، وفى هذا الإطار تحرك الرئيس الأمريكى بوش “الأب” وتكون التحالف الدولى، ولما تدخلت فى العراق سنة 2003، كانت هناك المعارضة العراقية التى سعت لدى الولايات المتحدة للتدخل لإزاحة حكم حزب البعث- الآن ومع الظروف الجديدة فى المنطقة - فإن الولايات المتحدة تتدخل بقرار منفرد من البيت الأبيض، حتى دون العودة إلى الكونجرس، حدث ذلك فى حرب الصيف الماضى ويحدث الآن.

هذه المرة يمكن القول إن التدخل الأمريكى كان ضد رغبة دول المنطقة، كانت هذه الدول مثل مصر والسعودية وعمان وقطر، تطلب منح فرصة للوساطة والحل الدبلوماسى بين إيران والولايات المتحدة لكن الرئيس ترامب خلافا لذلك شن الحرب يوم 28 فبراير منفردا مع إسرائيل، وأطلق نيران جهنم على المنطقة كلها.. إيران لم تتمكن من الوصول إلى الأمريكان فى عقر دارهم، فتعاملت مع دول المنطقة وكأنها رهائن لديها، تهدد وتعربد.

وتستحق التجربة الإيرانية فى تعاملها مع المحيط العربى دراسة خاصة، على الأقل منذ مجئ آية الله خمينى إلى الحكم ومن بعده المرشد الأعلى على خامنئى، فقد أرادت أن تجعل من الدول العربية مجالا حيويا تصدر الثورة إليها، رغم الفارق المذهبى الكبير، لكنها راحت تمول جماعات التشدد والتطرف، وتطلقهم على بلاد المنطقة، فى مصر كان عندهم محمد الظواهرى، وأرسلوه إلينا بعد سنة 2011 وانطلق إلى سيناء ليمارس الإرهاب مع جماعته.. فى العراق كان لديهم الزرقاوى سجيناً، ثم حرره قاسم سليمانى وأرسله إلى العراق والأردن، حيث مارس جرائم عنف مذهبى وطائفى، أدت إلى إشعال الأمور فى العراق.. وهكذا فى كل بلد مدوا أصابع العنف والميليشيات.

ومع كل أزمة تقابلهم، لا يترددون فى الهجوم على الدول العربية.. هاجموا الكويت أيام حرب العراق وإيران، وفى هذه الحرب تطايرت أعمالهم إلى عدد كبير من دول المنطقة.

من حقنا أن نتساءل هل هى الثنائية القديمة فرس وعرب منذ أن فتح المسلمون بلاد فارس، أم أيام الصراع الكبير والشعوبية فى العصر العباسى..؟ هل هى صراع مذهبى يتخفى تحت شعارات الثورة والمظلومية..؟ أم أننا بإزاء عملية التقاء مصالح بين إسرائيل وإيران وأيضا صراعات على من يتولى المنطقة ويسيطر عليها؟! هنا نحتاج دراسات متعمقة تضع لنا النقاط على الحروف، لكن تحليل بعض المفردات وبعض الوقائع التى تصدر عن كل طرف تكشف الكراهية لدول المنطقة، بلا استثناء، سواء الدول التى هاجموها أو تلك التى لا يمكنهم الوصول إليها.

ومنذ 11 عاماً، سنة 2015 اقترح الرئيس عبدالفتاح السيسى إنشاء ناتو عربى، لكن الاقتراح لم يدرس جيدا وتدافعت الحوادث على هذا النحو، الذى يمكن أن ينتهى إلى أن يكون مصير المنطقة معلقا بيد قوى ودول ليست عربية، وربما من خارج المنطقة.

والحادث أن هناك عدة مشاريع فى المنطقة، المشروع الإسرائيلى والمشروع الإيرانى، من أبرزها، وكل منهما يريد دفع الدول العربية لتكون جزءا من مشروعه هو لصالح نفوذه، المشروع الإيرانى يقوم على خلق أذرع وميليشيات مسلحة داخل كل دولة، بحيث تصبح دولة موازية تشل تماماً الدولة القائمة وتجعلها مجرد ديكور فقط، لكن القرارات المصيرية تكون بيد الأذرع، رأينا ذلك فى أكثر من بلد عربى.

المشروع الإسرائيلى يقوم على توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، الدخول فى شراكات مع دول المنطقة يقدمون هم التكنولوجيا والعقول، وتقدم الدول العربية المال والقوة العاملة، كل ذلك دون حل القضية الفلسطينية.

والمفترض أن يكون هناك مشروع عربى، يقوم على حماية سيادة دول المنطقة وعدم المساس بها، وللوصول إلى ذلك لابد من القوة، بمعناها الشامل أى القوة العسكرية، لحماية حدود الدول وسيادتها، لا لتعتدى على أحد، لكن لتردع وتمنع العدوان، والقوة التى تقوم بالتنمية المستدامة وبناء الإنسان والشعوب.. بات ذلك ضروريا فى عالم اليوم، الذى يضعف فيه النفوذ الدولى وتضعف فيه بالتالى المؤسسات الدولية، سنة 1990 كان بإمكان الأمم المتحدة أن تتخذ قرارا يدين احتلال الكويت، ويجيز تحريرها بالقوة.

لكن حاليا، الصراع فى أوكرانيا منذ أربع سنوات، ولم يتخذ فيه حل إلى اليوم، وهناك صراع أخطر فى السودان دون تحرك دولى يناسب حجم الكارثة، وما حدث فى غزة منذ السابع من أكتوبر سنة 2023 وعلى مدى عامين تقريبا، لولا الجهد المصرى والقطرى.. والآن نرى ما جرى ويجرى منذ يوم 28 فبراير، دخلت الحرب الأسبوع الثالث، وزير الدفاع الإسرائيلى يقول إن لديهم خططا للاستمرار فى القتال والحرب حتى نهاية أبريل، الرئيس الأمريكى يعلن أن الحرب لن تقف إلا حين يريد هو، حتى الآن لا يجد مبرراً كافياً للتوقف.

المعنى هنا أنه لا اعتبار للقانون الدولى ولا دور للمؤسسات الدولية.. حرائق النفط التى تحدث، سوف تؤثر على مناخ وبيئة المنطقة .. ما يحدث من إيران سوف يخلق مشاعر من المرارة والثأر لدى شعوب المنطقة، وقد يفتح الباب لصراعات طائفية ومذهبية.. الهجمات الإسرائيلية هنا وهناك سوف تفقد الكثير من الشعور بقيمة وأهمية السلام.

فى كل هذا لابد من التمسك بالدولة الوطنية والتمسك بحالة الاصطفاف الوطنى.. ورفض مشاريع الهيمنة ومحاولات التسلط على المنطقة..

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة