لا يقتصر المأزق الذى واجهه الإعلام فى حرب إيران على شُحّ المعلومات وندرتها بسبب سياسة التعتيم التى انتهجتها الأطراف الضالعة فى الحرب؛ وإنما اتسع هذا المأزق ليشمل تضليله المتعمد أيضا بترويج المعلومات غير السليمة وغير الصحيحة، بسبب أن التضليل يعد نهجًا لإرباك المتحاربين.
تجسد هذا المأزق بشكل صارخ هذا الأسبوع تحديدا فى أمرين؛ الأول خاص بالمرشد الجديد لإيران، مجتبى ابن خامنئى، الذى اُغتيل فى الضربة الأولى لإيران، والثانى خاص بنتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، الذى صار أمريكيون يتهمونه بأنه فعل ما لم يفعله رئيس حكومة سابق لإسرائيل، وهو توريط الرئيس الأمريكى ترامب فى حرب إيران، والذى لم يتورط فيه مَن سبقوه فى رئاسة أمريكا.
أما حكاية مجتبى فلأنه تسرب خبر من إيران يفيد تعرضه لإصابة طفيفة فى قصف بدأت تثور الشكوك فى مصيره، خاصة أنه لم يظهر مخاطبًا الإيرانيين بعد إعلان إيران اختياره خلفًا لوالده مرشدًا أعلى، واكتفى فقط بإعلان تصريح مقتضب منسوب له، قال فيه: إنه علم باختياره مرشدًا أعلى لإيران من التليفزيون.. وعزز هذه الشكوك أنه أُذيع بيان منسوب له فى التليفزيون الإيرانى لم تظهر فيه صورته أو حتى صوته، وتولت مذيعة إذاعة البيان نيابة عنه!.. وبعدها ترددت تكهنات حول أنه تعرض لإصابة جسيمة منعته عن إلقاء بيانه بنفسه وصوته بل ومنعته حتى كتابة هذا البيان، وأن الذى كتبه هو على لاريجانى. وذهبت تكهنات أخرى إلى أنه لقى حتفه مع والده وأفراد من أسرته خلال الضربة الأولى للحرب، وأن القادة الجدد فى إيران أخفوا ذلك واختاروا غيره مرشدًا أعلى، لم يعلنوا ذلك حماية له من الاغتيال الذى هدد به نتنياهو المرشد الجديد.. ثم تمادى أصحاب التكهنات وقالوا وكتبوا فى إحدى الصحف أن المرشد مجتبى تم نقله سرا إلى موسكو ليخضع لجراحة دقيقة وكبيرة نظرا لإصابة خطيرة تعرض لها، وأن ذلك حدث بدعوى من الرئيس الروسى بوتين شخصيا لإنقاذ حياته، وإذا استمر اختفاء مجتبى على هذا النحو؛ فقد نُفاجأ بقصة أخرى تتعلق به يدعى أصحابها أنها حقيقية.
بينما حكاية نتنياهو فقد بدأت منذ أكثر من أسبوع حينما اختفى إعلاميا فجأة مثلما تختفى الطائرة عن الرادار، ولأن هذا الاختفاء يكون عادة مؤشرا على سقوطها، فقد راجت تكهنات بأن نتنياهو لقى حتفه بعد أن استهدف صاروخ إيرانى المبنى الذى كان يوجد فيه.. وعزز هذه التكهنات الاختفاء غير المألوف لنتنياهو، بل وعدم حضوره اجتماعًا أمنيًا رأسه وزير الدفاع، والتوقف على غير عادته عن إطلاق التصريحات الصحفية والإعلامية.. وعزز رواج هذه التكهنات إعلان طهران أنها استهدفته بأحد صواريخها وأنه من المحتمل أنه قُتل.. وحتى عندما أذاعت إسرائيل فيديو له يتحدث فيه، شكك البعض فى هذا الفيديو، وقالوا إنه فيديو ليس حقيقيا وإنما من صُنع الذكاء الاصطناعى.
وهكذا.. لفّ الغموض تلك الحرب وشابها التضليل أيضا.. فلا أحد يعلم حقيقة خسائر إيران أو خسائر إسرائيل وأمريكا، سواء الخسائر البشرية أو خسائر المعدات، ولا أحد يعلم أيضا احتياطى إيران من الصواريخ، وكم يوما تكفى، أو احتياطى أمريكا وإسرائيل من صواريخ الدفاع الجوى التى تتصدى لصواريخ إيران وطائراتها المسيّرة.. ولا أحد كذلك يعلم حجم التدمير الذى أصاب إيران رغم اختراقها بجواسيس إسرائيل ولا الدمار الذى لحق بالقدس المحتلة وتل أبيب ولا حاملات الطائرات والقواعد الأمريكية فى دول الخليج.
وهذا هو مأزق حقيقى وكبير للإعلام والصحافة فى هذه الحرب، بينما كانت هناك حروب سابقة تدور على الهواء مباشرة مثلما حدث فى حرب العراق وقبلها فى حرب أفغانستان.
وسبب هذا المأزق هو سياسة التعتيم وإخفاء المعلومات المتبعة من كل الأطراف فى هذه الحرب، بل سياسة التضليل أيضا لأطراف هذه الحرب، وفى مثل هذا المناخ تراجع الحقائق وتحلّ محلها الأكاذيب وتطرد المعلومات المغلوطة المعلومات الصحيحة، بينما الإعلام يقوم على إذاعة ونشر المعلومات السليمة وكشف الحقائق.