مع حلول موسم الأعياد التى غالبًا ما يحرص خلالها الشباب المقبل على الارتباط على شراء الشبكة الذهبية، التى تمثل أحد أهم تقاليد الزواج فى المجتمع المصري. وتتكون الشبكة عادة من طقم متكامل يشمل دبلة وخاتمًا ومحبسًا وأسورة وسلسلة وحلقًا، مع تنوع كبير فى الأوزان والتصاميم، غير أن الارتفاع الملحوظ فى أسعار الذهب مؤخرًا جعل شراء هذه المشغولات التقليدية عبئًا ماليًا، الأمر الذى دفع العديد إلى اختيار عيارات أقل وأوزان أخف مع الاستغناء عن معظم القطع، والاكتفاء بقطع أساسية مثل الخاتم والدبلة، ولمواجهة الضغوط الناتجة عن ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، بدأت شركات المجوهرات فى استخدام تقنيات وآلات تحافظ على المظهر الخارجى للمشغولات، مع تقليل كمية الذهب المستخدمة فيها.

فى هذا الإطار، أوضح لطفى المنيب، نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، أن «استخدام التقنيات الحديثة فى التصنيع أسهم فى خفض أوزان المشغولات الذهبية بدرجة كبيرة مقارنة بما كانت عليه فى السابق، لكن لا بدّ من وجود معيار آخر وهو الجودة، التى أصبح يتداخل معها عنصر مهم يتمثل فى مراعاة الظروف الاقتصادية، فقد ارتفع سعر جرام الذهب إلى أكثر من 7400 جنيه؛ إذ تضاعف سعره خلال عام واحد».
«المنيب» أكد أن «ارتفاع سعر الذهب أثر على السوق المصرى، وحدّ من شراء المعدن النفيس بأشكاله وأنواعه خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية التى يمر بها العالم، وصعوبة تساوى نمو الدخل مع الزيادة القياسية فى سعر المعدن الأصفر»، مشيرًا إلى أن «مسألة شراء «الشبكة» تعد مسألة نسبية تقديرية، فرغم أن الذهب سلعة استراتيجية مهمة للاختزان ووعاء ادخارى للحفاظ على الأموال، فهو ليس سلعة أساسية مثل الطعام والشراب والدواء، لذلك يمكن للبعض أن يتغاضى عن الشبكة. ورغم تغير العادات الاستهلاكية وتأثر سوق الذهب، فمن الصعب أن تحل الفضة أو غيرها محل الذهب.
منذ بداية العام الجارى، شهدت أسعار الذهب موجة من التقلبات الحادة؛ إذ تخطى سعر الأونصة حاجز الـ5000 دولار لأول مرة فى شهر يناير الماضى، قبل أن يصل إلى مستوى قياسى بلغ 5594.82 دولار للأونصة، غير أن المعدن النفيس تعرض لاحقًا لهبوط حاد؛ إذ هوى بنحو 1200 دولار خلال يومين فقط، مسجلاً أسوأ تراجع له منذ عام 1983، لكن عاد الذهب إلى الارتفاع مرة أخرى فى البورصات العالمية والأسواق المحلية مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة وسط مخاوف من أن تؤدى الرسوم الجمركية الجديدة إلى تفاقم التضخم. وقفز سعر الأونصة عالميًا إلى 5420 دولارًا بعد «الضربة الأمريكية - الإسرائيلية» على إيران، قبل أن يتراجع لاحقًا متأثرًا بارتفاع الدولار وصعود أسعار النفط، ليستقر نسبيًا قرب مستوى 5100 دولار للأونصة مع استمرار التوترات فى منطقة الشرق الأوسط.
ويزيد تناقض تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حول أن الحرب مع إيران ستنتهى قريبًا، وإشارته إلى احتمالية استمرار الحرب فترة أطول من حالة عدم اليقين، ما يعزز جاذبية الملذات الآمنة خلال الفترة المقبلة. ورغم تذبذب أسعار الذهب حاليًا، يتوقع محللو «وول ستريت» أن تصل أسعار الذهب إلى 6000 دولار للأونصة، بل وتتجاوزها، بحلول نهاية هذا العام. ويعد بنك «جيه بى مورجان»، أحدث بنك استثمارى، يرفع توقعاته لسعر الذهب، حيث يتوقع البنك أن يدفع الطلب القوى والمستمر من البنوك المركزية والمستثمرين -على حد سواء- أسعار الذهب فى نهاية المطاف إلى 6300 دولار للأونصة بحلول نهاية العام، كما رفع توقعاته طويلة الأجل لسعر الذهب إلى 4500 دولار للأونصة.
ويرى المتفائلون بشأن الذهب أن الارتفاع سيكون هيكليا وليس مضاربة، وأن تصاعد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار مشتريات البنوك المركزية وزيادة تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب، سيدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، وتسجيل مستويات قياسية على غرار العام الماضى، الذى قفزت فيه الأسعار بأكثر من 64 فى المائة.
ويحدد مجلس الذهب العالمى أربعة سيناريوهات لعام 2026؛ يرتفع سعر الذهب أو يحافظ على استقراره فى ثلاثةٍ منها، بينما ينخفض فى سيناريو واحد فقط، وذلك فى حال نجاح إدارة الرئيس ترامب فى تعزيز النمو الأمريكى، والحد من المخاطر الجيوسياسية، ودفع الاحتياطى الفيدرالى إلى رفع أسعار الفائدة.

فى هذا السياق، قال المهندس سعيد إمبابى، المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة»: إن «الأسواق توازن بين دعم المخاطر الجيوسياسية للذهب من جهة، وضغوط السياسة النقدية الأمريكية من جهة أخرى»، لافتًا إلى أن «أى تهدئة فى الحرب الإيرانية قد تسهم فى تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية المضمنة فى أسعار الذهب، ويحدّ من اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة».
وعلى صعيد السياسة النقدية، أوضح «إمبابى» أن «المستثمرين يعيدون تقييم مسار أسعار الفائدة الأمريكية، مع استمرار المخاوف بشأن التضخم. وتتوقع الأسواق على نطاق واسع أن يُبقى مجلس الاحتياطى الفيدرالى أسعار الفائدة دون تغيير فى اجتماعى مارس وأبريل. أما خفض الفائدة فى يونيو، والذى كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره التوقيت المرجح لاستئناف دورة التيسير النقدى، فقد تراجعت احتمالاته. هذا التحول فى التوقعات يدعم الدولار نسبيًا ويحدّ من مكاسب الذهب، نظرًا لأن المعدن الأصفر لا يدرّ عائدًا».
كما أشار إلى إعلان الممثل التجارى الأمريكى جيميسون جرير أن بعض الرسوم الجمركية قد ترتفع إلى 15 فى المائة، وذلك بعد فرض رسوم بنسبة 10 فى المائة دخلت حيز التنفيذ مؤخرًا، فى أعقاب حكم المحكمة العليا المتعلق بقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، مشيرًا إلى أن هذه التطورات أعادت حالة عدم اليقين إلى الأسواق، خاصةً فى ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن الشركاء التجاريين أو نطاق تطبيق الزيادات الجديدة.
وختم المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة» حديثه، بأنه رغم التقلبات تبقى المعنويات العامة إيجابية تجاه الذهب، مع استمرار مشتريات قوية من آسيا والبنوك المركزية، وارتفاع حيازات صندوق «SPDR Gold Trust» أكبر صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب فى العالم. وفى المجمل، يظل الذهب مدعومًا بعوامل عدم اليقين الجيوسياسى والتجارى، بينما يحدّ مسار السياسة النقدية الأمريكية من وتيرة الصعود، ما يُبقى الأسعار فى حالة توازن دقيق بين قوى الدفع والكبح.